تجادل الولايات المتحدة المعترضين على مشروع الدفاع الصاروخي ,NMD الذي تصر إدارة بوش على المضي قدما فيه ، رغم الاعتراضات الخارجية، خاصة من جانب روسيا والصين ، بجانب اعتراضات أخرى داخل الولايات المتحدة بسبب تكاليف البرنامج الباهظة والتي تصل إلى 60 مليار دولار، وعدم فعاليته في صد هجمات صاروخية مكثفة قد تتعرض لها الأراضي الأمريكية. وتنهض الجدلية الأمريكية على الإدعاء بأن هذا المشروع دفاعي بحت، فأمريكا لا تهاجم بهذا البرنامج دولة أخرى، ولكنها تدافع عن نفسها عندما تتعرض لهجوم صاروخي معاد بأن تطلق صواريخ دفاعية تتصدى للصواريخ الهجومية المعادية وتدمرها في الفضاء أو الجو، قبل أن تصل رؤوسها النووية والكيميائية والبيولوجية إلى الأراضي الأمريكية، فكيف يمكن حرمان الولايات المتحدة من حق الدفاع عن نفسها ؟! ورغم منطقية هذا التبرير الأمريكي، إلا أن هناك أهدافا خفية أخرى وراء مشروع الدفاع الصاروخي الأمريكي ينبغي القاء الضوء عليها هي التي تجبر دولا مثل روسيا والصين على التصدي لهذا المشروع، وليس الهدف الأمريكي المعلن المتمثل في الدفاع عن خمسين ولاية أمريكية ضد الصواريخ البالستية المحتمل أن تتعرض لها من قبل دول (مشاغبة) مثل كوريا الشمالية وإيران والعراق. الضربة الأولى من البديهيات التي لايمكن أن تغيب عن المتابعين لتطور سباق التسلح بين الولايات المتحدة والإتحاد السوفييتي السابق إبان فترة الحرب الباردة، ثم مع روسيا بعد تفكك الإتحاد السوفييتي والصين حاليا، أن أيا من هاتين الدولتين لا تفكر في البدء بشن ضربة صاروخية نووية ضد الولايات المتحدة، بالنظر لخطورة رد الفعل الأمريكي المتوقع عليها، ولكن كلاهما ـ روسيا والصين ـ يحرصان على امتلاك القوة الصاروخية والنووية القادرة على الرد بالضربة الثانية في حالة التعرض لضربة نووية أمريكية. من هنا يبرز الهدف الحقيقي الأمريكي لبرنامج الدفاع الصاروخي، وهو أنه في ضوء الغاية الأمريكية العليا لبسط الهيمنة الشاملة على العالم، وما تفرزه هذه الغاية من سياسات وإستراتيجيات تسعى إلى فرض الإرادة الأمريكية على باقي دول العالم، قد تجد الولايات المتحدة لديها الرغبة في ظل سياسة العقوبات التي تمارسها ضد الدول الرافضة للهيمنة الأمريكية - أن توجه ضربة عسكرية ضد احدى الدول سواء ما تسميها المشاغبة أو روسيا والصين إذا زاد تحديهما للهيمنة الأمريكية. وفي هذه الحالة قد تواجه صواريخ بالستية بعيدة المدى قادرة على الوصول إلى الأراضي الأمريكية - مثل الصاروخ الكوري الشمالي (تايبودونج ـ 2 4000كم)، و(شهاب - 4) الإيراني المتوقع أن يصل مداه إلى 2000 كم والذي يهدد التواجد الأمريكي في منطقة الخليج والشرق الأوسط . وفي هذه الحالة تبرز أهمية مشروع الدفاع الصاروخي الأمريكي الذي يحرم هذه الدول من توجيه الضربة الثانية ضد الولايات المتحدة. بمعنى أوضح فإن برنامج الدفاع الصاروخي الأمريكي يؤمن للولايات المتحدة حرية شن الضربة النووية الأولى، ويقيها في ذات الوقت من الضربة النووية الإنتقامية الثانية من جانب الدول التي تعرضت للضربة الأمريكية الأولى، وهو ما يكرس الوضع الأمريكي باعتبار أن واشنطن الطرف الأقوى عالميا دون منازع، وبالتالي تصبح قادرة على ممارسة أنواع مختلفة من الضغوط على مختلف دول العالم لفرض القرار والرؤية الأمريكية على الجميع دون استثناء وهذا ما يفسر تصميم الولايات المتحدة على تعديل معاهدة الحد من الصواريخ الدفاعية التي وقعتها مع الإتحاد السوفييتي السابق عام 1972، أو الانسحاب منها إذا رفضت موسكو ذلك. ارهاق الخصوم اعتمدت إدارة بوش في تصميمها على تنفيذ برنامج الدفاع الصاروخي على نظرية تقول بأن ثمة خللا كبيرا في الميزان الاستراتيجي العالمي حاليا لصالح أمريكا، وأن عليها أن تستغله لاسيما في مجالات القوة العسكرية وتكنولوجيا المعلومات والإتصالات، وأن تغتنم هذه الفرصة لاقامة نظام أمني عالمي جديد بإشرافها يؤسس لقرن أمريكي جديد، وذلك قبل أن ينهض (الدب) الروسي من كبوته، وتستفحل قوة (المارد) الصيني اقتصاديا وعسكريا. وقد لخص (روبرت زوليك) أحد منظري الإستراتيجية في إدارة بوش هذه النظرية في خمسة مبادئ هي: 1 ـ عدم الخجل من استخدام القوة ونشرها. 2 ـ بناء تحالفات دولية وإقليمية تقودها الولايات المتحدة 3 ـ اعتبار القانون الدولي غير فعال مالم تدعمه القوة. 4 ـ الاستفادة من السيادة الأمريكية في مجال تكنولوجيا المعلومات والإتصالات والتجارة والمال من أجل فتح العقول والأسواق أمام الاقتصاد الأمريكي. 5 ـ الاعتراف بوجود الشر، بمعنى وجود إناس يكرهون أمريكا، وهذا يلزم واشنطن بإستخدام القوة ضدهم. وفي ضوء نجاح التجربة الأمريكية في التعامل مع الإتحاد السوفييتي السابق، عندما طرحت إدارة ريجان في عام 1982 برنامج (حرب النجوم) بهدف صد تدمير الصواريخ المعادية في الفضاء، مما اضطر موسكو آنذاك إلى الدخول في سباق تسلح لمواجهة هذا البرنامج استنزف 55% من ميزانية الإتحاد السوفييتي الأمر الذي تسبب في إرهاقه اقتصاديا واجتماعيا وأدى في النهاية إلى تفككه وسقوط الشيوعية وإنهيار حلف وارسو، في حين لم يكلف برنامج حرب النجوم الولايات المتحدة سوى 16% من ميزانيتها. فإن واشنطن تريد تطبيق نفس التجربة مع الدول الأخرى ـ وعلى رأسها روسيا والصين ـ باقحامها في سباق تسلح صاروخي جديد يرهقها اقتصاديا ويسبب لها مشاكل تؤدي إلى إنهيارها داخليا، خاصة وأن الرد العملي الوحيد على برنامج الدفاع الصاروخي الأمريكي يتمثل في مضاعفة عدد الصواريخ البالستية التي ستقصف أهدافا أمريكية، حتى يمكن تعويض الصواريخ التي سيتم اعتراضها بواسطة برنامج الدفاع الصاروخي الأمريكي. وقد أثار (صموئيل بيرجر) المستشار السابق لمجلس الأمن القومي الأمريكي سؤالا هاما هو: إذا كان برنامج الدفاع الصاروخي الأمريكي لن يوفر الحماية الكاملة للأمريكيين في مواجهة هجمات صاروخية نووية محتملة، فلماذا الإصرار على المضي قدما في هذا البرنامج؟! وقد أجاب بنفسه على هذا السؤال عندما أوضح أن أقطاب المجتمع الصناعي العسكري الأمريكي الذين يمثلون الحزب الجمهوري، وكانوا وراء وصول بوش إلى الرئاسة، يبحثون بالفعل عن مشروع ينعش تجاربهم الراكدة. وليس هناك أفضل من برنامج الدفاع الصاروخي لتحقيق هذا الهدف. فبالإضافة لتكاليف المشروع التي تصل في أقل تقديراتها إلى 60 مليار دولار في عشر سنوات (لبناء قاعدتين للصواريخ المضادة في ولايتي ألاسكا ونورث داكوتا بهما 250 قاعدة للصواريخ الاعتراضية)، وهو ما أدى إلى زيادة الميزانية الدفاعية لعام 2002 وتخصيص 8.3 مليارات دولار لحساب هذا البرنامج بزيادة 6.4مليارات دولار عن المخصص للعام الحالي 2001، وجميعها ستصب في خزائن شركات الصناعة العملاقة التي ستقوم بإنتاج مكونات هذا النظام الصاروخي، وعلى رأسها شركات(بوينج) ، (لوكهيد مارتن) ، (رايتون). وبالإضافة لذلك، فإن هذا المشروع الذي سيشعل سباق التسلح في المناطق الساخنة من العالم . مثل شرق آسيا والخليج والشرق الأوسط، سيدفع الدول في هذه المناطق إلى شراء هذا النظام أو أجزاء منه لحماية أنفسها من سباق التسلح الجديد. فنتيجة لزيادة الصواريخ البالستية التي ستنتجها الصين وكوريا الشمالية لمواجهة برنامج الدفاع الصاروخي، ستضطر كل من اليابان وتايوان وكوريا الجنوبية إلى بناء نظام دفاعي صاروخي مماثل للنظام الدفاعي الأمريكي أو نشر أجزاء منه في أراضيها، نفس الأمر بالنسبة لدول الخليج العربية لمواجهة زيادة أعداد الصواريخ الإيرانية. كما ستطلب الهند شراء أجزاء من هذا النظام الدفاعي لمواجهة الصين، وفي المقابل، ستطلب باكستان أيضا ذلك لمواجهة الهند في حين تطلب الدول الأوروبية نشر النظام الدفاعي الأمريكي على أراضيها لمواجهة تضخم الترسانة الصاروخية الروسية، حيث ستكون أوروبا هي ميدان الصراع المقبل بين أمريكا وروسيا. وهكذا ستصب مليارات الدولارات في طاحونة الصناعات الحربية الأمريكية، وبما يخدم الأهداف السياسية الداخلية للحزب الجمهوري الحاكم برئاسة بوش ويعزز فرصته في ولاية أخرى للرئاسة الأمريكية. إعادة تقسيم العالم ومما لاشك فيه أن هناك دوافع أخرى ـ غير الدوافع الاستراتيجية - تكمن وراء تحمس إدارة بوش للمضي قدما في هذا المشروع، وهي دوافع ذات طبيعة سياسية واقتصادية وأيديولوجية أيضا، حيث لا تستطيع الولايات المتحدة تجاهل الميول القومية التي بدأت تظهر في شكل تكتلات إقليمية ذات أبعاد عرقية وطائفية تهدد التوجه الأمريكي نحو فرض (العولمة) بأبعادها المختلفة على جميع دول العالم. ذلك أن تأكيد القدرة الأمريكية على الحماية العسكرية للدول التي ستدخل تحت مظلة الدفاع الصاروخي الأمريكي، سيسهل كثيرا على الولايات المتحدة أن تحد من هذه الميول القومية، خاصة مع نجاح السيطرة الاقتصادية في إطار (الجات)، ودفع الدول إلى الدخول في سباق تسلح صاروخي ( دفاعي أوهجومي)، هذا بالإضافة إلى روافد أخرى تساعد في إزدهار الاقتصاد الأمريكي ترتبط بمشروع الدفاع الصاروخي .. مثل حرب المعلومات، التجسس الفضائي، إستخدام أسلحة الطاقة الحركية والطاقة الاشعاعية وأنظمة الصواريخ المضادة للصواريخ التكتيكية(مثل باتريوت).. وجميعها مجالات تكاد تنفرد بها الولايات المتحدة، وربما يمكن إدراج مشروع (الجنيوم) أيضا في هذا السباق. وإذا تناولنا مجموعة الدول الأوروبية تخصيصا، فستضغط الولايات المتحدة عليها - بحكم كونها العضو الرئيسي في حلف الناتو- لكي تقبل بنشر النظام الدفاعي الصاروخي على أراضيها، بدعوى تطوير استراتيجية الحلف الدفاعية لمواجهة التهديد الصاروخي من قبل الصين ودول أخرى (مشاغبة)، وإلا فإن الولايات المتحدة ستنسحب من الناتو. وفي مواجهة مثل هذا التهديد الأمريكي لن يكون بمقدور الدول الأوروبية سوى الإنصياع للإرادة الأمريكية بنشر النظـام في الأراضي الأوروبية، حيث لا تملك الدول الأوروبية الامكانات المادية والتكنولوجية لبناء نظام دفاعي صاروخي أوروبي يستقل عن النظام الدفاعي الأمريكي، وهنا تكون دخلت أوروبا تلقائيا تحت مظلة الحماية الأمريكية، وهكذا سيكون الوضع بالنسبة للدول الصديقة للولايات المتحدة في مناطق أخرى من العالم مثل شرق آسيا (حيث اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان وغيرها)، وفي الشرق الأوسط ومنطقة الخليج. وتكون المصلحة النهائية تقسيم العالم إلى كتلتين من جديد، كتلة تتمتع بالحماية العسكرية الأمريكية، وما يعني ذلك من تبعية للولايات المتحدة سياسيا واقتصاديا وثقافيا وأيديولوجيا، وكتلة أخرى ترفض الحماية الأمريكية، سواء معادية مثل روسيا والصين، أو مستقلة الإرادة، ولكن ستصنفها واشنطن باعتبارها (دول مارقة) ستناصبها العداء لرفضها الدخول تحت مظلة الحماية الأمريكية. ومن الواضح أنه رغم الصعوبات الفنية التي تعترض مشروع الدفاع الصاروخي، ورغم المعارضة الداخلية والخارجية الشديدة له، وما ستتكبده الولايات المتحدة من خسائر سياسية بسبب هذا المشروع، فإن كل هذه السلبيات لا تؤرق كثيرا الحالمين بفرض الهيمنة الأمريكية المطلقة على العالم، والتعطش إلى تدفق مليارات الدولارات في عروق صناعة الأسلحة والصواريخ والالكترونيات في الولايات المتحدة. لذلك فإنهم سيمضون في طريقهم لتنفيذه، خاصة وأن هناك بعدا أيديولوجيا يدفع نحو إنجازه حيث يقف غلاة اليمين الديني الأمريكي عن بكرة أبيهم وراء هذا المشروع الذي تولد أساسا عن مشروع (حرب النجوم)، واقترن بأسطورة (حرب هارمجيدون) أثناء رئاسة ريجان، والتي أطلق عليها البعض (معركة النهاية) التي ستؤدي إلى هلاك ما بين ثلثي وثلاثة أرباع البشرية، وستبدأ من سهل (ماجدو) في فلسطين، وتحلم أمريكا بعدها بأن تسود البقية الباقية من البشرية. بقلم: اللواء.م. حسام سويلم ـ خبير استراتيجي مصري
