نالت الأوضاع الداخلية في السودان وتحديداً الصراع الدائر بين الخرطوم والجيش الشعبي لتحرير السودان اهتمام العديد من دوائر صنع القرار الاقليمي والدولي. وبعيدا عن مقولات السيادة والحفاظ على الوحدة الوطنية، اضحى من العسير التعامل مع الملف السوداني باعتباره شأنا داخليا محضا، اذ ادت تعقيدات الملف وطول امد النزاع ووحشيته (مليون ونصف المليون قتيل وثلاثة ملايين مشرد) الى تشابك خيوطه وتقاطع حساباته الداخلية والاقليمية والدولية. ومع تلاحق التطورات بات الموزاييك السياسي للمسألة السودانية يخضع لضغوط تتعلق برؤى وأولويات قوى خارجية تتذبذب مواقفها من الخرطوم وفق حسابات اللحظة السياسية. وبطبيعة الحال كانت واشنطن في مقدمة العواصم التي اتسم تناولها للمسألة السودانية بكثير من الشد والجذب والحضور والغياب بما يتفق وحجم التعقيدات السياسية التي تحكم العلاقات بين البلدين. تناقض المواقف وكانت الادارة الامريكية الجديدة قد بدأت التعامل مع الملف السوداني بشيء من الحذر، لكن الحذر سرعان ما انقلب الى شك وتوجس، اطاح برهان الخرطوم بامكانية رفع العقوبات الدولية المفروضة عليها منذ عام خمسة وتسعين. فقد حدد كولن باول وزير الخارجية الامريكية ثلاثة شروط لتحسين العلاقات بين الطرفين: 1 ـ وقف قصف الجنوب. 2 ـ العمل الجاد لايصال المساعدات الانسانية الى سكان المناطق المتضررة في جنوب السودان. 3 ـ التخلص من بقايا المنظمات (الارهابية) في السودان. وبدا الشأن السوداني محورا هاما اثناء زيارة باول الافريقية في 22 مايو الماضي، خاصة خلال محادثاته في كمبالا ونيروبي اللتين تقفان وراء مبادرة «الايجاد» التي تحظى بدعم واشنطن. لكن زيارة باول كشفت عن تناقض مواقف الادارة الامريكية تجاه التعامل مع الملف السوداني. ففي الوقت الذي رفض باول ان يلتقي بقائد الجيش الشعبي لتحرير السودان العقيد جون قرنق او اقطاب المعارضة الشمالية، باعتبار ذلك دليلا على حيادية الادارة الامريكية في النزاع، رصدت الحكومة الامريكية مبلغ ثلاثة ملايين دولار لصالح التحالف الوطني الديمقراطي الذي يضم عددا من الفصائل والاحزاب الشمالية والجنوبية المعارضة للحكومة. وواصلت الخارجية الامريكية ابقاء السودان على قائمة «الدول الداعمة للارهاب» ووصفها الرئيس بوش بأنها «بلد كوارث لحقوق الانسان». واذا كانت الادارة الامريكية تؤكد أن الملف السوداني على رأس اولوياتها الخارجية على ضوء مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية الحيوية في السودان، فان الرسائل المختلفة التي تلقتها الخرطوم من واشنطن تعكس تذبذب موقف الخارجية الامريكية تجاه كيفية التعامل مع مشاكل السودان وخاصة الصراع المسلح بين الشمال والجنوب. مما دفع الخرطوم الى التنديد بما أسمته «الازدواجية الامريكية»، لكن «الازدواجية الامريكية» عند التعامل مع معطيات المسألة السودانية، وبمقدار ما تحمله من بشائر طيبة بأن واشنطن لم تحدد بعد استراتيجيتها النهائية من السودان، وانها لا تزال خاضعة لكافة عوامل الشد والجذب، تحمل ايضا في طياتها مخاطر حقيقية تعيق امكانية التوصل الى وقف نزيف الدم القائم في السودان منذ عقود، فضغوط بعض النواب الجمهوريين المنتمين الى ما يعرف باسم «اليمين المسيحي» والمؤيدين لانفصال الجنوب عن الشمال، على الادارة الأمريكية لتبني التزام عسكري تجاه الجيش الشعبي لتحرير السودان، يغذي التطلعات والامال الانفصالية للجنوبيين وفقا للخبير الامريكي في الشئون الافريقية ستيف موريسون، مما يعمق من شكوك الخرطوم في النوايا الامريكية الحقيقية للتعامل مع السودان. غياب المرجعية منذ فشلت القمة الطارئة لدول «الايجاد» في نيروبي في يونيو الماضي في عقد لقاء بين الرئيس السوداني عمر البشير والعقيد جون قرنق، اخذ مسار العمليات العسكرية في الجنوب منحنيات خطيرة فالاشارات التي تلقاها قرنق من امريكا بالموافقة على منحه مبلغ عشرة ملايين دولار قررتها الادارة السابقة، شجعته على فرض شروط جديدة لوقف اطلاق النار بمطالبته بوقف ضخ النفط وهو ما يصعب تصور موافقة الحكومة السودانية عليه لما يمثله من رضوخ لقرنق اضافة الى تأثيراته السلبية على الوضع الاقتصادي العام في السودان. وصعد المسلحون في الجنوب من هجومهم على مناطق انتاج النفط، وخاصة مع اكتساب ادعاءات بعض المراكز وجماعات الضغط في امريكا ارضية اعلامية قوية بأن الخرطوم تستخدم عائدات النفط لتمويل الحرب. لكن تصعيد الهجوم على منابع النفط السوداني لم يقابل بأي اعتراض امريكي، بل ربما قوبل بترحيب صامت في ضوء تعميقه للازمة الاقتصادية التي تعاني منها السودان، علاوة على ان غياب شركات امريكية في عملية التنقيب والاستخراج وانحصارها في شركات آسيوية وكندية، لن يؤثر على الاقتصاد الأمريكي، بل ربما دفع بعض اطراف النظام السوداني الى التفكير الجدي بادخال شركات امريكية في عملية الانتاج لفتح قنوات مباشرة للتأثير في القرار الامريكي الداعم لقرنق. واذا كان مجلس النواب الأمريكي قد وضع قيودا على الشركات الاجنبية المدرجة في البورصة الأمريكية و لديها استثمارات في السودان، فان القرار جوبه بمعارضة شديدة من الآن جرينسبان رئيس مجلس الاحتياط الفيدرالي الامريكي لما له من تأثير سلبي قد يدفع الى تغير مسار العديد من الاستثمارات الاجنبية وتحولها من السوق الامريكية الى اسواق لندن وفرانكفورت وطوكيو. ويعتقد العديد من المراقبين ان تفسير حالة التذبذب الراهن في الموقف الامريكي من الملف السوداني يعود الى مجموعة مركبة من العوامل والمعطيات، ساهمت في كثير من الانتكاسات السياسية منذ وصول الادارة الامريكية الجديدة، وذلك على الرغم من بوادر ايجابية راهنت بعض مراكز صنع القرار في الخرطوم انه يمكن على أساسها تصويب مسار العلاقات بين الجانبين. فنقطة الضعف الرئيسية التي تعيق رسم سياسة امريكية متكاملة تجاه الخرطوم هو افتقاد واشنطن مرجعية محددة تنطلق منها لبناء استراتيجية طويلة الأمد في التعامل مع الملف السوداني، ومع غياب المرجعية اصبح هناك اكثر من رؤية امريكية لكيفية حل المشكلة السودانية. وتتأثر هذه الرؤى بجماعات الضغط الداخلي، وضغوط القوى الحليفة لامريكا في العالم العربي وافريقيا، والمصالح الامريكية في المنطقة. فالرئيس بوش ملزم بسداد فاتورة الدعم الذي حصل عليه خلال حملته الانتخابية من الكنيسة الكاثوليكية، التي دعت قيادتها للتعامل مع جميع اطراف الازمة السودانية لتسريع سبل انهاء الصراع، ولم تخف استعدادها لمساندة فكرة اعطاء الجنوب حكما ذاتيا في اطار علاقته بالشمال. لكن بوش مطالب ايضا بسداد فاتورة انتخابية لليمين المسيحي الذي يطالب بانفصال الجنوب عن الشمال عن طريق الدعم العسكري الامريكي المباشر لقرنق. وفي ظل هذا التجاذب الداخلي فان حلفاء امريكا في الشرق الاوسط المعنيين بالملف السوداني بشكل مباشر كالقاهرة، يسعون لاقناع واشنطن بالتريث عند التعامل مع هذا الملف المعقد والحساس، وتقدير المستتبعات بعيدة الأمد للانحياز الى خيارات سياسية محددة قد تساهم في اعادة تشكيل مجمل الخريطة السياسية للقرن الافريقي الكبير. في الوقت ذاته تتعرض امريكا لضغوط مضادة من حلفائها الأفارقة الذين يدعمون برنامج قرنق السياسي. محصلة تلك الضغوط تظهر في تباين المواقف بين الادارة الامريكية التي يوجد لديها ميل الى اعطاء فرصة للخرطوم، في الوقت الذي يصر فيه اعضاء الكونجرس على التصعيد باعتبار ان تطويق وتطويع النظام السوداني لابد وان ينبع من موقع قوة. محددات للتحرك ان غياب رؤية امريكية واضحة حول السودان سيكون له عواقب وخيمة اذا نجح تيار الكونجرس والمعادين للخرطوم في تغليب وجهة نظرهم في مواجهة الادارة الامريكية، لان ذلك سيعني ضرورة تصعيد الاجراءات المتشددة تجاه السودان واحداث تغيرات على ارض الواقع من خلال تكثيف الدعم العسكري للجيش الشعبي لتحرير السودان واحد مخاطر هذا التطور انه سيفتح جبهة جديدة على عواصم عربية كبرى تركز القدر الاكبر من قدرتها الدبلوماسية والسياسية حاليا على الملف الفلسطيني، وسيكون لزاما عليها مواجهة تلك التطورات وما تطرحه من تحديات جادة على امنها القومي. واذ تبدي دول «الايجاد» اعتراضا واضحا على المبادرة المصرية الليبية، لاعتقادها ان مشكلة السودان مشكلة افريقية صرفة، وان الايجاد اولى بحلها، فان مصر وليبيا تبديان ايضا درجة ملحوظة من الفتور في مواجهة الايجاد التي تصر على حق تقرير المصير للجنوبيين، وهو ما تم التغاضي عنه في المبادرة المصرية الليبية. ولاشك ان مبادرة الايجاد اقرب الى وجهة النظر الامريكية، وذلك رغم تكرار واشنطن تأييدها لوحدة الاراضي السودانية فواشنطن لم ترحب بالمبادرة المصرية الليبية ليس لوجود ليبيا فيها فحسب، ولكن لاسباب ايديولوجية فالخارجية الامريكية تعتبر السودان جزءا من القرن الافريقي الكبير، بينما جيران السودان الشماليين جزء من منظومة الشرق الاوسط. لكن هذا الوضع يدفع الى التشاؤم المطلق فالموقف الامريكي تجاه السودان في حالة التجاذب والتغير، وهي حالة يمكن ان تكون مكسبا كما يمكن ان تكون وبالا على الاوضاع السودانية، وفقا لتحركات القوى السياسية اقليميا وداخليا لتجعل من نفسها رقما صعبا في اي محاولة امريكية لحسم الملف السوداني. بقلم: هشام بدوي ـ كاتب واعلامي مصري
الملف السياسي ـ بين تجاذبات الداخل وضبابية الرؤية الخارجية، الملف السوداني.. مثال آخر للارتباك الأمريكي
