أمريكا أولا..( المصالح الأمريكية فوق مصالح الجميع)!.. بإيجاز شديد، يلخص هذان الشعاران السياسة الخارجية التي ينتهجها الرئيس بوش الابن، مدفوعا بروح كابوي، تحلق في فضاء مصالحها الذاتية فقط، وليذهب الجميع الى الجحيم! من ثم يكون منطقيا تماما أن يقود ذلك النهج الى الاصطدام بعقبات هائلة، ويفضي الى انتكاسات خطيرة! كان بوش أثناء حملته الانتخابية يبدو حريصا على صياغة رسالته على نحو آخر (إن دولة قوية ـ يقول بوش ـ مثل الولايات المتحدة، يتعين عليها أن تكون متواضعة في علاقاتها مع الدول الأخرى)، غير أن الرجل نفسه كان حريصا قبل أن يضع قدمه في البيت الأبيض، أن يكشف للصحفيين - وللعالم أجمع - على عتبة البيت عن أنه ينتعل حذاء رعاة البقر! وسرعان ما تأكد الجميع أن الأمر لم يكن يعني مجرد رسالة رمزية. إذ أن بوش لم يتوان منذ توليه الرئاسة عن اظهار الاستخفاف باهتمامات ومصالح الدول الأخرى الحليفة والصديقة قبل غيرها، والتهديد المستمر بعدم تسديد الديون للأمم المتحدة، وامتد الأمر الى المعاهدات والاتفاقات الدولية التي حددت الطابع العام للارتباطات الأمريكية بالعالم، والتي أطرت سياستها الخارجية لعدة عقود ـ باختلاف الادارات المتعاقبة ـ ودعا ذلك صحيفة (هيرالد تريبيون) في افتتاحيتها بعدد 30 يوليو الماضي، للتحذير من أن تلك المواقف غير الودية لادارة بوش، والتي تنم عن شعور بالعجرفة، وعدم الاحترام للتعاون الدولي، لا تخدم المصالح الأمريكية، ولكن من شأنها أن تقضي بالتدريج على النفوذ الأمريكي في العالم. تحذير متكرر ذات التحذير تكرر على صفحات أكثر من مطبوعة أمريكية، وعلى لسان العديد من أعضاء الكونجرس البارزين، حتى أصبح وصف اداء ادارة بوش المتداول في تلك الأوساط فيما يتعلق بسياستها الخارجية، بأنها (اللاسياسة الخارجية الأمريكية لادارة بوش)! وعن قصد، فإن كافة الاستشهادات جاءت من صحف أمريكية حتى يكون الشهود من أهلها، رغم كثرة ما كتب في صحف الحلفاء على الجانب الآخر من المحيط الاطلسي، فضلا عما ظهر بأقلام روسية وصينية، وعربية... الخ. في السياق ذاته، يتساءل توماس فريدمان في (نيويورك تايمز): لماذا يكره الجميع أمريكا؟ وفي اجابته يشير فريدمان الى أن الخطر الداهم لا يتمثل في العداء الأوروبي لأمريكا، بل في عداء أمريكا لأمريكا! حال وجود ادارة يطغى عليها أشخاص لا استعداد عندهم لوضع أية حدود على التصرفات الأمريكية من استهلاك الطاقة (في اشارة الى معاهدة كيوتو) وحتى الصواريخ الدفاعية (في اشارة لإحياء حرب النجوم). من جانبه أشار وليام فاف في مقال بـ(الهيرالد تريبيون) الى أن تدمير واشنطن للمصالح الشرعية للدول الأخرى، هو السبب في معاداة السياسات الأمريكية، ويتفاقم الأمر حين يسيء صانع القرار قراءة أسباب تصاعد العداء، واصراره على رؤية العالم من منظاره فحسب، ويكشف (فاف) النقاب عن أن ادارة بوش تغلب مصالح فئة قليلة من المتنفذين (يقصد أباطرة المجمع الصناعي العسكري) على حساب مصالح البشرية جمعاء، ويضيف أن رفض الادارة لاتفاقية تسمح بتشكيل محكمة دولية للجرائم المرتكبة ضد الانسانية، وامتناعها عن المصادقة على اتفاقية حظر الألغام الأرضية، إنما هو اصرار على ازدراء المعايير الدولية التي ارتضتها الدول الأخرى لنفسها، ويزيد الطين بلة ـ حسب تعبيره ـ أن واشنطن مصممة على اضعاف القانون الدولي، من خلال الاصرار على مهاجمة الدول (غير المنضبطة)، ومن تسميها بالأهداف الارهابية.! ويلتقي مع الهجمة الاعلامية، تصريحات قيادات بارزة في الكونجرس، توم داشل زعيم الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ ـ كنموذج لكثيرين يحملون نفس الرؤية ـ استنكر تنصل ادارة بوش من المهام القيادية التي يفترض أن تضطلع بها الولايات المتحدة في العالم، عبر التنصل من المعاهدات الدولية، وكان داشل قد خرق - ابان جولة بوش الأوروبية - تقليدا راسخا بعدم انتقاد الرئيس خلال وجوده بالخارج، حين ندد بقرارات من شأنها أن تقلق الحلفاء، مما يدفع كل دولة حليفة باتجاه العمل لمصالحها، بعيدا عن مصالح المجموع! وبالقطع يمكن ضرب أمثلة أخرى عديدة للمواقف الرافضة لسلوك ادارة بوش، لكن الأكثر أهمية هو محاولة الاجابة عن السؤال التالي: لماذا قاد اداء بوش الى اصطدام سياسته الخارجية بعقبات هائلة، وأدى الى انعكاسات خطيرة أثارت قلق القاصي والداني؟ عقدة التميز! لعل المدخل الأساسي للاجابة عن هذا السؤال يتمثل في دور بوش الابن، فالرئاسة هي المؤسسة المحورية في صنع السياسة الخارجية، بالطبع هناك الكونجرس، والجهاز البيروقراطي، والرأي العام، وجماعات الضغط، والعوامل والمؤثرات الخارجية و...و..و. ولكن يظل دور الرئاسة كمؤسسة أولى لصنع القرار في الشئون الخارجية محورا للارتكاز، تدور حوله المؤسسات والتفاعلات الأخرى، فإذا حاولنا (تشريح) شخصية بوش الابن كفاعل رئيسي في ادارته نجده محكوما باعتبارين: الأول: انه سياسي محلي ـ في المقام الأول ـ انحصرت اهتماماته وهمومه منذ بدأ احتراف العمل العام في مشاكل الداخل، وقد اعترف بوش ـ مرارا ـ بكونه وافدا جديدا على الساحة الدولية، وصرح قبل تنصيبه، بأنه يستطيع تصور مدى القلق الذي يساور الرأي العام من شخص يظهر لأول مرة في المجتمع قادما من تكساس.. (يعرفني بعض الرؤساء، لكن الكثير منهم لا يعرفني)! الثاني: يتمثل في بحث بوش عن (التميز)، حتى أصبح الأمر أقرب الى عقدة نفسية تحكم اداء الرجل الأول في العالم! فهو من ناحية يصر على (الخروج من جلباب أبيه) ومن ناحية ثانية حريص على مخالفة كلينتون في كل صغيرة وكبيرة، بطريقة (مرضية). تلك العقدة المزدوجة، أثرت سلبا على قدرته في التعلم ـ بسرعة مناسبة ـ كيفية التعامل مع الأزمات بشكل ملائم، يقترب من الصواب، بل قاده بحثه الدؤوب عن التميز الى التعثر والفشل! وتكرر الأمر في أزمة الطائرة مع الصين، وفي الشرق الأوسط، سواء في صفعة العقوبات الذكية، أو تفاقم الوضع في فلسطين، ومع حلفائه في أوروبا قبل وأثناء وبعد جولته، ومع روسيا رغم أن الكيمياء الشخصية لعبت دورا ايجابيا في علاقته ببوتين، لكن تلك الكيمياء لم تمنع الأخير من التقارب الشديد مع الصين و...و..و... والأمثلة لا تنتهي! هكذا، قادت الأحداث والتفاعلات الدولية بوش - بدلا من أن يقودها - محكوما بعقدة التميز المزدوجة، وكونه سياسيا محليا الى تجسيد مفارقة تدعو للدهشة. روح (اللا فريق)!.. تاليا لذلك، يأتي دور فريق بوش المعني بالسياسة الخارجية، وبنظرة سريعة، فإن أي مراقب يستطيع ملاحظة أن رجال الرئيس لا يعملون بروح الفريق، بل أنهم ـ بعيدا عن الزعم بمسألة توزيع الأدوار ـ يتنافسون على من يتولى الزمام، حتى أن أعضاء الكونجرس، والدبلوماسيين المحترفين حذروا من أن التوترات التي تعكسها التصريحات والتصريحات المضادة على ألسنة فريق السياسة الخارجية ـ أو بدقة اللافريق ـ قد تؤدي الى تقويض المصالح الأمريكية في العالم. صحيح أن كل عضو في الفريق لديه الكثير من الخبرة، وبإمكانه تحقيق سياسة خارجية ناجحة، إذا منح الفرصة بمفرده، إلا أن تفاقم حدة المنافسة فيما بينهم لفرض النفوذ على رئيس محدود الخبرة ـ على الصعيد الدولي ـ يمكن أن يقود الى كارثة محققة! وعلى سبيل المثال فإن اختلاف وجهات النظر بين وزير الخارجية باول من ناحية، ونائب الرئيس تشيني ووزير الدفاع رامسفيلد تتجلى في تفضيل الأول لاتباع نهج دبلوماسي في حين يرجح الآخران استخدام القوة ـ أو في أقل القليل التلويح الحازم بها ـ لمواجهة المشاكل، وربما كان ذلك ما دعا بعض المحللين الى تفسير الأمر بأن (عقدة فيتنام) تصوغ رؤية (باول) للعالم، وأن ذكرياته المؤلمة في الحرب الفيتنامية جعلته أكثر اقتناعا بأنه يتعين على بلاده أن تتجنب خوض أية حرب، إلا اذا كانت تتمتع بتفوق تام، ولها هدف عسكري واضح، مدعوم بتأييد شعبي واسع، ومن الطبيعي الا يلتقي باول ـ رغم خلفيته العسكرية الضخمة ـ في ذلك مع الصقور الضارية التي لم تبارح حتى الآن عصر الحرب الباردة، بل تسعى الى جر العالم عبر القاطرة الأمريكية الى فصل جديد من هذه الحرب أشد برودة، وربما أصبح البارد ساخنا! في وسط هذا المناخ طرح تقرير لمجلة (نيوزويك) تساؤلا يتعلق بمدى أهلية باول لقيادة الدبلوماسية الأمريكية، في مواجهة مشاكل السياسة الخارجية، والانهيارات الاقتصادية والبيئية، وقضايا الارهاب وفق التعاطي مع رؤية تقليدية، إذ أن الذين عملوا معه عن قرب ـ وفقا للنيوزويك ـ لا يقيموا باول باعتباره مفكرا استراتيجيا، بل يؤكدون أن آراءه لم تكن صائبة في بعض الأوقات! يلتئم هذا التقييم للرئيس بوش، وفريقه للسياسة الخارجية، مع ما يوجهه البعض من اتهام لادارة بوش بتركيز جهودها بالكامل لحساب تدعيم الجناح العسكري للدفاع القومي ـ أو بدقة لحساب أباطرة المجمع الصناعي العسكري ـ مقابل اغفال المتطلبات الدبلوماسية اللازمة لحماية وتعزيز المصالح القومية الأمريكية بمعناها الشامل، وبحسب ما ذكره بيتر كروج في (الهيرالد تريبيون) فإن الولايات المتحدة تكون في أفضل حال عندما يعمل العسكريون والدبلوماسيون معا، إذ يتحقق بتلك القوة المجتمعة نتائج أفضل، غير أنه لا سبيل لانجاز من هذا النوع في الوقت الراهن، نظرا لحالة الفوضى والتشويش التام التي تغذي السياسة الخارجية الأمريكية، ويؤكد كروج أن خفض الحاجة الى استخدام القوة، سوف يتم بمجرد أن يتم تشكيل خط الدفاع الأول المتمثل في جهاز السياسة الخارجية، ليصبح جهازا من الدرجة الأولى (ربما يدعم وجهة النظر تلك ضرب مثل واحد بغياب السفراء الأمريكيين عن كل العواصم الرئيسية في الشرق الأوسط خلال الشهور الستة الأولى من عمر ادارة بوش). ثمة مشاكل بنيوية كامنة في تركيبة ادارة بوش، كان من المنطقي أن تفرض البحث عن أفكار وحلول عملية وغير تقليدية لتجاوزها، لكن الأفكار الجديدة غالبا ما كانت مفتقرة الى الحكمة! وربما كانت ادارة بوش بحاجة - كما ذكر الثعلب العجوز هنري كيسنجر - الى اعداد دبلوماسية تمنع تهديدات المصالح والقيم الأمريكية الأساسية، دون تحديد العداوات مسبقا، عن طريق سياسة تعتمد على أوسع اجماع دولي ممكن، بشأن الأهداف الايجابية.. وهو بالضبط ما فعل عكسه بوش الابن ـ على طول الخط ـ منذ دخل البيت الأبيض! فلم يلحق الضرر بالطموحات الأمريكية، ولكنه أيقظ مشاعر الخطر والقلق في نفوس الأصدقاء قبل الخصوم، مما دعا الجميع على الساحة الدولية الى الاتفاق على هدف واحد: ألا تنفرد الولايات المتحدة بالسلطة الدولية، وأن يكون السعي لتحقيق التعدد القطبي هو السلاح الذي يواجه به الجميع رعونة بوش وادارته! بقلم: علاء عبدالوهاب ـ كاتب مصري