كان للقمة الروسية الصينية التي عقدت في موسكو خلال الفترة من 15 ـ 18 يوليو 2001 اهمية خاصة حيث شهدت توقيع معاهدة لحسن الجوار والصداقة والتعاون بين البلدين. ولهذا اهميته ودلالته ليس فقط لكونها الاولى من نوعها منذ اكثر من خمسين عاما حيث كانت آخر معاهدة من هذا النوع بين البلدين هي تلك الموقعة عام 1950 بين الاتحاد السوفييتي والصين، ولكن للمناخ الدولي الذي وقعت في اطاره والذي يشهد توترا في العلاقات الروسية الامريكية والصينية الامريكية على السواء. يقول الصحفي الاقتصادي (جيم رهود) الكاتب في مجلة الايكونوميست المشهورة ان الصين لو استمرت بمنهج التنمية الحالي فإنها ستصبح في عام 2025 اي بعد 24 عاما فقط اكبر دولة اقتصادية، حيث سيبلغ حجم اقتصادها ما يعادل مرة ونصفا اقتصاد الولايات المتحدة، وحوالي من 75 الى 80 في المئة من اجمالي اقتصاد اوروبا واليابان. ان المتابعة المتأملة لانجازات الصين الاقتصادية والسياسية والتحليل العلمي لمراكز الدراسات الصينية التي أنشئت حديثا في بعض الجامعات البريطانية، تبين ان ذلك المارد الصيني سيظل ساكنا الى ان تكمل الصين خطط التطوير السياسي والاقتصادي بما يتماشى مع متطلبات العصر، مع تحديث مستمر لقواتها المسلحة وتزويدها بالمعدات الالكترونية الحديثة بشرط ان تتوافر ثلاثة شروط اساسية للصين، وهي: أولا: المحافظة على الاستقرار السياسي الداخلي فيها. ثانيا: استمرار نموها الاقتصادي الذي بدأته منذ سنوات قليلة. ثالثا: الا يشغلها عن عملية النمر الاقتصادي والبناء السياسي اية احداث اخرى مهما كانت كبيرة مثل غزو جزيرة تايوان او اقحامها في منافسة دولية او المشاركة في عمليات عسكرية اقليمية. ومن الامانة القول بأن تناول اوضاع الصين بصورة موضوعية لا يعني ان كل شيء رائع هناك. فالحقيقة الواقعية تكشف ان الصين تعج بمشاكلها الداخلية والازمات منها ضرورة تقليص زيادة جديدة في المواليد وأزمة غذائية وبطالة في بعض المقاطعات تصل الى ما بين 60 ـ 80% من عدد القادرين على العمل، كما تتردد بين حين وآخر حركات انفصالية في مقاطعات كثيرة اضافة الى وجود بيروقراطية حزبية وحكومية وتقنين الديمقراطية بمقاييس «العطارين» الصينيين. الفراغ في روسيا ومن ناحية اخرى يلاحظ ان روسيا بعد تفكيك الاتحاد السوفييتي لا تزال تعاني من فراغ عقائدي.. فبعد الفكر الماركسي اللينيني لم تنشأ افكار اخرى فاعلة وقوية وذات قبول عام، مما يجعل سد هذا الفراغ امرا ملحا وفجوة ينبغي ردمها. والخطورة في ذلك هي ان المجتمع الروسي حاليا اصبح نهبا لافكار غربية عنه كإنتشار الافكار الماسونية والصهيونية والمنعزلة، وهي تجمعات متدينة بتقاليد القرون الوسطى وأفكار عدمية غير مبالية وغير وطنية وغير قومية، مع سيادة ثقافة العنف وتنامي العصابات والاغتصاب. ويذكر ناطق باسم وزارة الخارجية الروسية ان القيادة الصينية لا تزال ترى في روسيا دولة عملاقة وغنية بخبراتها الطبيعية الا ان قيادتها السابقة بعثرت تلك الثروات، فقد مضى الرئيس بوريس يلتسين بسنواته العشر في السكر والعربدة والاستهتار والتآمر مع المافيا على تقاسم ثروات البلاد المنهوبة. وشهدت العلاقات الروسية الصينية نموا منذ عام 1992 حين اكد الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسين خلال زيارته لبكين في ديسمبر من ذلك العام اهمية التوازن في السياسات الخارجية الروسية بين التوجه الغربي والتوجه الآسيوي باعتبار ان روسيا دولة اورو آسيوية. ثم جاءت قمة بكين في ابريل عام 1996 لتعطي دفعة قوية للعلاقات بين البلدين وترسي دعائم المشاركة الاستراتيجية بينهما بعد النجاح في تسوية مشاكل الحدود بشكل نهائي، وذلك بعد الاتفاقيتين الخاصتين بالحدود الشرقية عام 1991، والحدود الغربية عام 1994. وقد اتخذت العلاقات الروسية الصينية عدة أبعاد: أولها: موقف البلدين من السياسة الامريكية ورفضهما لهيمنة قوة واحدة على النظام العالمي في اشارة الى الولايات المتحدة، ومعارضة مشروع الدرع المضادة للصواريخ التي تقيمها الولايات المتحدة بدعوى حماية اراضيها من هجمات محتملة قد تشنها ما تطلق عليه «الدول المارقة» مثل ايران وكوريا الشمالية. وترى فيها الصين وروسيا تهديدا للأمن العالمي وتجديدا لسباقات التسلح، لذا فهما يدعمان التمسك بمعاهدة الحد من انتشار الاسلحة البالستية الموقعة بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة عام 1972 باعتبارها أساس الاستقرار العالمي، واتفاقات الحد من التسلح بصفة عامة. ثانيها: التعاون في مجال التقنيات العسكرية حيث تعتبر الصين اكبر سوق للسلاح الروسي، وتستأثر وحدها بـ 40% من صادرات السلاح الروسي، في حين تشكل الاسلحة الروسية 70% من اجمالي واردات الصين من الاسلحة. ثالثها: التنسيق الامني بين البلدين في منطقة آسيا الوسطى بهدف تحجيم نشاط الحركات الاسلامية في المنطقة ومكافحة تجارة المخدرات وتهريب الاسلحة والتصدي للارهاب والنزعات الانفصالية، وذلك في اطار مجموعة شنجهاي الخماسية، التي تضم كازاخستان وطاجيكستان وقيرغيزستان الى جانب روسيا والصين وتكونت في ابريل 1996 مع توقيع معاهدة امنية بين الدول الخمس. رابعها: تأكيد عدم تدخل كل طرف في الشئون الداخلية للطرف الآخر واحترام الوحدة والسلامة الاقليمية له فقد اكدت الصين دوما على ان قضية الشيشان هي من الشئون الداخلية التي تتعلق بوحدة الاراضي الروسية. كما التزمت روسيا بتفادي اقامة علاقات رسمية مع تايوان، وأعلنت ان التبت جزء لا يتجزأ من الصين، وبذلك يتفادى البلدان دعم الحركات الانفصالية في كل من بلديهما. خامسها: يتعلق بتنامي العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين. ففي عام 2000 بلغ التبادل التجاري بينهما نحو 7 مليارات دولار، وتعتبر الصين ثالث اكبر شريك تجاري لروسيا بعد ألمانيا والولايات المتحدة. ولا شك في ان الامكانات المتاحة للبلدين تتيح الفرصة لمضاعفة التبادل التجاري بينهما ولمزيد من التعاون في المجال الاقتصادي. كل هذا يوضح عمق المشاركة الاستراتيجية بين روسيا والصين وعدم اقتصارها على الجوانب الامنية والعسكرية فحسب بل اتساعها لتشمل العديد من الجوانب الاخرى لا سيما الاقتصادية، ولكن برغم تنامي العلاقات بين البلدين فإنها تظل عند حد المشاركة الاستراتيجية ولا ترقى الى مستوى التحالف العسكري، وقد اكد الطرفان ذلك في اكثر من مناسبة، كما اكدا انها لا تستهدف طرفا آخر وإنما تأتي تلبية للمصالح المشتركة للبلدين. قراءة أولية للمعاهدة دخلت العلاقات بين موسكو وبكين في نقلة نوعية جديدة، فمعاهدة الصداقة والتعاون وحسن الجوار التي جرى التوقيع عليها خلال زيارة الرئيس الصيني جيانج زيمين الى روسيا تعبر عن الفكرة السلمية للشعبين الروسي والصيني التي يمكن تلخيصها بجملة واحدة «صديقان على مدى القرون غير متعاديين». ومن المهم جدا ما جاء في بنود المعاهدة من ان روسيا والصين لن تشاركا في اي تحالف، ولن تلجآ الى نشاطات بما في ذلك عقد معاهدات مع دولة ثالثة «تلحق الضرر بسيادة وأمن ووحدة أراضي الطرف الثاني من المعاهدة». فقد اثبتت المحادثات في الكرملين ان مواقف الطرفين اما متطابقة او متقاربة في العديد من المسائل الدولية ومن مسائل الاستقرار والامن، وهذا الامر ينطبق ايضا علي علاقتهما كدولتين نوويتين عظيمتين. وقد اتفق الطرفان على الرأي بأن اقامة الدرع النووية الصاروخية الامريكية يلحق الضرر بمسيرة خفض الاسلحة وتدمير الاسلحة النووية. ومن الواضح انه لا يمكن بناء الامن الذاتي الكامل على حساب الانتقاص من امن الدول الاخرى. وإضافة لذلك فإن اقامة الدرع النووية الصاروخية تنتهك معاهدة النظام الدفاعي المضاد للصواريخ (حذة) الموقعة بين موسكو وواشنطن العام 1972. ومن الجلي ان الامن في كل العالم مترابط وعندما تسعى الولايات المتحدة الامريكية لتعزيز امنها يتعين عليها التفكير بالآثار التي يمكن ان تنجم عن ذلك. موسكو وبكين تؤكدان التزامهما التعاون الناشط في مسيرة نزع الاسلحة النووية والكيماوية، وتعزيز نظام الحظر على الاسلحة الجرثومية واجراءات الحيلولة دون انتشار اسلحة الدمار الشامل ووسائل نقلها. وفي هذا السياق فإن البلدين يعتقدان بضرورة توطيد الدور المركزي للأمم المتحدة كأحد اكثر المنظمات الدولية العالمية نفوذا. وقد اعرب الزعيمان فلاديمير بوتين وزيمين عن الرأي الموحد بأن بناء عالم متعدد الاقطاب يعتبر مرحلة مهمة في طريق الحفاظ على النظام الدولي والاستقرار، وتنمية العلاقات الروسية ـ الصينية في مسار الشعبين الروسي والصيني يلي مصالح العالم بأسره بالتأكيد على ان علاقتهما ليست موجهة ضد طرف ثالث. يبدو ان المواقف الامريكية التي تسير في اتجاه الهيمنة يمكن وصفها على انها خطر بدأ يدفع الساحة الدولية نحو عملية استقطاب جديدة، ادركت من خلالها موسكو وبكين ان مصالحهما في الشراكة والتحالف لمقاومة الهيمنة الامريكية على العالم او حتي في آسيا على الاقل قد اصبحت ضرورة ملحة. ان العالم يسير في اتجاه مرحلة جديدة يتنامى فيها الوعي بضرورة تجاوز القطب الاوحد الذي اسفر عن نكبات غير مسبوقة في التاريخ الحديث جعلت الموقف الدولي يخضع لمعايير الازدواجية والكيل بمكيالين وتقنين الهيمنة وتسييس القانون الدولي وفرض القرارات المفتقرة الى الشرعية الدولية. ان نشوء حقبة دولية متعددة الاقطاب لن تستفيد منها القوى الجديدة المشكلة لها فحسب، وإنما ستكون الدول النامية وفي مقدمتها الدول العربية طرفا مستفيدا من هامش الحركة ومساحة الحرية وتعدد الخيارات التي يمكن ان تكون تحت تصرفها حال تشكل بيئة دولية تتعدد فيها مراكز صنع القرار. بقلم: نعيم قداح ـ سفير سوري سابق