باعلان منظمة العفو الدولية بعد منتصف يوليو لهذا العام ان إسرائيل تواصل عمليات هدم منازل الفلسطينيين في الضفة الغربية بنفس الوتيرة التي كانت عليها قبل توقيع اتفاقات الحكم الذاتي الفلسطيني عام 1992، يتأكد للجميع ان السياسة الإسرائيلية واستراتيجيتها الصهيونية لم ولن تتغير لتحقيق اهدافها في الاستيلاء الكامل على الارض الفلسطينية. مبرر إسرائيل الذي يشكل لازمة في كل محفل دولي هو ان حجمها الصغير قياسا لحجم الدول العربية يتطلب ان تتوفر لها ارض كبيرة وحماية قوية لمواجهة هذه الدول، ولذلك فهي تصنف الأمر بالشكل التالي: الفلسطينيون عرب وبالتالي فانه يمكن للدول العربية استيعابهم فهم قومية واحدة، وليعطوننا فلسطين لتكون للقومية اليهودية ارض واحدة لشعب واحد لا لشعبين. وفي مقابل ذلك نرى ان إسرائيل لا تكتفي بالمطالبة بل ترفقها بفعل عسكري لكنها تعمل وفق تكتيكات تضمن لها تحقيق انتصار فهى لايمكنها احتمال خسارة حرب واحدة دفاعا عن استراتيجيتها واهدافها، وهي لذلك تتجنب الحروب بالضربات العسكرية الخاطفة وكما يسميها العسكريون حرباً سريعة خاطفة تؤمن لها تحقيق مكسب عسكري واستراتيجي وتضمن عدم وقوع خسائر. ولخوض هذه الحرب الخاطفة تعتمد إسرائيل على تكتيك يشبه التكتيك الأمريكي في حروبه الحديثة، ولا يمكن معرفة من منهما سبق الاخر به، ويستند إلى وسائل عديدة منها: ـ السلاح الجوي كسلاح رئيسي في أي فعل عسكري عدواني. ـ السلاح البحري للمراقبة والحصار والقصف. ـ المدفعية التي تقوم بعمليات التدمير وبث الرعب. ـ القوات البرية وهي المكلفة بالاحتلال والتهجير والاغتيال. ويمكن للمراقب المتفحص لطبيعة الصراع العربي ـ الصهيوني ان يلحظ بعض السمات لاعمال القوات الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني ولعل أهمها تركيز هجومها على الأهداف المدنية والبنية التحتية للاراضي الفلسطينية وهي سمة الحروب الحديثة، كما تعمل على اغتيال القيادات الفلسطينية لحرمان الشعب الفلسطيني من قيادته محاولة ان تصل بالشعب الفلسطيني لدرجة اليأس دون ان تتورع عن استخدام احدث الأسلحة ضد الاطفال والنساء كما تستخدم أساليب الحصار والتجويع. ويمكن حصر الأهداف السياسية العسكرية الإسرائيلية في هذا الصراع بـ: ـ كسر ارادة الشعب الفلسطيني بتعريضه لخسائر كبيرة واجبار الدول العربية على عدم التدخل في الصراع. ـ القضاء على المقاومة الفلسطينية والسيطرة على المناطق التي يعيش فيها الفلسطينيون. ـ تدمير البنية الأساسية للمقاومة الفلسطينية. ـ وردع القوات العربية عن تقديم مساعدة عسكرية للمقاومة. يضاف إلى ذلك مهام فرعية للقوات المسلحة الإسرائيلية غير ذلك تشمل قتل القيادات العسكرية الفلسطينية وفرض حصار عسكري على القرى والمدن العربية الرئيسية والاستيلاء على مناطق حاكمة في المناطق الفلسطينية يمكن فرض سيطرة عليها، وتدمير مراكز قيادة قوات الأمن الفلسطينية اضافة إلى قطع خطوط امداد الفلسطينيين والسيطرة على الحدود بين فلسطين والدول العربية المجاورة وحماية المناطق التي تحت السيطرة الإسرائيلية من اعمال المقاومة الفلسطينية. استراتيجية إسرائيل العسكرية تهدف من ضمن ما تهدف اليه إلى ادخال المنطقة في مخطط العولمة الجديد عبر تغيير واقعها الاقليمي باعادة رسم جغرافية المنطقة واعادة تقسيمها على أساس «عرب ويهود». وفي اطار العولمة أو النظام الدولي الجديد نقرأ الموقف الأمريكي وموقف المنظمة الدولية والموقف الأوروبي في المرحلة الأخيرة لنستطيع ان نقرأ توجهات شارون وحكومته تجاه ما يقوم به من عمليات اعادة احتلال الارض الفلسطينية وتهجير ما تبقى من سكانها. مواقف دولية وعربية بالتأكيد ينبغي التذكير بان انتهاء الحرب الباردة في اوائل التسعينيات وتحول هيكل النظام الدولي من الاستقطاب «الامريكي ـ الاوروغربي» ـ «السوفييتي ـ الاوروشرقي» إلى هيكل اخر قد غير مفهوم النظام العالمي. ورغم ان الدراسات تراوحت بين تسميته باحادي القطب الذي تنفرد فيه الولايات المتحدة بالقيادة وبين وصفه بانه هيكل متعدد الاقطاب، الا اننا نلاحظ بروز الولايات المتحدة والدول الرأسمالية المنتصرة في الحرب الباردة مركزة بشكل اكبر على القوة الاقتصادية التكنولوجية. ويعني ذلك من ضمن ما يعينه فرض قائمة اولويات جديدة للعالم يتم تعميمها على النظم الاقليمية الفرعية كالنظام الاقليمي العربي من خلال شغل الفواعل الاساسيين في هذه النظم، وهكذا وجدنا، في محاولة امريكا اقلمة العالم، ان الدول الفقيرة تنخرط في الخصخصة وبذلك ارتهنت اقتصادات هذه الدول ومنها العربية بالاقتصاد الأمريكي ومصالحه وطموحاته وهو بالتالي مرتبط باسرائيل. ويرى الباحثون ان ادارة العلاقات بين الدول العربية وإسرائيل والتي قامت بها امريكا ركزت على الادوات الدبلوماسية والاقتصادية فصار الاسم المعتمد للصراع العربي الإسرائيلي هو مجرد «النزاع العربي ـ الإسرائيلي» كما لو ان بين العرب وإسرائيل نزاعاً حول نسبة أو اخرى من الارض والموارد. وتحولت بفعل هذه الادارة المفردات والمصطلحات واللغة برمتها فصارت «المقاومة» ارهابا، والعمليات الاستشهادية، عمليات انتحارية، واتهمت من يجرؤ على المس بأمن إسرائيل والنظام الدولي بانه ارهابي وساوت بين عنف الجاني وعنف الضحية، حتى وصلت ايام بوش الابن مؤخراً إلى اطلاق يد إسرائيل باعطاء شارون الضوء الاخضر في تصفية الفلسطينيين واحتلال الارض بكاملها ونسف كل الاتفاقات السابقة. أما أوروبا فقد بدت متذبذبة رغم ما هو معروف عنها من كراهيتها المبطنة لليهود الذين يستنزفونها بمحرقة النازية. شكلت الانتفاضة الاخيرة في نظر اوروبا حريقا يجب السيطرة عليه وطالما انه بقي محصورا في الارض الفلسطينية فقد رأوا انه لا موجب للتعجل باتخاذ موقف، ولم يفكر الاوروبيون ابدا في حماية فلسطين أو الفلسطينيين الا من واقع تقسيم المصالح اذا ما اعيد احتلال المنطقة. وما ان اعلنت إسرائيل موافقتها على مراقبين امريكيين نجد ان لهجة الخطاب الأوروبي تغيرت باتجاه دعم شفوي للفلسطينيين وإدانات خجولة من اجل الضغط على اسرائيل التي لا يتوقع ان تقبل وجود مراقبين غير امريكيين. اما موقف المنظمة الدولية فقد اتسم بالبرود والانحياز لإسرائيل، فرغم الانتهاكات الصارخة لحقوق الانسان التي تمارسها قوات الاحتلال الإسرائيلي في حق الشعب الفلسطيني في الاراضي العربية المحتلة والتي تصاعدت وتيرتها على نحو خطير منذ اندلاع انتفاضة الاقصى في سبتمبر 2000 الا اننا نجد المنظمة الدولية عاجزة عن فرض وقف لاطلاق النار الإسرائيلي مثلما عجزت عن ادانة الفعل الصهيوني. ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل افشلت جهود القيادة الوطنية الفلسطينية والجهود العربية والإسلامية في استحصال موافقة مجلس الأمن الدولي على ارسال مراقبين دوليين تابعين له يكونون بمثابة قوة غير مسلحة لتعمل على حماية الفلسطينيين ومراقبة الاوضاع والظروف في الاراضي الفلسطينية المحتلة. وبالتالي يمكن اجمال مواقف الدول الغربية والمنظمة الدولية بالتالي: ـ مواقف أوروبية مترددة وتصريحات عامة وأمريكية منحازة لإسرائيل. ـ تحول أوروبا والمنظمة الدولية إلى وسيط بديل تحت التجربة بعد وقوف امريكا إلى جانب إسرائيل وتجميد دعمها للاتفاقات المعقودة بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني. ـ فرش ارضية جديدة لدور أكبر على مختلف الاصعدة يوحي باعادة احتلال المنطقة ووضعها تحت وصاية دولية. ـ تقديم اوروبا لمبادرة توسط غير مخططة «مبادرة فيشر» وهي بشكلها العام ومضمونها ذات طابع امريكي. ـ عجز المنظمة الدولية عن ايقاف إسرائيل المدعومة امريكيا من انفاذ مخططاتها والاطاحة بكل الاتفاقات السابقة مثلما هي عاجزة عن تطبيق قراراتها التي اصدرتها بنفسها والمتعلقة بالقضية الفلسطينية. ولكي نتمكن من فهم ما قد يحدث ينبغي المرور على توجهات شارون وسياسته في اطار الاستراتيجية الإسرائيلية الصهيونية. شارون وميزان القوى لن نضيف جديداً اذا قلنا ان شارون رسم سياسته قبل ان يرشح نفسه للانتخابات مما يوضح انه يتبع تكتيكا مدروسا وموضوعا على المدى الطويل وهو الذي اعد له التوقيت المناسب لاعتلاء صهوة الحكم. كان المطلوب من شارون تحقيقه بأي وسيلة يعرفها او لا يعرفها ووسائله الإرهابية معروفة ـ ان يحقق امرين لا ثالث لهما: ـ الأول: امني يتعلق بضمان الامن الشخصي والوطني من خلال قمع الانتفاضة. ـ والثاني: سياسي ويتعلق بخفض توقعات ومطالب الفلسطينيين في التسوية النهائية وارغامهم على قبول سقف اكثر انخفاضاً مما طرحه باراك في كامب ديفيد الثانية. ويفيد استطلاع اجراه معهد جالوب في 30/3/2001 بان غالبية الجمهور الإسرائيلي يتجه إلى مطالبة شارون وحكومته باستخدام المزيد من القوة مع نهاية مارس 2001 أي بعد حوالي خمسين يوماً من فوز شارون. وأشار المعهد إلى ان نسبة 58% من الجمهور تعتبر سياسة حكومة شارون متساهلة للغاية تجاه الفلسطينيين وان نسبة 65% تؤيد تطبيق اجراءات عسكرية اشد خشونة ضد الفلسطينيين، وان نسبة 71% تؤيد عدم اجراء اية مفاوضات طالما لا يسود الهدوء من جانب الفلسطينيين. ويتوقع المراقبون ان التغييرات التي ستحدث في اطار هذه القضية الأزمة ستكون على مستويين: ـ نقل صورة الصراع من صراع حول ارض وحقوق إلى اطار التصدي للاصولية الإسلامية وبهذا ستهيأ إسرائيل لتبدو بصورة المرن المضطهد الذي يتبنى نبرة اكثر ليونة. ـ المحافظة على وظيفة إسرائيل وجعل الاخيرة قادرة على اداء هذه الوظيفة بإزالة كل ما يعرقلها حتى لو كان العرب انفسهم. هناك سيناريوهات كثيرة طرحت لتحقيق هذين المستويين منها ما سمي باتفاق الخليل ومنها ما طرحه شارون بنفسه في اطار معالم حل نهائي هو عبارة عن الخطوط العريضة لمشروع «ألون» الموسع من قبل. اتفاق الخليل ركز على اعادة الانتشار اللاحقة وهو موضوع مباحثات تهدف إلى ربط الوضع الجغرافي في الضفة والقطاع بالأمن الصهيوني وقد حظي بموافقة فلسطينية. اجمل هذا الاتفاق في رسالة اكد كريستوفر ان الرئيس الفلسطيني عرفات وافق عليها وهي تتلخص في: اعادة الانتشار ستتم في الضفة الغربية «وليس من الضفة الغربية» ـ بمعنى ان إسرائيل ستعيد ترتيب قواتها في المنطقة دون ان تخرج منها. والمناطق التي ستتضمنها مستوطنات أو مواقع عسكرية وحدود. كما ان عملية الانتشار لن يجرى في المناطق التي خططتها إسرائيل للاستيطان وفق حدود إسرائيل بكاملها وان موقع هذه المناطق تحددها إسرائيل في ضوء اهتماماتها الامنية.. وهنا نجد ضرورة وجود قوات المخابرات. شرط اتفاق الخليل كان «فقط اذا اثبت الجانب الفلسطيني انه قادر وذو ارادة على الالترام.. وتلتزم إسرائيل بعد فترة من الزمن بنقل مساحات اضافية من الضفة الغربية للادارة الفلسطينية وحسب مجريات التفاوض وتعد الادارة الامريكية هي المخولة بتحديد مدى الالتزام والقدرة الفلسطينية على الوفاء بالتعهدات». ووفق ماورد في الرسالة التي تضمنت هذا الاتفاق فان الولايات المتحدة «تقر بحق إسرائيل بتحديد شروط الامن وبالتالي الحكم على مقدار تحملها لمسئولياتها الامنية». وبالطبع فان ما ستعيده إسرائيل من الضفة هو ما اعادت احتلاله ابان الانتفاضة الاخيرة، وقد لا تعيده اذا اندلعت حرب شاملة فنذرها تملأ المنطقة. اما اطار الحل النهائي، والذي وصفه الإعلام بانه «خارج اطار مسميات الاعتدال والتطرف داخل صفوف اليمين الإسرائيلي». يلتقي في معالم هذا الحل شارون ومردخاي اللذان يتصارعان بشكل استعراضي، وتبرز نقاط الالتقاء بمايلي: ـ اقامة شريط امني على طول الحدود مع نهر الأردن «بعرض 20 كيلو متراً بقول شارون» وذلك لأهمية هذا للتدريب والمناورة وحماية امن الكيان الصهيوني من اي هجمات مزعومة عسكرية من الشرق. ـ اقامة شريط امني على طول الحدود بين الضفة الغربية والاراضي المحتلة عام 1948 مع تعزيز الوجود الإسرائيلي في المنطقة لاقامة سد عازل بين الفلسطينيين والتجمعات اليهودية وراء الخط الاخضر القديم. ـ ابقاء منطقة القدس الكبرى «الممتدة من جنوب رام الله وحتى شمال بيت لحم» تحت السيطرة الإسرائيلية، مع تقسيم الضفة الغربية إلى قسمين شمالي وجنوبي. ـ ابقاء مصادر المياه تحت سيطرة الدولة العبرية باعتبارها قضية اقتصادية وحيوية للوجود الصهيوني اضافة للسيطرة على الثروات التي تعد من المعالم السيادية لاي دولة حقيقية. ـ عدم اخلاء القواعد العسكرية الكبيرة للجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية. وتدرك ان هذا المقترح المطروح انما يطرح اتفاقات بديلة تنسف الاتفاقات السابقة منذ اوسلو حتى اخر اتفاق موقع، وترسم على ارض الواقع تكريسا للاحتلال واعترافاً كاملاً بعدم قيام دولة فلسطينية.. وبالطبع فان اي توقع سيذهب إلى صورة الحرب التي يجر شارون المنطقة اليها جراً فهو لم يكتف بالداخل الفلسطيني لكنه ذهب إلى تهديد سوريا ولبنان، خاصة بعد ان استدعى الاحتياطي للجيش الإسرائيلي والذي تؤكد جميع المصادر والدراسات والمسئولين الرسميين وغير الرسميين ان تعداده حوالي 445 ألف احتياطي نقلا عن مركز جامعة جافي للدراسات الاستراتيجية في تل ابيب، يضاف اليه واقع تعداد الجيش الإسرائيلي الحالي والذي يبلغ 186 ألف جندي. مقابل هذا الحجم من الدعم الدولي لإسرائيل وفعلها وحجم قدرتها العسكرية مضافا اليها النووية نجد ان الفعل العربي فقير سوى من كلمات التنديد والوعيد غير الفعالين، نجد رقما واحداً لحجم اية قوة طواريء يمكن احتسابها قوة عربية.. اننا أمام عاصفة دفعنا اليها دفعا ولم نفعل سوى أن إنحنينا أمامها وسنواصل الانحناء.