في معظم اقطار الدنيا، يعتبر البترول النعمة المسداة التي تمكن من التغلب على مشاكل ميزان المدفوعات وتحقق تعادلا في ذلك الميزان، وفي اكثر الاحوال ترجح كفته لصالح القطر بتحقيق فائض كبير يسهم في تحقيق الرفاهية ويرسخ معالم الاستقرار العام. لكن في نيجيريا تبدو الاوضاع بغير ذلك فنعمة البترول كادت ان تنقلب الى نقمة ولم تظهر للبترول آثار ايجابية تذكر بينما تكاثرت آثاره السلبية حتى حجبت الافق، وخلقت مشاكل مستعصية وعمقت مشاكل موروثة كمشاكل الاحتقان القبلي والطائفي، والاقليمي وهي مشاكل كثيرا ما تنفجر في شكل حروب شبه اهلية، يكفي للتدليل على ذلك ان اكثر من سبعمئة شخص لاقوا حتفهم في احداث العنف الاخيرة التي جرت منذ ان تولى اوباسنجو السلطة، وان كثيرا من خطوط مرور النفط الخام دمرت بفعل تلك الاضطرابات الدامية. العامة.. والنخبة التفكير القبلي التبسيطي مازال يفرض نفسه في نيجيريا وذلك بالرغم من ان نيجيريا كانت واحدة من اسبق الدول الافريقية لنيل الاستقلال عن بريطانيا، وقد سبق استقلالها مرورها بتجارب كثيرة في الحكم الذاتي تحت الادارة البريطانية هدفت الى تعميق مفهوم «الدولة القومية» ولم الشتات القبلي والاقليمي والديني في ذلك الاطار القومي الجامع لكن بعد كل تلك العقود لا يزال عامة افراد الشعب النيجيري يفكرون تفكيرا قبليا، ولا تختلف النخبة في ذلك عن العامة. وفي شأن البترول فيعتقد اهالي الاقاليم التي يستخرج منها البترول في دلتا نهر النيجر، ان البترول هو منحة من الرب لهم هم خاصة من دون بقية سكان القطر. ولأجل ذلك حاربوا بقية القطر في مختلف العهود السياسية وعملوا على الانفصال عنه وفشلوا، وما زالوا يحاربون الآن ـ مدنيا ـ بقصد نيل نصيب الاسد من تلك النعمة الالهية وما زالوا يوجهون اقسي وأقصى الضغوط على حكومة اوباسنجو لاستصدار تشريع منها يكفل لهم ذلك الحق، وقد وعد اوباسنجو فور توليه السلطة ولا يزال يكرر وعده، بأنه سيقوم بتوفير حل عادل مرضٍ يحسم تلك الدعوى من الاساس. دخل اوباسنجو الانتخابات الرئاسية بذلك الوعد، ولعله فاز بسبب منه ولكنه بعد ان فاز وجد ان الامر اعقد مما كان يظن حيث يجب ان يستشار الدستور في ذلك الامر، وتحكم فيه القوانين الفيدرالية التأسيسية للدولة، وهي لا تحكم لصالح الاقاليم بل لصالح الدولة المركزية وبذلك افتت المحكمة العليا في 1971 عقب اخماد تمرد قبائل الايبو في اقليم بيافرا ولذلك فلابد من تعديلات دستورية من اجل تحقيق تلك المطالب القبلية والاقليمية، وهي تعديلات ليس من الميسور اجازتها لأنها تتضارب مع مصالح بقية أقاليم وقبائل القطر، حيث يتوجب ان ينال ذلك التعديل ثلثي اصوات نواب المجلس الوطني «البرلمان» وموافقة 36 ولاية من ولايات الدولة الفيدرالية وهو امر لا يتوقع حدوثه اكثر المتحمسين الحالمين من ابناء ولاية الدلتا المنتجة للبترول. مهددات أمنية خطيرة ولكن صعوبة استصدار ذلك التعديل الدستوري، لا تعني ان ابناء اقليم الدلتا وغيره من الاقاليم المنتجة للنفط سيستسلمون وهنا فإن السلام الوطني سيكون مستهدفا في الصميم، وسيكون عهد اوباسنجو عهد انفلات واضطراب، لاسيما ان دعوى الظلم الاقتصادي، انضافت اليها دعوى اخرى من ابناء اقاليم الجنوب، تحتج على قبائل الهوسا والفولاني انها لم تكتف باستنزاف عائدات البترول حتى اتجهت لاضهاد ابناء الجنوب والشرق، من وجهة نظر دينية باعلانها لتطبيق الشريعة الاسلامية، وبالطبع فهذه الدعوى الاخيرة قد اضيفت كشرارة تفجير، مثلما اضيفت ايضا في جنوب السودان كشرارة تفجير فتمرد الجنوبيون في كلا القطرين، سبق اعلان تطبيقات الشريعة الاسلامية بسنوات ولكنهم لجأوا لاستغلالها بما يكسبهم دعم الرأي العام العالمي، والغربي خصوصا والصليبي على الاخص. كان من حظ نيجيريا ان البترول اكتشف فيها بعد خروج الاستعمار البريطاني عنها في 1960 وإلا فقد كان من الممكن ان يتسبب ذلك في تباطؤ بريطانيا في الجلاء عن نيجيريا، طبعا في ذلك المصدر السخي الضخم للطاقة، كما كان من الممكن ان تترتب عن ذلك نتيجة سلبية اخطر، حيث كان من الممكن ان ينفرط عقد الرابطة القومية النيجيرية وتنفصل عنها الاقاليم المنتجة للنفط. وقد كان من سوء حظ ثوار بيافرا انهم حينما فكروا الانفصال في 1967 كانت الدولة المركزية قد استحكمت قوتها وكانت شركات النفط الغربية قد عبأت من اجل مصالحها الرأي العام الغربي ضد اولئك الثوار، ولذلك وقفت كل من بريطانيا والولايات المتحدة بقوة مع حكومة لاجوس، ولم تجد دولة بيافرا الانفصالية سندا يذكر بجانب السند الفرنسي. مع بعض الفروق الطفيفة. فإن هذا هو واقع الحال في نيجيريا الآن حيث فشلت كل دعاوى الظلم الاقتصادي وكل دعاوى الاضرار بالبيئة وكل دعاوى حقوق الانسان، في زعزعة مركز شل في نيجيريا وحتى عندما وقفت حكومة كلينتون بقوة ضد حكومة اباشا، التي تجرأت فأعدمت الداعية البيئي الكبير، والكاتب الشهير «كين سارو ويوا» وثمانية من زملائه في 1995 فإنها وقفت مع وحدة نيجيريا ولم تعمل على مقاطعتها او معاقبتها عقابا جديا، وقد كان ذلك بسبب ادراك الولايات المتحدة ومن ورائها بريطانيا بصعوبة حل المشكل النيجيري عن طريق الضغط والتعسف. الفساد هو السبب ان حل المشكل النيجيري لن يتأتى عن طريق الضغوط الاجنبية ولا عن طريق الانفصال ولا عن طريق الشغب والاحتراب، ولا عن طريق الحكم الديمقراطي التمثيلي المدني الحر، وانما عن طريق اصلاح وتهذيب وضبط النخبة النيجيرية المتغدية «بالمعنيين كليهما» فهي سبب المأزق الحقيقي الذي يواجه اقتصاديات البترول النيجيري. ان نيجيريا هي الدولة العاشرة في العالم من حيث انتاج البترول، حيث تضخ يوميا نحو مليوني برميل من البترول الخام «نحو 90 مليون طن سنويا»، وتعمل في مجال انتاج البترول النيجيري وتصديره بعض اعظم الشركات العالمية العاملة في ذلك المجال مثل شل وتوتال وهي تتبارى جميعا في التنقيب عن مزيد من البترول، الذي يزيد بين كل آونة وأخرى، ومن الاحتياطي النيجيري من البترول الذي يقدر حاليا بـ 22.5 بليون برميل.. ولكن لا الاكتشافات البترولية المتوالية ولا دخول مزيد من الاستثمارات الاجنبية في تلك الصناعة، ولا الزيادة المتصاعدة في حجم الصادر ادت الى اي نوع من التحسن في مستوى التنمية العامة او مستوى المعيشة الفردي حيث مازالت نيجيريا تعتبر احد افقر اقطار العالم، ومازالت انماط التنمية الاقليمية غير متوازنة بما يشي بنوع مفرط من الظلم الاجتماعي حيث تبدو بعض الاقاليم النيجيرية وكأنها ما زالت تعيش في طور الحياة البدائية التي انقشعت عن معظم انحاء الكرة الارضية. سبب كل ذلك هو الفساد الناخر في الادارة العليا للبترول، وهو فساد يهودي ويقوض اعمدة الاقتصاد الوطني جميعا، ان صادرات البترول تمثل 95% من مجمل مصادر النقد الاجنبي لنيجيريا، وبسبب عدم تنوع مصادر الدخل القومي غدا اي عطب يلم بقطاع البترول، يلحق قطاعات الاقتصاد الوطني. ومن هنا تبدو اعمق وأخطر بكثير من مشكلة شكوى الاقاليم المنتجة للنفط من الغبن، فالكل سواء في ذاك الغبن! ان نيجيريا التي بلغ تعداد سكانها 110 ملايين نسمة اخيرا، تعاني في مجملها من استنزاف النخبة الفاسدة لعائدات البترول. وبرغم اعتراف الجميع بفساد تلك النخبة، وبرغم ان النخبة لا تنكر تلك التهمة فمن العجب ألا تقدم اي معالجة جذرية لاستئصال تلك النخبة، وتخليص الاقتصاد الوطني من قبضتها. ان تلك هي مهمة اوباسنجو الاولى، ومهمته الكبرى، فلا التعديلات الدستورية تجدي، ولا اسداء 13% من عائدات البترول للاقاليم التي انتجته يحل الاشكال، فمن هو الذي يستطيع ان يستخلص تلك النسبة حى ولو تم الاتفاق عليها من براثن تلك النخبة؟! اولى باوباسنجو ان يواجه جذر الداء بدلا من ان يبحث عن ترتيبات دستورية، وترضيات اقليمية، وما تلبث ان تنهار جميعا بفعل الفساد الناجز. د. محمد وقيع الله