إن الإبهام والغموض والشيء الذي يصعب تصنيفه، أو الذي يحتمل معنيين، غدا يشكل صفة أساسية للسياسة الخارجية لحكومة الرئيس جورج دبليو بوش الرئيس الثالث والأربعين للولايات المتحدة الأمريكية الذي تولى منصبه رسميا في الخامس والعشرين من يناير 2001. حتى أن البعض من المختصين بالسياسة الخارجية في الولايات المتحدة، قالوا ان اللغة التي تستخدمها حكومة بوش في الاعلان عن مواقفها من قضايا العالم ومشكلاته، جعلت الكثيرين من الدبلوماسيين في حيرة شديدة مما تقصده، حتى لقد بدا لهم وكأن بوش يتعمد إضفاء قدر من التشويش على موقفه من كل مشكلة، والإلتزام بنوع من الحذر في الكشف والإفصاح عن سياسته لتظل مبهمة وموصومة بما يمكن وصفه بالغموض الاستراتيجي، يدفعه إلى هذا أن الفريق المعاون للسياسة الخارجية لبوش لم يستقر بعد وبشكل نهائي على بلورة الدور الأمريكي في العالم، ومازال يستلهم أفكاره الراهنة من المبادئ والقواعد التي كانت تحكم السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية في السنوات الطويلة للحرب الباردة. عسكرة السياسة وأيضا يزيد من غموض ومراوغة السياسة الخارجية للولايات المتحدة، حالة الشد والجذب، من جانب كل طرف من الأطراف الرئيسية في الفريق المعاون للرئيس بوش، وكل منهم يحاول أن يجذبها ناحيته، وتبدو عملية التجاذب الرئيسية بين أثنين اساسيين هما كولن باول بصفته وزيرا للخارجية، بنظرته الأكثر دبلوماسية والأوفر اعتدالا لقضايا العالم ومشكلاته، ورامسفيلد وزير الدفاع الذي يرى العالم، إما من منظور تاريخي بما كان فيه من صداقات وعداوات وتحالفات ومواجهات أو من زاوية صياغة تصور أمريكي للتهديدات الجديدة في العالم، لأمن ومصالح الولايات المتحدة، ونستطيع أن نلمس هذا من نبرة خطابه المتشدد حيال الصين وروسيا، وهو ما يبعث من جديد مناخ الحرب الباردة أو على الأقل يحيي ذاكرتها. وبالإضافة إلى هذين القطبين الرئيسيين باول ورامسفيلد، فإن ريتشارد تشيني نائب الرئيس يصنف بأنه يقف بالقرب من معسكر رامسفيلد، بينما كوندوليزا رايس، مستشارة الرئيس للأمن القومي أقرب إلى وزير الخارجية باول. وعزز من بروز دور رامسفيلد في مجال السياسة الخارجية لجوءه إلى برنامج شامل لاستعراض الاستراتيجية العسكرية الأمريكية، استعان فيه بمجموعة بارزة من خبراء التخطيط الاستراتيجي والقى بثقله وراء هذا البرنامج من أجل بناء مشروعات وخطط لمواجهة التهديدات العسكرية الجديدة، تتأثر بتصورات رامسفيلد نفسه عن هذه التهديدات وخصائصها وحقيقتها . والنتيجة بدء تداول مصطلح جديد بين الخبراء السياسيين في الولايات المتحدة، هو عسكرة السياسة الخارجية، بصورة لم يسبق أن جرت على هذا النحو في واشنطن، نتيجة لإتساع مساحة دور البنتاجون (وزارة الدفاع) في المناقشات الجارية بشأن السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية، ويمكن الإشارة في هذا الشأن إلى التركيز على برامج لوضع تصورات عن (عدو) سواء كان موجودا، أو في طور التكوين، ولم تكتمل له بعد مصادر تهديده النهائية. كل هذا يثبت من أركان ما يسمونه استراتيجية الغموض، وحيث كل شئ الآن متقلب ليس له مستقر أو مقام . لكن إذا كان هناك تصور بأن هذه السياسة أقل مخاطر من الوضوح والكشف عن هوية السياسة الخارجية، إلا أن مخاطرها تكون أفدح وأشد لو أنها خضعت لمنطق العمومية، وإتخذت كخط عام للتفكير السياسي لحكومة الرئيس بوش، لأن هناك مشكلات من طبيعتها أن تتفاقم وتتضخم، لو لم يتم التعامل معها بحسم ووضوح، وبموقف قاطع لا يحتمل التأويل ولا يقبل سلوكية التعامل بمعنيين كل منهما نقيض الآخر. نهج الاستعداء فعلي صعيد منطقة الحلف الأطلسي، نلاحظ أن الخلافات الأمريكية - الأوروبية في حالة تصاعد وتشابك ومازالت مقولة هنري كيسنجر التي طرحها في كتابه حول الأطلسي قائمة إذ يقول في كتابه (المشاركة المضطربة): أن الخلاف الأمريكي الأوروبي في قراءة الوضع العالمي، خلاف مقيم ومستمر، وتغذيه عوامل موضوعية من الصعب الإلتفاف عليها، ومن أهم هذه العوامل الموضوعية تضارب المصالح الأمريكية مع المصالح الأوروبية على أكثر من صعيد ولعل تضارب المواقف بين الولايات المتحدة الأمريكية والمجموعة الأوروبية في موضوع البلقان هو مؤشر إضافي على صحة هذا الرأي. الحكومات الأوروبية الغربية تعارض شبكة الصواريخ الدفاعية الأمريكية المقترحة وعندما إنتهت جولة بوش الأوروبية بإجتماع مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في لوبليانا وإنقضى هذا الاجتماع بالإبتسام والتربيت على الاكتاف، قيل ان الرئيس الأمريكي اقنع الرئيس الروسي بسياسته ، ولكن هذا لم يحصل طبعا، وبوتين اعلن صراحة بعد ذلك أن بلاده لا تزال تعارض مشروع الصواريخ الدفاعية. روسيا تعارض إلا أن وضعها الاقتصادي السيئ قد يمنعها من خوض سباق تسلح جديد مع الولايات المتحدة، غير أن الصين تنعم باقتصاد قوي، وهي تعارض شبكة الصواريخ وتستطيع الرد عليها بتوسيع قدرتها النووية والصاروخية، ما قد يدخل العالم في سباق تسلح جديد من دون سبب حقيقي بعد سقوط الإتحاد السوفييتي. وينظر الصينيون بقلق إلى وصف الرئيس بوش للصين بأنها (منافس استراتيجي) وقال مسئولون صينيون أنهم يشعرون بأن بلادهم تتجه نحو مواجهة مع الولايات المتحدة، والواقع أن القلق الصيني من السياسة الأمريكية سبق حادث طائرة التجسس في أول أبريل 2001، وإزدادت أسباب القلق منذ ذلك الحين، والصينيون يسجلون على إدارة الرئيس بوش، بالإضافة إلى شبكة الصواريخ الدفاعية، زيارة رئيس وزراء تايوان للولايات المتحدة مرتين وإجتماعه بالمشرعين الأمريكيين، وبيع واشنطن أسلحه لتايوان فلو كنا في القرن التاسع عشر، لكان اعتبر ما حدث نذيرا لإعلان حرب، لأنه لو قالت دولة قوية انها يجب أن تعيد تشكيل دفاعها وهيكلها التسجيلي من أجل الدخول في حرب والإنتصار على أرض دولة ثانية أضعف منها، لكانت الرسالة العدوانية واضحة، وإذا لم يكن هناك عذر أو إثارة، لكانت الضغينة بادية للجميع . حجج واهية أن ثمة أسبابا إضافية للقلق من خطورة السياستين الخارجية والعسكرية الأمريكية بعد أن طلب وزير الدفاع دونالد رامسفيلد ميزانية لسنة 2002 ارتفعت فيها النفقات الدفاعية 33 بليون دولار عن آخر ميزانية للوزارة في إدارة كلينتون، وبلغت 329 بليون دولار، في حين أن الجمهوريين قالوا انه لا يكفي ويريدون زيادة خمسة بلايين دولار عليه، في حين يقول الديمقراطيون ان خفض الضرائب يعني عدم توافر مبالغ لزيادة ميزانية وزارة الدفاع. لماذا تزيد الولايات المتحدة نفقاتها العسكرية سبعة في المئة في سنة واحدة، بعد حساب معدل التضخم، ولا يوجد عدو سوى ما تزعم عن خطر إيران والعراق وليبيا وكوبا؟ الحجة الأمريكية غير مقنعة، وقد تضاعفت الشكوك في الأسباب الأمريكية، وخاصة عندما يقول نائب وزير الدفاع الأمريكي، أن عسكر أمريكا يجب أن يركز على الحروب، ويترك عمليات حفظ السلام لدول مثل النرويح وكندا، وهو كلام قال معهد(بروكنجز) الراقي أنه (قصير النظر)، لأن الدور الأمريكي في حفظ السلام هدفه توفير طمأنة سياسية لا عسكرية، ولسنا وحدنا في الاعتقاد بأن السياسة اليمينية المحافظة للإدارة الأمريكية، تحاول فرض هيمنة القطب الواحد على مقدرات العالم من دون أي مسئولية واضحة تجاه قضايا هذا العالم. إن الرئيس بوش، وفي خلال ستة أشهر فقط إنسحب، كما سبق الإشارة إليه، من معاهدة لخفض نسب الغازات التي تزيد حرارة الجو، ورفض بروتوكولات تراقب حظر الأسلحة الجرثومية وطلب تعديل إتفاق دولي لمنع بيع الأسلحة الصغيرة، وهدد بمقاطعة مؤتمر ترعاه الأمم المتحدة ضد العنصرية، وهدد بالإنسحاب من معاهدة لمنع إنتشار الصواريخ الباليستية. ولعل ذلك يعكس إصابه بوش على ما يبدو بحساسية ضد المعاهدات الدولية، وأنه لا يفهم أن إتفاقا سيئا أفضل من إتفاق جيد غير موجود، كما أنه لايمكن للعالم كله أن يوافق على شئ، ثم تنفرد الولايات المتحدة وحدها برأي مخالف وتصر على أنه الرأي الصحيح. أن الولايات المتحدة التي تلغي المعاهدات أو ترفضها وتنسحب منها، وتقول انها لن تقبل سوى ما ينفع الولايات المتحدة بغض النظر عن خطر الرفض على السلام النووي العالمي أو مستقبل البيئة ذاتها، مثل هذا الموقف الغريب جعل صحيفة لندنية تسأل تحت صورة للرئيس بوش : هل هذا أخطر إنسان في العالم؟ الأمريكيون أيضا بدأوا يخافون من سياسة الإدارة (البوشية) وفرانك ريتش في نيويورك تايمز كتب يقول عن( بوش) إنه رجل لا يعرف مقدار مالا يعرف، ولا يبدو أنه مستعجل ليتعلم (كما نشرت نيويورك تايمز مؤخرا كذلك تحقيقا نفى فيه مساعدو الرئيس بوش أنه يتصرف في شكل أحادي أو إنعزالي، أو أن إدارته تكره العمل الجماعي في القضايا الدولية، إلا أنهم زادوا أن المعاهدات ستقبل إذا كانت المصلحة الأمريكية منقوشة فيها على الحجر إذا ترجمنا هذا الكلام إلى لغة أخرى، فهو يعني أن أمريكا ضد العالم، وفي هذا الخصوص يقول دان بليش من المجلس البريطاني - الأمريكي لمعلومات الأمن أن إدارة بوش تتحدث عن مبدأ أساسي أمريكي جديد، يلغي التعددية والرأي الآخر ويحل محلها مجموعة اعتراضات غير مؤكدة أساسها الإنانية والاعتداد بالذات، أنها دبلوماسية (الكلب الكبير) وهي فكرة ريجانية أي تعود إلى الرئيس رونالد ريجان. والريجانية من دون ريجان منظور طرحته الصحف البريطانية أيضا وقالت انه لم يأت رئيس مثل بوش، خطرا على السلام العالمي منذ ريجان، وهو يشبه ذلك الرئيس اليميني في قلة المعرفة وعدم الاستعداد لمتطلبات الحكم، بل وكراهية قراءة التقارير، والعمل ككل . ولا توجد منطقة إقليمية في العالم تشوشت فيها ملامح السياسة الخارجية الأمريكية، وتعثرت وتناقضت فيها خطاها، مثلما هو حاصل لها الآن في ظل إدارة بوش في الشرق الأوسط، إذا تظهر سياسة الولايات المتحدة مثل كيان تحجبة كتلة كثيفة من ضباب، تتراءى لنا في هيئة أشباح لا تفصح عن حقيقتها وحين تتحرك فلا تعرف وأنت ناظر إليها ما إذا كانت قادمة نحوك أم هي تتقهقر للخلف. بقلم: د. محمود مرتضى ـ كاتب سياسي مصري
الملف السياسي ـ في ظل الغموض والارتباك و«عسكرة» السياسة الخارجية، هل تصلح الولايات المتحدة لقيادة العالم ؟
