ما الذي يجري في واشنطن؟! هذا السؤال الواسع والمتعدد الجوانب والاتجاهات كان في فترات طويلة مستهجنا لأن خطوات السياسة الامريكية في تلك الفترات كانت مدروسة بشكل جيد وإن لم تكن واضحة احيانا. ولكن ومنذ ان تسلم الرئيس الامريكي جورج بوش الابن مفاتيح البيت الابيض وفتح مصراعيه على سياسة الجمهوريين ارتسمت اشارات استفهام كبيرة وواقعية حول سياسة واشنطن الجديدة، خاصة بعد الضجة الكبيرة والتي كانت بداية المشوار الصراعي الحاملة لاسم الاستراتيجية العسكرية الامريكية الجديدة، حيث اعتقد البعض ان حملة الرئيس بوش الصاروخية تحت يافطة منظومة الدفاع الصاروخي، ما هي الا حملة انتخابية لكي يلعب بها على عصب الناخب الامريكي الذي توتر كثيرا وتردد بين المرشحين الديمقراطي والجمهوري. ولكن الواقع تلون بلون جديد وهو طريقة القيادة الجمهورية لملفات واشنطن الخارجية، فالمعروف عن حزب بوش الجمهوري انه حزب محافظ على الطريقة الامريكية ويعتمد في ايديولوجيته على الاستغناء عن العالم حتى عن اقرب المقربين لسياسة الولايات المتحدة وهي اوروبا الام التي انجبت مزيج الثقافة الامريكية وكان لها التأثير الاكبر على هذا المزيج، لذلك بدت الادارة الامريكية سواء بالنسبة لأوروبا او حتى لأعدائها التقليديين اصحاب الحرب الباردة، روسيا خاصة والصين التي ما زالت تشكل رعبا بالنسبة للولايات المتحدة حتى وإن بقيت نسبيا بعيدة عن ساحة النزال المباشر وخطوط التوتر الاقليمية الحارة بلهيب الحروب. ويتوضح مسار هذه السياسة الجمهورية بكادر سريع الانفعال سرعان ما يخطيء وسرعان ما يعتذر، وهذه هي الصورة العامة. ولكن التساؤل المثار: هل هذه حقيقة السياسة الامريكية، هل هي حقا تعاني من اضطراب لمسناه واقعيا بتصريحات دبلوماسييها وتحركاتهم ومشاريعهم؟! مدافع الفشل ان الاجابة المباشرة والسريعة عن هذا السؤال توحي «بنعم» وتؤكد اضطراب السياسة، ولكن الواقع يقول ان الادارة الامريكية ما زالت تشعر بشعور نشوة الانتصار الذي حققه بوش الاب على العراق والذي قاده وزير خارجيتها الحالي كولن باول، اي ان شعور التسعينيات في بدايتها هو المسيطر على هذه الادارة دون اية نظرة للظروف الجديدة التي احاطت العالم ودون ادراك ان اوروبا في بداية التسعينيات ليست الاتحاد الاوروبي مع بداية القرن الحادي والعشرين، وبالمقابل فإن مرحلة انهيار الاتحاد السوفييتي في بداية التسعينيات ليست مرحلة روسيا في عصر رئيسها الحالي فلاديمير بوتين الذي يسعى لاستعادة قدم روسيا القوية ايام الاتحاد السوفييتي، وحتى الصين فقد تغيرت بنمط تفكيرها عن السابق. ان ادارة واشنطن الجديدة قد وضعت نفسها في فوهة المدفع متمسكة بدرعها الصاروخية ومتأدلجة بدرعها الدفاعية، ولكن ما الذي تواجهه الادارة الامريكية بشكله الحقيقي سواء من الاتحاد الاوروبي وليس اوروبا المفككة او في روسيا الحالية او في الشرق الادنى. ان الحقيقة تأخذنا الى اوروبا الصديق التقليدي لأمريكا او كما اسميناه «الأم أوروبا»، فهل بدأت مع هذه الام سياسة الفشل ام سياسة الغيرة من تلك الام التي اعلنت تجديد شبابها باتحادها الاوروبي؟ ومن ذات هذا المفهوم فإن الولايات المتحدة بدأت رحلة الاخفاق مع اوروبا من خلال رفض مجلس الشيوخ الامريكي إبرام اتفاقيات حول محكمة الجرائم الدولية وحول جعل ادوية الايدز في متناول الجميع، ثم خسرت كرسيها في لجنة حقوق الانسان الدولية ولجنة مكافحة المخدرات، والرفض ايضا طال معاهدة كيوتو المناخية هذا الرفض الذي اغضب الشارع الاوروبي قبل حكوماته. وتوجهت هذه المشاكل بمنظومة الدفاع الصاروخي ومشروعه المستقبلي. وهذا كله وضع سياسة واشنطن امام مدافع الفشل الدبلوماسي مع اوروبا قبل غيرها، وبدأت السياسة الاوروبية تتوجه نحو محور ذاتي ينظر الى مصالحها بغض النظر عن اشكالية الاحلاف القديمة، حتى بعيدا عن مصالح الناتو الذي لحق به التضارب الامريكي الاوروبي وطال اسلوب التفكير المصلحي فيه. فبالنسبة الى شكل العالم الجديد فإن الولايات المتحدة ما زالت تنظر الى قضيتها الوحيدة وما زالت تسعى الى العولمة التي يمكن ان تدرس اوروبا وتقفز فوق قوتها سواء رضيت بذلك ام لا، ولكن الواقع الاوروبي تغير وبدأ يرهب بشكل واقعي السياسة الامريكية ابتداء من داخل الحلف الاكبر بين (الأم والابنة) وهو حلف الناتو الذي دب خلاف فيه لم يستطع بوش احتواءه بل أججه تحت الرماد بدرعه، الصاروخية، وبالمقابل فإن السياسة الاوروبية بدأت تشعر بثقل الناتو على وحدتها وتدعو كحد ادنى الى اقامة قوة عسكرية اوروبية تختلف في توجهاتها عن الناتو الذي انشيء اصلا لحمايتها من الاتحاد السوفييتي الذي كان قريبا جدا منها، وأصبح واقع الاتحاد الاوروبي الآن يفرض نوعا جديدا من السياسة العسكرية. فهذا الاتحاد يسعى الى تنفيذ المهمات القريبة وإعادة اعمار للبنية التحتية وتشجيع التنمية في مناطق الصراع القريبة منه او في الدول التي تسعى. للانضمام اليه، حتى اذا اضطرت اوروبا للتدخل العسكري ضمن محيطها فإن ذلك قد يكون مبررا دون ادنى تبرير للتدخل الامريكي حتى تحت لواء الحلف الاطلسي. وهذا ما لاحظناه جليا بعد ان شاركت الولايات المتحدة في قوات حفظ السلام في البلقان وكيف كانت المطالبات سريعة بالانسحاب الامريكي بشكل خاص من هذه القوة؟ وهو ما يؤكد رفضا اوروبيا داخليا للتدخل الامريكي. ولعل الوضوح الاشد في هذه المعادلة التي لم يدركها بوش وحكومته ان اوروبا ترفض بالاساس زيادة ميزانية التسلح وتسعى الى التنمية بدلا من ذلك، اما الولايات المتحدة فلا تطالب فقط بزيادة ميزانية التسلح بل زادتها خلال الاربع سنوات الماضية 6%، وجاءت حكومتها الجمهورية الحالية لتطالب اوروبا بالموافقة على الدرع الصاروخية، فهل يعقل ان تتخلى اوروبا عن مشاريع التنمية وتزيد الميزانية العسكرية لحساب واشنطن؟ معادلة النصفين الواقع ان الاحباطات التي قدمتها الحكومة الامريكية لأوروبا جعلت الاخيرة تزداد قلقا من الدرع الصاروخية الامريكية، لأن ذلك يهدد امنها من الدرع ذاتها كما يهدد أوروبا من ازدياد التسابق على التسلح النووي من قبل الاتحاد الروسي القريب جدا من اوروبا، وبذلك ستكون تحت مرمى النيران النووية. ولعل خير تعبير عن تناقض السياسة الامريكية الاوروبية يتضح من خلال مقال كتبه وزير خارجية فرنسا السابق «هيرفيه دوشاريت» في صحيفة «الفيجارو» حين قال: «صحيح ان الولايات المتحدة تقبل الشراكة الاطلسية، ولكنها تريدها شراكة مشروطة بالمصالح الامريكية وطموحاتها وأهدافها، وهذا غير مقبول». ان السخط الاوروبي من السياسة الامريكية الحالية بات في اشد ازماته بعد تسلم الرئيس الامريكي جورج بوش للسلطة، وظهر هذا واضحا بنمط التصريحات الدبلوماسية الامريكية التي يستشف من خلالها انها لا تقيم اي وزن للوجود الاوروبي كاتحاد قوي اقتصاديا وعسكريا وصاحب نفوذ عالمي له مصالحه كما للولايات المتحدة مصالحها. ولكن واقع الامر ان الولايات المتحدة تشعر بالخوف الحقيقي من الاتحاد الاوروبي فأوروبا قادمة بسرعة في خطوات اتحادها. ولعل اطلاق التداول العام لليورو سيجعل الاتحاد الاوروبي منافسا اقتصاديا حقيقيا للولايات المتحدة، وسيجعل اليورو المنافس الاول للدولار، لذلك نرى تناقضا صارخا في السياسة الامريكية تجاه ملفاتها الاوروبية، واطلاق مشروع الدفاع الصاروخي بشكل اعلامي مؤقتا يدلل على هذا التناقض، والرفض الاوروبي الشديد له هو اعلان صريح عن تناقض السياستين. وحتى ان سحب البساط من تحت اقدام الولايات المتحدة واخراجها من لجنة حقوق الانسان وضمن اتفاق اوروبي على ذلك فانه يعيد لدينا الفكرة بأن الادارة الامريكية الجديدة لم تستطع الوقوف رغم محاولاتها في وجه الضربات الموجهة اليها من اوروبا، هذه الضربات التي اطلقها بوش لكنها عادت بصدها اليه محملة سياسته الخارجية فشلا ذريعا أفقد الولايات المتحدة شيئا من هيبتها. وضمن كل هذ الظروف ألا توجد ظروف شخصية تحيط بالرئيس الامريكي بوش الذي بدأت موازين واشنطن تتأرجح بعصره؟ ان الاجابة عن هكذا تساؤل تقودنا بداية الى النظر في نتائج الانتخابات الامريكية التي حصل فيها بوش على بضعة اصوات قليلة سلمته مفاتيح البيت الابيض، وهذه النسبة التي قاربت نصف المجتمع الامريكي تعلن من ذاتها ان الرجل القادم الى رئاسة اقوى دولة في العالم غير مرغوب فيه داخل دولته، او لنقل ان نصف المجتمع الامريكي لا يرضاه رئيسا له. وبالطبع فإن ادارته ستكون كذلك لأن الجميع يسعى في اتجاهين: السياسة الخارجية وانعكاسها على المجتمع الامريكي اولا، وردة فعل سياسته الخارجية تجاه العالم، خاصة وان اوروبا تشعر تماما بالتمادي الامريكي العولمي الذي يصب نيرانه ضدها وضد احلامها في اتحاد اوروبي قوي. لذلك فهي لا تنظر الى الادارة الامريكية الجديدة الا من منظار ما يمكن ان تحققه لها من مكاسب، وبمعادلة النصف القليل الذي يؤيد بوش داخليا والنصف الآخر الذي يخشى بوش الجمهوري وايديولوجيته التي ترى مهمتها في محافظتها على قوة الولايات المتحدة وأحلام السيطرة بعدم الاعتماد على الآخر. ومع ذلك تتزايد الهوة بين السياستين وتنتقل من حيز الغيرة والخجل الى حيز المواجهة السياسية والاقتصادية كحد ادنى، رغم انها لا تزال في باكورتها غير المعلنة، فهل ستبقى كذلك ام ان سياسة بوش وفريقه ستطلقها الى العلن؟! بقلم: محمد أحمد يوسف ـ كاتب فلسطيني مقيم بدمشق
