دأب البعض في العديد من بقاع العالم المختلفة، بما في ذلك عالمنا العربي، على التسليم المطلق للإرادة الأمريكية، انطلاقاً من عاملي القدرة والقوة اللذين تتحلى بهما الدولة القارة على كافة الأصعدة. ووصل البعض من هؤلاء الى حد اعتبار أي نكسة سياسية أو دبلوماسية قد تلحق بهذه الدولة مجرد لعبة سياسية مقصودة أو مفبركة، لاسباب أمنية - إستراتيجية معدة سلفاً من قبل أمريكا نفسها وبعض حلفائها ودون ذلك يبقى الأمر بكليته في حيز التصورات، أو إذا شئت في حقل الأحلام الوردية، التي يعيشها البعض وما قد تنتجه من آمال وهمية مزيفة، لا تمتلك ما يبررها أو يحققها على أرض الواقع المعاش، قياساً بالجبروت والإمكانيات التي تمتلكها الولايات المتحدة من جهة، وبارتهان العالم بأسره، لتوجهاتها السياسية والاستراتيجية من الجهة الأخرى. ويستند هؤلاء في أحكامهم وتصوراتهم، إلى مفهوم واحد يتيم يقوم على مقولة، أن السياسة الخارجية الأمريكية طالما قامت على مبدأ واحد، مختزل بالربح والخسارة وهذا المبدأ غالباً ما يفتقد إلى البعد الأخلاقي في التعاطي مع الحليف والعدو على حد سواء، لا يمكن مواجهته خاصة وأنه مستند كما أسلفنا لعوامل القوة التي أشرنا لها في السيطرة المطلقة على العالم. ولعل هذا البعض من العالم قد استسلم لمشيئة هذه المقولة، ورضخ إلى السلوك السياسي الأمريكي القائم على المصالح الأحادية المفرطة،بل أكثر من ذلك، بدأ يشيع الشكوك حول كل المقولات التي تبشر أو تؤشر بشكل أو بآخر على جملة الانتكاسات التي بدأت تصيب السياسة الخارجية الأمريكية في أكثر من مكان ومحفل دولي، مؤخراً. ديكتاتورية المصالح أيا تكن الاعتبارات والتقييمات التي يراها البعض، لابد من التنويه، وبعيداً عن التبشير الذي ينطلق من مشاعر الحب أو الكره عند الكثيرين، إلى أن سياسة الولايات المتحدة الأمريكية بدأت تواجه ليس الكثير من الصعوبات وحسب، بل والمزيد من الانتكاسات غير المحسوبة النتائج عند صانع السياسة الخارجية الأمريكية، خاصة إذا ما علمنا أن حركة الكون والطبيعة والأشياء، لن تقف عند حدود هذه الرؤية أو تلك. هذا إذا أخذنا بالاعتبار أن سياسة الولايات المتحدة قد تراجعت قرنين من الزمن، استناداً إلى مفهوم بل وعنجهية التفرد العالمي. وهي على ما يبدو، مع فارق الأزمنة والأدوات، بدأت تعيد تجارب ماضية كان قد أكل الدهر عليها وشرب، كتجربة اللورد البريطاني تشاتام التي اتبعها في القرن الثامن عشر والتي اختزلت بالربح والخسارة في اللعبة الدولية، وأصبحت هذه السياسة تفتقد إلى البعد الأخلاقي، باعتبارها أغفلت مصالح حتى الأصدقاء والمقربين وأكثر من ذلك الحلفاء، الذين ما تزال حتى هذه اللحظة أحوج لهم من أي وقت مضى لتمرير سياساتها الكونية بهدوء ودون ضجيج يذكر وأضافت على ذلك كله تحللها من التزاماتها. فعلى سبيل المثال لا الحصر بدأت الولايات المتحدة، على العكس تماماً من مرحلة الحرب الباردة، التنصل من دفع التزاماتها إلى الأمم المتحدة، بحيث دفعت بشركائها الأوروبيين إلى دفع مستحقاتهم لهذه المنظمة، باعتبار أن هذه المنظمة تصب في مصالح هذه الدول وحسب، وكأن الأمر لا يهمها بل ولا يعنيها، بينما كانت في مرحلة الحرب الباردة أحرص ما يكون على تغطية نفقات هذه الهيئة الدولية حتى وصل الأمر إلى تغطية ما يعادل 90% من النفقات العامة، باعتبارها ساحة للمنافسة الدولية، والتي تؤمن لها، بشكل أو بآخر تمرير سياساتها على حساب الطرف الآخر الذي كان يسمى بالمنظومة الاشتراكية. اما الآن فقد وصل الأمر بها إلى الخروج، بل وضرب الأعراف السائدة داخل مؤسسات هذه المنظمة، بحيث لم تكلف نفسها عناء، الاستعجال في تعيين مندوبها الدائم لدى مجلس الأمن، وجل ما يهمها هو استغلال منابرها - المنظمة الدولية - وبدون تكلفة تذكر لتمرير سياساتها الكونية، آخذاً بالحسبان ديمومة الهيمنة والتصرف الأحادي الجانب بقوانينها وأعرافها. وبقيت مصرة رغم الأضرار التي تلحق بحلفائها، على المضي في استخدام نظام العقوبات على ما يقارب نصف دول العالم ويزيد، بل وزادت بالأمر سوءاً، بسنها لجملة من القوانين التي تسمح لها بملاحقة الشركات الأوروبية، لدرجة دفعت اوروبا تحت هذه الضغوط للتفتيش عن آليات وطرق وأساليب للحد من سطوة السياسة الأمريكية التي تلحق أفدح الأضرار بالمصالح الأوروبية، بداية بانسحاب أمريكا من «كيوتو» وعدم الاكتراث بقضية البيئة رغم انها تعتبر المصدر الأول للتلوث البيئي العالمي، إلى فرض قانون دايتون الذي يكلف الاقتصاد الأوروبي غالياً باعتباره يحظر على الشركات الأوروبية والغربية التعامل مع بعض الدول المارقة حسب وجهة النظر الأمريكية. حتى ذهب البعض حينها بالقول أن الرئيس الفرنسي جاك شيراك كان جافاً جداً، مع الرئيس بوش بشأن رفض الولايات المتحدة معاهدة كيوتو، حسبما ذكر أحد الذين جلسوا حول طاولة التفاوض. فقد قال شيراك لبوش وحسب ما أعلنته بعض الصحف الأمريكية، انك لن تنفذ سالماً من هذا، في حين انهمكت مستشارة الأمن القومي كوندوليزا رايس بتدوين الملاحظات وهي كثيرة. ولم يكن موقف رئيس وزراء السويد غوران بيرسون أقل جفاء أو جفافاً، فقد رفض كل الحجج والذرائع الذي طرحها الرئيس بوش والتي تمثلت بأن هناك حاجة إلى مزيد من الدراسة لغازات البيت الزجاجي أكثر من المعاهدة فقد قال بيرسون: إن تغير الطقس ليس مقتصراً على أوروبا وأمريكا. إنه تأثير عالمي، اذا كنت محبذاً لبروتوكول كيوتو أو معارضاً له، عليك أن تتخذ إجراء. ولعل إحجام الولايات المتحدة عن دعم محكمة الجزاء الدولية، والاتفاقية التي دعمها العالم بأسره والخاصة بالألغام الأرضية التي تؤدي في كل سنة بمئات الآلاف من القتلى والجرحى، وعدم الاكتراث باتفاقية حظر التجارب النووية، قد دفع الدول الأوروبية بنسب متفاوتة ومعها دول العالم المتضررة من كل هذه التصرفات، إلى الوقوف بوجه السياسة الأمريكية عبر المنابر الدولية والحاق الهزائم الحقيقية فيها، بداية من منظمة حقوق الإنسان وانتهاء بلجنة مكافحة المخدرات وغيرها من المنظمات الفرعية الدولية الأخرى، وكما يقول المثل الشعبي، «والحبل على الجرار». تداعي الثقة ومن قبيل التذكير أيضاً، أن أكثر ما يدلل على الانتكاسات وخيبات الأمل الأمريكية، لم يظهر بجلائه وصورته الناصعة في المؤسسات الدولية، بقدر ما عكسته المرآة الأوروبية الصاخبة والتي تحمل علامات التدرج المخيفة الذي عبر عنها الشارع الأوروبي بكل وضوح، والتي تعتبر المؤشر الحقيقي على قتامة الصورة الأمريكية في المرآة الأوروبية. فبدلا من أن تسحر جماهير أوروبا ببوش الابن في أول جولة اوروبية له، استقبل بآلاف الزاحفين والمحتجين على سياسة بلاده ناهيك عن السخرية والشتيمة التي كانت الشعارات السياسية المرفوعة في وجهه، والتي اختزلت في نهاية الجولة الدامية بين هؤلاء الزاحفين ورجالات شرطة مكافحة الشغب، بشعار واحد يتيم لا غير بوصفه «رجل تكساس المسم»، ولافتات تقول «عد إلى بلدك يا بوش» ،بالترافق والتزامن مع إحراق العلم الأمريكي، حتى أننا ظننا أن الانتفاضة في فلسطين بكل صورها، ما عدا الشعر الأشقر المتطاير في شوارع أوروبا، انتقلت بكل فعالياتها لتواجه بوش الابن. ومن نافلة القول أن أوروبا عندما تقف هذا الموقف، تعبر فعلاً عن مدى الخسارات والانتكاسات التي تلحق بالسياسة الأمريكية، عند الأصدقاء كما الأعداء المارقين بالنسبة لها طبعاً، وان مثل هذه المواقف بما تحمله أو تؤسس عليه من تراكمات، ينبئ بما هو أشمل وأعم، وتحمل جملة من المخاطر غير المحسوبة مسبقاً لجهة السياسة الأمريكية المفتقدة إلى التوازن أصلاً، بالإضافة إلى الجانب الأخلاقي الذي أصبح مطلباً، والأكثر أهمية على ما يبدو في عالم اليوم كأساس للعلاقات بين الدول والشعوب. أن عامل الثقة بين الحلفاء بدا وكأنه صرح قديم يتداعى أمام أنظار وعلى مسامع العالم، فعلى الرغم من الوعد الأوروبي وتخلي بعض الأوروبيين حتى المعارضين لخطة بوش بالتخلي عن معاهدة منع الصواريخ البالستية لعام 1972، وإبداء الحاجة إلى التفكير مرتين بشأن الردع في القرن الـ21 على حد تعبير أحد كبار المسئولين في الاتحاد الأوروبي، إلا أن الدرع الصاروخية الأمريكية، لم تلق كل القبول عند الحليف الأوروبي، كما يحاول الإعلام الأمريكي إشاعة حالة من التوافق والقبول للمشاريع الاستراتيجية الأمريكية على المستوى الكوني. خاصة إذا ما علمنا تعرض بوش لحملة صحفية في الولايات المتحدة نفسها وأوروبا بسبب دفعه لخطة يرى فيها منتقدوه أنها «تهدد» ميزان الردع القديم، وتثير الغرائز الكامنة نحو العودة مجدداً لإشاعة مناخ سباق التسلح مجدداً. ناهيك عن المواقف الكثيرة في هذا العالم التي بدأت ترى في سياسة الولايات المتحدة بأنها تحمل وبالاً على العالم، وبالتحديد في منطقة الشرق الأوسط التي تعتبر المناخ الحيوي للمصالح الأمريكية. وقد تكون خسارة الولايات المتحدة في تمرير العقوبات الذكية على العراق مقدمة لالحاق جملة من الانتكاسات بالسياسة الأمريكية في المنطقة، أضف إلى ذلك كله أن تجاهل أوروبا لقانون دايتون على بعض الدول في المنطقة، وتجاهل الصين وروسيا لمقولة الدول المارقة وتقارب الهند وباكستان، كل ذلك يبشر بتغيرات قادمة في النهج السياسي العالمي وكيفية معالجة القضايا العالقة، بطريقة أكثر توازناً،أخذاً بالحسبان الجانب الأخلاقي والقيمي في معالجتها. ويمكننا القول أن مجموع ما تكبدته الولايات المتحدة في الأشهر الأخيرة، لن يدفعها للانسحاب من الحلبة الدولية، بقدر ما يضعها أمام جملة من الحقائق قد تدفعها إلى العودة مجدداً للتفكير في تغيير تعاملها مع الملفات الدولية، إن كان فيما يخص قضايا الشرق الأوسط أو إفريقيا أو غيرها من بقاع العالم التي تعيش حالة من التوترات والمشاحنات والحروب والنزاعات المديدة. بقلم: عبد الكريم محمد ـ كاتب فلسطيني مقيم بدمشق
الملف السياسي ـ بافتقاد الجانب الأخلاقي والجنوح نحو الفردية المفرطة، انتكاسات السياسة الأمريكية نتيجة حتمية
