لم يعد الاعلان عن انسلاخ أحد قادة جماعة الاخوان المسلمين بالأردن عن التنظيم لغايات متعددة منها الالتحاق بركب مناصب الدولة الرفيعة بأمر غريب. فقد سجلت ذاكرة الجماعة في الفترة القليلة، السابقة عددا من النماذج التي ذهبت فيها شخصيات اسلامية إلى حضن الدولة في اختيار لوحظ أحيانا على شخصيات انه كان صعبا وقاسيا وفي أحيان أخرى سهلا وسلسلا. ويبدو ان الشيخ ياسر العمري سيكون من المنتقلين إلى أحضان الدولة وربما ليس آخرهم، على أثر سحبه لاستقالته كرئيس لبلدية الزرقاء (20كم شمال شرقي العاصمة) رغم قرار تنظيمه بعدم المشاركة في المجالس البلدية التي أفرزها قرار الحكومة الأردنية بدمج البلديات. وحسب ما تؤكده مصادر قيادية في «الاخوان» فانهم الآن يعدون للشيخ محاكمة تنظيمية بسبب موقفه من قرار التنظيم المتعلق بالاستقالة من مجالس البلديات، حيث قام العمري بسحب استقالته من رئاسة بلدية الزرقاء على اثر تخلي الحكومة الأردنية عن ورقة دمج بلدية الزرقاء مع الرصيفة. وفي حين لا تصل هذه الأجواء الداخلية للجماعة حد القول بوجود أزمة، أكد مسئولو «الاخوان» ان رئيس بلدية الزرقاء يتأهب حاليا للخضوع إلى محكمة حزبية لاتخاذ قرار بشأن تهمة مخالفة الأوامر التنظيمية، فقد اعتبر الاخوان قرار العمري شخصي ولا يعبر عن قرار الحزب أو الجماعة، وحول ذلك أعرب جميل أبو بكر الناطق الرسمي باسم الجماعة عن أسفه لقرار العمري وقال ان حزب جبهة العمل الاسلامي لم يتراجع عن موقفه، لافتا إلى أن رئيس بلدية الرصيفة عاد عن قراره بالتراجع عن الاستقالة والتزم بقرار الحزب. ويربط الاسلاميون ما جرى من دمج للبلديات بتفسير سياسي، فهو «حلقة من حلقات مخطط، وهو جزء من حزمة اجراءات لمقاومة مفهوم الانتخاب الحر في كافة المجالات النيابية والبلدية والطلابية وغير ذلك»، بل ذهب أمين عام حزب جبهة العمل الاسلامي إلى القول بإن الحكومة تريد تطويق ارادة الشعب في الانتخابات الحرة والنيل من الديمقراطية بهذه الاجراءات، ومن هنا تأتي خطورة الانقسامات والتحركات الشخصية في الدائرة الحزبية على حد قول عربيات، الذي أصر على موقف حزبه الحازم من معارضة مشروع الدمج، لأن المعارضة لم تأت عبر مواقف عفوية أو غير مدروسة، وانما جاءت وفق بحث أصحاب الرأي في الجبهة». وما يزيد من صعوبة الموقف لدى الاخوان ان العمري الشخصية المحلية الأولى في محافظة الزرقاء سواء لدى الاسلاميين أو المواطنين العاديين، فقد عرف عن رئيس بلدية الزرقاء العمري طوال سنين طويلة النزاهة وحسن الإدارة، بل ان أهالي المدينة تنفسوا الصعداء عندما علموا بأن شيخهم سيبقى على الأقل سنتين اضافيتين كرئيس لبلديتهم، وحسب مصادر مطلعة في الجبهة ذراع الاخوان السياسي فقد تلقى مقر الجبهة عددا كبيرا من الاتصالات التي تناشدهم بالتخلي عن فكرة استقالة العمري لما رأى فيه من نزاهة وحسن ارادة. وهذا ما ذهب إليه رئيس بلدية اربد السابق المهندس نبيل أحمد الكوفحي عندما صرح لمراسل «البيان» في عمان ان أياما قليلة كانت كفيلة بهدم كل ما تم انجازه في سنوات، عندما قاد بلدية اربد مجلس معين. وسواء كان هذا القول دقيقا أم لا فإن ذلك يشير إلى أن الاسلاميين توصلوا إلى حقيقة ان الكثير من انجازاتهم الخدمية لمواطني المحافظات التي كانوا يعملون فيها ستتبخر إذا ما أصروا على الاستقالة، ومن هنا جاءت نصيحة الكوفحي لأهل الرأي في الجبهة بعدم الاصرار على استقالة مجلس وأعضاء بلديتي الزرقاء والرصيفة. ولكنهم ارتأوا في نهاية المطاف الصالح الوطني العلو على الصالح المحلي للمحافظات على حد قول أبو بكر، فلا يمكن تسطيح القرار إلى هذه الصورة غير المقبولة. ويشير الناطق باسم جماعة الاخوان المسلمين إلى قرار الدمج ذاته بالقول ان التوقف عن دمج بعض البلديات يؤكد الخلل والتشويش في الرؤية ومبررات اتخاذ القرار، ويؤكد انه قرار متعجل ومرتجل فيه أهواء شخصية أكثر من تعبيره عن مصلحة وطنية مدروسة. أما فيما يتعلق بما بدأ الحديث عنه من أن قرار الشيخ العمري الفردي سيدفع كلا من الجماعة وحزبها إلى مزيد من الارباك في ظل ما شهده العقد الأخير من تضارب في الرأي بين بعض قادة الجماعة والاجماع التنظيمي أدى في النهاية إلى سقوط عدد من الكوادر الاسلامية الفاعلة، فإن المفكر الاسلامي وأحد أقدم قادة الاخوان د. محمد أبو فارس يشير إلى هذه الحالات بالتشديد على أن المعنيين في التنظيم وأصحاب الرأي فيه لابد أن يأخذوا ما جرى «من سقوط بعض الأعضاء البارزين» بعين الاعتبار بحيث ينجحون في الاستفادة من تجاربهم السابقة. رغم ان د. أبو فارس يؤكد صعوبة ذلك.. «فلا يعلم ما في النوايا إلا هو»، علما بأن قيام التنظيم برفع احدى شخياته إلى السطح ومن ثم تخلى هذه الشخصية عنه وبهذه البساطة ليس أمراً سهلاً في النهاية، وأقل ما يمكن الحديث عنه ان الجهود التي انصبت على هذا الرفع والاعداد ذهبت سدى. يشار في هذا الصدد إلى أن عددا من قادة الجماعة كانوا قد أقيلوا بقرار المحكمة التنظيمية بسبب تصرفهم بصورة تتناقض مع رأي التنظيم ومن أبرزهم الوزير الأردني الحالي عبدالرحيم العكور والدكتور بسام العموش الذي شغل عددا من المناصب الحكومية بعد استقالته من الاخوان بالاضافة إلى د. عبدالله العكايلة الذي أقيل بسبب رفضه للانصياع لأوامر الجماعة في قرارها مقاطعة الانتخابات البرلمانية الماضية، اضافة إلى عدد من الشخصيات التي تعد من الصف الثاني والثالث في الجماعة.