حذرت صحيفة «هآرتس» العبرية في مقال نشرته أمس من أن قادة جيش الاحتلال لا يملكون سبل مقاومة حرب العصابات الفلسطينية وبالتالي فإنه يدفع الأمور نحو حرب شاملة في المنطقة. وقال المقال الذي حمل توقيع الكاتب الاسرائيلي روبين بدهتسور: اذا كان ثمة شيء مخيف في الطريقة التي تدير فيها القيادة العليا للجيش الاسرائيلي الصراع مع الفلسطينيين، فهو الاستعداد لتصعيد القتال بتنفيذ عمليات من شأنها ان تؤدي الى حرب شاملة، لا يشارك فيها الفلسطينيون وحدهم. والا فانه من الصعب على المرء ان يفهم مثلا القرار بالقاء قنبلتين بوزن طن لكل منهما على مبنى في مركز مدينة مأهولة من طائرات اف 16. فيكفي ان تخطيء واحدة منهما الهدف بعشرين او ثلاثين مترا، حتى يقتل مئات المواطنين الفلسطينيين. وكي يفهم المرء ماذا يجري عندما ينفجر ألف كيلوجرام من المواد المتفجرة، يكفي له ان يتذكر انه في العملية الاستشهادية في مطعم سبارو في القدس، حيث قتل خمسة عشر شخصا، انفجرت نحو عشرة كيلوجرامات فقط. واحتمال الخطأ قائم دوما، ولا يجوز نسيان القنابل الامريكية «الذكية» التي ضربت السفارة الصينية في بلجراد في سياق الحرب على كوسوفو. هناك ايضا لم تقصد هيئة الاركان العامة للجيش الامريكي المس بالمواطنين الصينيين الابرياء. عندما لا تجري الحكومة الاسرائيلية، او حتى المجلس الوزاري المصغر بحثا جديا في السياسة الواجب اتخاذها، فان سبيل العمل الوحيد المتبقي هو ما يقترحه الجيش الاسرائيلي. فرئيس أركان هذا الجيش يصل الى مداولات المجلس كل مرة بحملة واسعة وطموحة اكثر من سابقتها. وهكذا، عندما يطلقون النار على جيلو على مدى ساعات طويلة، من الصباح حتى ما بعد الظهر، لا يقترح الجيش، كما يتطلب الامر، استخدام وحدات صغيرة مدربة بغية نصب الكمائن لمطلقي النار في بيت جالا والقاء القبض عليهم او قتلهم وهم يمارسون اعمالهم، بل يقترح السيطرة على البلدة. وعندما ينجح استشهادي في تفجير عبوته القاتلة في قلب القدس، يوصي رئيس الاركان بادخال الدبابات الى جنين، للمرة الاولى منذ العام 1967، وسلاح الجو يعرض خطته باطلاق الطائرات الحربية للمس، بالقنابل هائلة الضخامة، في وسط رام الله. تحت ستار من الخطاب المنمق وفي ظل استخدام جملة من المفاهيم المضللة التي يخترعها، يغير الجيش الاسرائيلي، بدعم بل وربما بتشجيع من القيادة السياسية العليا، سياسته، دون ان يثير الانتباه اللازم. ليس قتالا مركزا في موضع محدد فقط، في محاولة لضرب منفذي العمليات، بل توسيع الرقعة وفي الواقع الغاء التمييز بين من يعتزم استخدام العنف والسلاح وبين السكان الفلسطينيين في المدينة التي انطلق منها الاستشهاديون. فالعدو لم يعد مجرد حامل العبوة الناسفة، او مطلق النار على جيلو، بل ايضا سكان بيت جالا. ان توسيع تعريف العدو يبرر بالتالي ادخال الدبابات الى جنين، فالمدينة غدت «دفيئة ارهاب»، وبصفتها هذه ينبغي لها ان تدفع الثمن. وفي ظل غياب قيادة سياسية كابحة للجماح، يواصل الجيش الاسرائيلي تصعيده لعملياته، لقد بات استخدام القنابل من الطائرات بوزن طن في قلب مدينة مأهولة يلقى القبول والتفهم دون اعتراض، وغدا قد يصبح احتلال نابلس خطوة منطقية وشبه محتمة. وما كان يبدو قبل سبعة اشهر فقط غير مفهوم، وكعملية عسكرية مبالغ فيها جدا، بات موضوعا عاديا. وبانتظارها خطوات عسكرية تبدو اليوم غير معقولة. ومع ان الحملات المتصاعدة التي يقترحها الجيش الاسرائيلي ليس فيها ما يتصدى بنجاعة لحرب العصابات التي يديرها الفلسطينيون، الا انها بالمقابل من شأنها ان تؤدي الى التدهور غير المضبوط، والى حرب شاملة في مواجهة الفلسطينيين، بل والى حرب اقليمية. فرئيسا مصر وسوريا، وزعماء الدول العربية الاخرى، لا يمكنهم ان يواصلوا التمسك بسياسة الوقوف جانبا عندما تقضي قنبلة اسرائيلية على عشرات الفلسطينيين. ان ادخال قوات مصرية الى سيناء، كخطوة رمزية من الرئيس المصري، من شأنها ان تتدهور نحو الصدام، ونقل فرقة سورية قريبا من الحدود في هضبة الجولان، كبادرة من الاسد نحو الفلسطينيين، من شأنها ان تؤدي الى رد عسكري اسرائيلي والى تصعيد غير مخطط له. كل هذه من شأنها ان تحدث ايضا في أعقاب اطلاق نار من قوة اسرائيلية نحو هدف خاطيء او اصابة قنبلة جوية لبيوت خيل انها بدون سكان. ان من يؤمن ان الجيش الاسرائيلي محصن من مثل هذه الاخطاء، يجدر به ان يتذكر مجزرة قانا اللبنانية.
