الفصل السابع من هذا الكتاب يحمل عنوانا خطير الدلالة . العنوان من كلمة واحدة اختارها مؤلف الكتاب وهي:..الدم وفي رأينا فإن فصل (الدم) يعد أهم فصول الكتاب الذي نعرضه في هذه الحلقات. وهو مهم بالتأكيد من وجهة نظرنا كعرب عاشت أجيالهم المخضرمة شريط الأحداث .. الانكسار . المعاناة .. الخديعة الدولية في ذلك الصيف الساخن الملتهب من عام 1967. في الصفحات الأولى من الفصل السابع من الكتاب يحكي لنا المؤلف الباحث والصحافي الأمريكي جيمس بامفورد قصة سفينة التجسس الأمريكية «ليبرتي» في يوم 22 مايو 1967 كانت «ليبرتي» قد القت مراسيها في ميناء أبيدجان عاصمة ساحل العاج في غرب أفريقيا هذه «تعرف الدولة حاليا باسم كوت ديفوار وهي بداهة الترجمة الفرنسية لأسمها العربي القديم» لكن جاءت الأنباء مؤثره متلاحقه عن الموقف في الشرق الأوسط .. أخبار عن حشود إسرائيلية على حدود إسرائيل وسوريا، جمال عبد الناصر يغلق خليج العقبة . إسرائيل تعد هذا الإجراء بمثابة إعلان للحرب ومن ثم تعلن التعبئة العامة. وسط هذا الجو شديد التوتر بدأت عيون وأذان وكالة الأمن القومي الأمريكي وهي كما نكرر للقارئ الكريم الموضوع - المحور لهذا الكتاب - بدأت تنشر اشرعتها وترفع هوائياتها التماسا للمعلومات حول تطورات الموقف. اعتراف بيجين في هذا السياق يقول مؤلف كتابنا (ص 186): بدأ المسئولون الإسرائيليون يتوافدون على واشنطن وكانوا يرددون (لإدارة الرئيس جونسون وقتها) أن عبد الناصر على وشك أن يشن حربا شعواء على إسرائيل وأنهم لهذا بحاجة إلى دعم أمريكي . ثم يصف مؤلفنا الأمريكي جيمس بامفورد هذه الأقوال الأمريكية في عبارة واضحة باترة يقول فيها (نفس الصفحة): و«كانت تلك كذبة» لا أكثر ولا أقل. ثم يضيف بامفورد قائلا: والحقيقة هي ما اعترف به مناحم بيجين بعد ذلك بسنوات من أن إسرائيل هي التي كانت تخطط لتوجيه ضربة هجومية أولى ضد مصر وفي هذا قال بيجين عام 1982 على نحو ما تنقله سطور كتابنا: كان أمامنا الخيار تجمعات الجيش المصري في سيناء لم تكن تشير إلى ما يدل على أن ناصر كان في حقيقة الأمر موشكا على أن يهاجمنا وعلينا أن نكون أمناء مع النفس فنقول اننا نحن الإسرائيليين الذين هاجمنا عبد الناصر، ثم يواصل مؤلفنا تحليله للموقف على الوجه التالي: ولو كانت إسرائيل قد اجتذبت أمريكا إلى ضربة عسكرية أولى ضد مصر والعالم العربي ، لكانت النتائج كارثية بكل معنى ولكان الإتحاد السوفييتي قد هب للدفاع عن أصدقائه العرب بما يفضي إلى مواجهة ميدانية مباشرة بين القوات الأمريكية والقوات السوفييتية، ومثل هذا الموقف كان كفيلا بأن يصل بالأمور إلى مشارف الحرب النووية من ناحيتهم - يضيف المؤلف - كان رؤساء أركان حرب القوات الأمريكية بحاجة إلى معلومات استخبارية سريعة عن الموقف على الأرض في مصر .. وذلك في ضوء احتمال تورط أمريكا أوضلوعها في الحرب في الشرق الأوسط . كان همهم الأكبر معرفة عدد الجنود السوفييت لو كان هناك جنود سوفييت في مصر وما هي نوعية الأسلحة التي يحملونها . ولو كان للطائرات الأمريكية المقاتلة أن تدخل معمعة الصراع ، كان لازما التحديد الدقيق لمواقع بطاريات صواريخ الأرض - جو في مصر ولو أوفدت قوات أمريكية لكان من الحيوي معرفة مواطن القوة ومواقع الضعف من القوات المعادية. كأنما كان ثمة مسدس مصوب إلى أدمغة المسئولين في وكالة الأمن - المعلومات القومية في أمريكا .. هكذا يضيف مؤلف كتابنا، ومن ثم شرعوا في تقليب الأمور: أن المحطات الأرضية كتلك القائمة في قبرص كانت بعيدة عن مواقع الأحداث ومن ثم ليس بمقدورها جمع المعلومات التفصيلية بالقدر المطلوب من الدقة .. فضلا عن المشاكلات التي يمكن أن يصادفها جمع المعلومات بالمحطات المحمولة جوا . أخيرا استقر الرأي على استخدام سفن المعلومات «التجسس» بوصفها أفضل الخيارات، وهكذا وقع الاختيار على السفينة «ليبرتي» لأنها كانت الأكبر والأسرع والأقرب عند ساحل أفريقيا الغربي إلى مسرح الأحداث المقبلة في الشرق الأوسط. مع ذلك كان هناك معارضون لهذا الاختيار داخل هيئة الأركان الأمريكية قال قائلهم: ان الأمر ينطوي على خطر جسيم: السفينة ليبرتي ستكون وحدها عزلاء معرضة للخطر بغير حماية أو دفاع وقد تتلقى ضربات من أي من طرفي الصراع. «ليبرتي» على الخط وهكذا تلقت «ليبرتي» إشارة الأمر يوم 23 مايو 1967: استعدوا للإقلاع فورا . وتزودوا بالمعدات الفنية من ميناء روتا في أسبانيا وبعدها اتجهوا إلى منطقة العمليات قرب شواطئ بورسعيد وبعدها سوف نحدد لكم منطقة العمل بدقة. في أسبانيا. شملت الاستعدادات إضافة 5 عناصر ممن يجيدون العربية «ثلاثة مجندون في مشاه البحرية الأمريكية - المارينز واثنان من المدنيين من عملاء وكالة الأمن القومي» وقد انضم الخمسة إلى خبراء اللغة الروسية على متن «ليبرتي» ثم كان مطلوبا عنصر أخر يجيد العبرية. ومن روتا في أسبانيا انطلقت «ليبرتي» بأقصى سرعتها في مياه المتوسط وبلغت جنوب صقلية الإيطالية يوم 5 يونيو الذي شهد هجوم إسرائيل الذي حطم سلاح الجو المصري أو دمر معظم قوته في نحو 80 دقيقة كما يقول مؤلف الكتاب فيما إنطلقت الدبابات الإسرائيلية مندفعة في 3 إتجاهات عبر سيناء بإتجاه قناة السويس في الوقت نفسه أذاعت إسرائيل - يضيف المؤلف - تقارير مزيفة عبر أجهزة الاعلام قالت فيها أن مصر شنت هجوما واسع النطاق على إسرائيل والتي لم تجد أمامها سوى الدفاع عن نفسها. في واشنطن دق جرس الهاتف في غرفة نوم والت روستو مستشار الرئيس جونسون لشئون الأمن القومي وكان يستعد للنوم في الحادية عشرة . وجاء صوت أحد المساعدين يقول: الجمهورية العربية المتحدة «مصر» شنت هجوما على إسرائيل. أنا قادم فورا، ارسلوا لي سيارة! بعدها قرر المستشار إيقاظ رئيس الدولة .. وفيما كان البيت الأبيض يبحث الهجوم المصري «المزعوم» كان وزير خارجية إسرائيل يجتمع إلى ولورث باربور سفير أمريكا في تل أبيب ليبلغه بما يلي: أن إسرائيل وقعت ضحية عدوان جمال عبد الناصر. لكن طائرات الاستطلاع والتجسس الأمريكية، كانت تتخذ قواعدها في اليونان تحققت من عكس ذلك فإسرائيل كانت تواصل الهجوم والطائرات المصرية حاولت دون جدوى أن تقوم بغارات على مواقع إسرائيلية يوم 6 يونيو، كل ذلك والسفينة ليبرتي تمخر عباب المتوسط في طريقها إلى مسرح العمليات وسط مخاوف على سلامتها وأمن الطاقم الذي يعمل على أجهزة التصنت على متنها . ثم أن وجود السفينة الأمريكية أصبح مكشوفا للجانب المصري في ميدان القتال، وفي هذا يقول المؤلف بدأ المصريون يرسلون احتجاجات وتهديدات يشكون فيها أن العناصر العسكرية الأمريكية في حال من الإتصال مع إسرائيل وربما يمدونها بمساعدات عسكرية وكانت مصر قد إتهمت الطائرات الأمريكية بالمشاركة في الغارات الجوية الإسرائيلية وهو ما بعث القلق العميق في نفوس المسئولين في واشنطن خوفا من أن يؤدي ذلك إلى تدخل سوفييتي. هنالك بدأت مراجعة الموقف بالنسبة لمهمة السفينة «ليبرتي» وأرسلوا إليها إشارة بالإبتعاد، ولكن الإشارة لم تصل قط إلى السفينة بسبب أخطاء الإتصال - كما يتصور المؤلف - في محطة البنتاجون في واشنطن. كانت قد بلغت سواحل العريش وحلقت فوقها طائرة استطلاع إسرائيلية وبعدها أفاد الطيار بأنه استطاع أن يقرأ اسم السفينة وهويتها: الاسم :ليبرتي الهوية: جي. تي.آر ومعناها الأبحاث الفنية العامة، بمعنى أن ليبرتي قدمت نفسها إلى العالم، لا بصفتها الحقيقية كسفينة تجسس ولكن بوصفها مختبرا للابحاث الفنية لا أكثر ولا أقل وإذا اقتربت من سواحل غزة فوجئت بطائرة إسرائيلية تحلق على إرتفاع منخفض فوق رأسها لدرجة أن كاد جناحها يلامس الإيريالات - الهوائيات العملاقة المركبة فوق صهوتها .. في هذا الصدد يؤكد واحد من أفراد طاقم ليبرتي واسمه لاري ويفر «ص 200» أن الطائرة كانت تحمل بالطبع علامة نجمة داوود وأن الطيار كان منخفض التحليق لدرجة أنهم تبادلوا معه التحية بالأيدي بل وأنه - الصهيوني - حياهم بإبتسام وبدأ كمن يتحقق من رتبة الأمريكيين .. كان قبطان ليبرتي يستخدم منظاره المقرب وقد استهدى بمأذنة مسجد العريش لكي يحدد موقعه وسط البحر، ولكن سفينته كانت قد واجهت مصيرها أو كما تقول عبارات المؤلف بالحرف «ص 201». كانت ليبرتي قد خطت إلى ساحة الرعب في تلك اللحظة وقرب منارة العريش، كانت القوات الإسرائيلية مشتبكة تقترف مذبحة إجرامية، كانت خسائر المصريين تقدر ما بين 7 آلاف وعشرة آلاف، وكانت قافلة من جنود حفظ السلام الهنود تشق طريقها في سيناء وصادفتهم الدبابات الإسرائيلية فأمعنت فيهم قتلا واصابة تحت علم الأمم المتحدة، وقد مات منهم 14 من جنود الأمم المتحدة فيما وصفه ضابط هندي بأنه كان قتلا بالعمد وبدم بارد لجنود عزل تابعين للمنظمة الدولية . ولكن ذلك كان مجرد إشارة لما سوف يحدث بعد ذلك. القتل بدم بارد هكذا يواصل جيمس بامفورد الحديث يقول: في 8 يونيو كان الأسرى المصريون في سيناء قد أصبحوا عبئا يضيق به الإسرائيليون . لم يكن ثمة مكان لإيوائهم ولا عدد كاف من الإسرائيليين لمراقبتهم ولا مركبات لنقلهم إلى معسكرات الاعتقال، لكن كان هناك طريقة أخرى للتعامل معهم. وعندما رست الباخرة الأمريكية «ليبرتي» على مرأى عين من العريش تتسمع وتتنصت على الإتصالات الجارية من حولها .. كان الجنود الإسرائيليون قد حولوا المدينة إلى مجزر للذبح حيث قاموا بعمليات منظمة ذبحوا فيها أسراهم «المصريين» في ظلال مسجد العريش أوقفوهم صفا .. نحو 60 من الأسرى المصريين العزل من السلاح، وقد أوثقوا أياديهم إلى الخلف ثم فتحوا عليهم نار الرشاشات إلى أن استحالت صفرة الصحراء إلى حمرة قانية من سيل الدماء، وبعدها أجبروا الأسرى الآخرين على دفن الضحايا في مقابر جماعية وعلى مقربة من المكان كان هناك مجموعة أخرى من الإسرائيليين الذين قتلوا بالرصاص 30 آخرين وبعدها أمروا بعض البدو أن يهيلوا على أجسامهم الرمال. وشهادة أخرى يوثقها كتابنا من واقع الإفادة التي أدلى بها الصحفي الإسرائيلي جابي برون الذي أكد أنه رأى بنفسه 150 من أسرى الحرب المصريين وقد أجلسوهم على الأرض وأيديهم مربوطة إلى خلف أعناقهم. وبعدها أمروهم بأن يحفروا خنادق في الرمال ثم أطلقت عليهم الشرطة العسكرية الإسرائيلية وابلا من الرصاص أرداهم قتلى عن بكرة أبيهم، وفي هذا الصدد يقول الصحفي الإسرائيلي جابي بروني «ص 202». لقد شهدت «بأم عيني» هذه الاعدامات صباح الثامن من يونيو1967في منطقة مطار العريش. من ناحية أخرى يحيل مؤلفنا جيمس بامفورد إلى المؤرخ العسكري الإسرائيلي أرييه اسحاقي الذي كان عمل في إدارة التاريخ العسكري بعد الحرب وقال انه جمع مع ضباط آخرين شهادات من عشرات من الجنود الذين اعترفوا بأنهم قتلوا أسرى الحرب، وطبقا لشهادة أو إفاده المؤرخ اسحاقي فإن القوات الإسرائيلية قتلت بدم بارد نحو الف أسير حرب مصري في سيناء بمن في ذلك 400 أسير لقوا مصرعهم على الكثبان الرملية في العريش. أين شارون أين كان المدعو أرييل شارون من هذا كله ؟ أن مؤلفنا جيمس بامفورد حريص على توثيق التصرفات التي بدرت وقتها عن ذلك الرجل الذي أصبح كما نعرف رئيسا لوزراء إسرائيل. على صفحة 202 وما بعدها يقول المؤلف: كان شارون موجودا في جنوب العريش وقت المذبحة .. ولكن كان قريبا للغاية من هذا النمط من المجازر، وكان ذلك خلال أزمة «حرب» السويس عام 1956 وقد اعترف مؤخرا واحد من رجاله وهو البريجادير المتقاعد حاليا أرييه بيرو بأنه - بيرو - قتل 49 أسير حرب في سيناء عام 1956 ومن دون أي استفزاز من دون أن يعطوا فرصة لأي رد فعل من جانبهم لكن بيرو هذا لا يلبث أن يقول: لو حاكموني على ما فعلته، لوجبت محاكمة نصف الجيش الإسرائيلي بأكمله على الأقل فقد فعلوا ما فعلت تماما . أما شارون (قائده) فقد عرف بالمجزرة ولم يتخذ أي إجراء تأديبي لمرتكبيها ولا حتى أبدى أي معارضة من جانبه لما تم إرتكابه من مجازر. لكن شارون لم يكن وحده في هذا الموقف السلبي غير المبالي أمام المجازر .. أن المؤرخ الإسرائيلي اسحق يقول: قيادة الجيش بأكمله بمن في ذلك دايان ورابين كانوا يعرفون هذا كله .. ولم يفعلوا شيئا ولا استنكروا شيئا بل كل ما فعلوه هو محاولة التغطية على ما حدث وعندما عمد المؤرخ المذكور إلى اعداد تقرير عن هذه المجازر ، وكان ذلك عام 1968، عمدا من جانبهما إلى التعتيم على التقرير وقتلوه في مهده فلم يجد طريقه يوما إلى النشر أو الصدور. إن مؤلفنا - الكاتب الباحث الأمريكي جيمس بامفورد يخلص من هذا كله إلى نتيجة يقول فيها بوضوح: إن جرائم الحرب الفادحة هذه لا تعدو سوى واحدة من أعمق الأسرار التي طالما سعت إسرائيل إلى اخفائها منذ بداية الصراع «مع العرب في الشرق الأوسط» بقى لدينا، نحن ومؤلف كتابنا - السؤال الأساسي وماذا عن سفينة التجسس الأمريكية ليبرتي وعند المؤلف أكثر من إجابة عن هذا السؤال.