أكد المفكر والخبير البارز فى قضايا الصراع العربى الصهيونى الدكتور محجوب عمر أنه من الصعب الآن تصور الموقف العربى فى حالة إقدام الإدارة الأمريكية على نقل سفارتها إلى القدس لأن هذا يتوقف على الزمان والمرحلة ودرجة النهوض الجماهيرى فى الدول العربية. وقال فى حواره لـ «بيان الاربعاء» أن السياسة الأمريكية تجاه مختلف القضايا ومنها القدس برجماتية أى أنها متغيرة طبقا للمصالح الأمريكية. وأضاف أن الأوضاع الداخلية فى القدس من شأنها تفجير الحركة الجماهيرية العربية والإسلامية والفلسطينية. وأشار إلى أن موضوع نقل السفارة يستعمل كقضية داخلية فى عملية الإنتخابات الأمريكية. وفيما يلى نص الحوار. ـ لماذا تثار مسألة نقل السفارة الأمريكية إلى القدس فى المواسم الإنتخابية فى الولايات المتحدة؟ ـ المتتبع للإنتخابات الأمريكية فى سنواتها الأخيرة، يكتشف بالفعل أن الحديث عن القدس يكون خلالها أشبه (بالبازار ) الانتخابى، خاصة فيما يتعلق بنقل السفارة وذلك لأن الكتلة الانتخابية اليهودية في الولايات المتحدة نافذة ومؤثرة سواء بالنسبة للإنتخابات الرئاسية أو انتخابات الكونجرس، ووسائل تأثير هذه الكتلة هو الإعلام، فمعروف إلى أي مدي تحكم وإمتلاك اللوبي الصهيوني لهذه الوسائل، ومن هنا فأي مرشح للرئاسة هناك يهمه إرضاء اليهود، ولذلك فالقدس يتم استخدامها كقضية داخلية في عملية الإنتخابات الأمريكية وهي عنوان دائم في هذه الإنتخابات من أجل كسب الأصوات اليهودية، غير أن الملاحظ أن التصريحات خلال الإنتخابات تتغير على نحو ما بعد انتهائها. ويضيف الدكتور محجوب عمر: لكن مع ذلك هناك نقطة يجب ألانغفلها و هي أن إسرائيل تقوم خلال مواسم الإنتخابات في الولايات المتحدة بتحريك المسيحية الأمريكية المتأثرين بالعقائد الصهيونية المسيحية وهؤلاء موجودون بالأساس في الولايات الشمالية الشرقية أكثر من الولايات الجنوبية، تحريكهم من أجل التأثير في عملية التصويت في الإنتخابات الأمريكية لصالح المرشح الذي يريدونه وهذا يوضح حرص المرشحين للرئاسة الأمريكية على كسب ود إسرائيل خلال الحملات الإنتخابية. ردود الفعل العربية ـ إذا أقدمت الإدارة الأمريكية بإجراء خطوة عملية بنقل السفارة إلى القدس ما هى ردود الفعل العربية المتوقعة حيال ذلك؟ ـ من المبكر فى الوقت الحالى تصور ردود الفعل العربية المتوقعة فى حال إقدام الإدارة الأمريكية على إجراء خطوة فعلية لنقل السفارة إلى القدس لكون عملية التسوية السياسية الشرق أوسطية كلها عملية مرنة تحتشد فيها الكثير من المتغيرات، ومنها ما يتعلق بموقع القدس كمدينة تاريخية مقدسة فليس من المتوقع أن يتغير جغرافيا أو تاريخيا أو سياسيا موقع مدينة القدس عند المسلمين أو الإسرائيليين أو اليهود أو الطوائف المسيحية والإسلامية الأوروبيين منهم والعرب وكذلك المسيحيون الكاثوليك الذين يؤثرون عن طريق البابوية على الدور الأوروبى والأمريكى اللاتيني وإلى حد ما على بعض الدول الإفريقية بل والآسيوية التى تتأثر بالروابط مع العالم الإسلامي. ـ إلى أى مدى يمكن للعرب أن يتخذوا مواقف من واشنطن؟ ـ تقدير الموقف العربى من الموقف الأمريكى من نقل السفارة الأمريكية إلى القدس يتوقف على الزمان والمرحلة وعلى درجة النهوض الجماهيرى فى بعض البلدان العربية وربما يدفع بالقيادة الأمريكية إلى عدم إحراج حكامها وإلى الخوف عليها من موجات الغضبة التى قد تندلع فى حال نقل السفارة الأمريكية فى توقيت غير ملائم فى إطار التغيرات السياسية الجارية وبخاصة إذا ارتبطت هذه الخطوة بإجراءات وخطوات إسرائيلية تكشف مدى استفادة إسرائيل منها وحتى هذه الخطوة يمكن لأمريكا أن تعالجها كما يعالج الإنسان حروقه الموضوعية بمسكنات قد تكون صفقات سلاح أو معونات اقتصادية وتقنيه أو مقايضات سياسية. وعموما إذا أردنا أن تكون لدينا القدرة علي إتخاذ قرارات ومواقف ضد الولايات المتحدة في حال اقدامها على خطوة نقل السفارة فيجب علينا أولا تجميع ثرواتنا وقوانا البشرية والاقتصادية والعسكرية فالمواجهة لن تكون إلابالإتفاق فيما بيننا وهذا الاتفاق من شأنه أن يجعل الموقف الأمريكي نفسه أن يخضع لنا فالولايات المتحدة تعرف حجم مصالحها مع الدول العربية وهي تقدس مصلحتها قبل أي شئ آخر وبما في ذلك القدس ولذلك يجب علينا أن نضع ذلك نصب أعيننا دائما ويكفي أن نشير هنا إلي أن الولايات المتحدة لم تستطع حتى الآن تطويع وإخضاع العراق على سبيل المثال لأن العراق يمتلك نصيبا كبيرا من النفط العالمي وله موقع هام بين العرب وهذا يوضح أن الدول العربية من الممكن أن تكون قوة يعمل لها الف حساب من قبل الجميع بما فيهم الولايات المتحدة إذا هي فقط عملت على حشد وتجميع قوتها البشرية والاقتصادية وحتى العسكرية لخدمة قضاياها. تأثير القمم العربية ـ هل يمكن اعتبار الموقف الأمريكى من القدس جزءاً لا يتجزأ من احتضان الدولة العبرية ودعمها استراتيجيا فى إطار الصراع العربى الإسرائيلي؟ ـ نعم سياسيا وليس عقائديا، فالقدس كقضية لها وزن عقائدى كبير عند الإسرائيليين واليهود وهى ليست بذات الوزن عند الأمريكيين المسيحيين حتى وإن كانوا من الطوائف التى تعتنق ما يسمى الآن بالصهيونية المسيحية. ـ ما مدى تأثير قرارات القمم العربية ومجمل المواقف العربية إزاء قضية القدس؟ ـ الاجابة عن السؤال تتوقف على المرحلة الزمنية كأن يتقاطع موقف قرارات القمم العربية مع موقف الاتحاد الأوروبى والإرتفاع الحاد فى سعر النفط وكذلك مع الموقف الروسى الذى ربما يكون فى ذلك الوقت معارضا للموقف الأمريكى خاصة بالنسبة للعرب. ـ هل هناك إمكانية لاختلاف الرؤية الأمريكية تجاه القدس بإختلاف الإدارات المتعاقبة؟ ـ نعم السياسة الأمريكية دائما سياسة براجماتية بمعنى أنها متغيرة طبقا للمصالح الأمريكية في العالم والقدس من القضايا الهامة فى إطار العولمة باعتبارها مدينة مقدسة لدى المسلمين والمسيحيين فى العالم ثم أن الموقف الأمريكى منها سيظل يعتمد على الصراع الانتخابى الداخلى هناك وذلك كسبا لأصوات اليهود. ومن هنا نخلص بأن التعامل العربى مع قضية القدس لابد أن يضع فى حساباته توحيد العالم الإسلامى والعالم العربى كله وأن يعمل باستمرار على تغذية الموقف من القدس لدى المسلمين والطوائف المسيحية فى أوروبا وافريقيا واسيا دون توقف وليس فقط عند احتدام هذه القضية سياسيا. إذ يلاحظ أن الموقف العربى من قضية القدس يتحرك باستمرار من منطلق احتواء الموقف الإسرائيلى الأمريكى منها ثم يهدأ حتى تكاد أهمية هذه القضية تتراجع لدى الرأى العام فى كثير من البلدان بمعنى أنه من الضرورى وضع الخطط الاستراتيجية لعمليات الاحتواء هذه وتغذيتها باستمرار وليس فقط عند الحاجة السياسية إليها. ـ وهل تتوقع أن تتعاطى الجماهير العربية والإسلامية مع قضية القدس فى ظل الأوضاع الحالية بشئ من العنف؟ ـ الأوضاع الداخلية فى القدس من شأنها تفجير الحركة الجماهيرية العربية والإسلامية والفلسطينية كما يمكن أن تؤثر على الموقف الإسرائيلى والموقف الأمريكى مثلما حدث مع نتانياهو ومع شارون. فالأول أسقطته عملية النفق التى قام بها تحديا للمشاعر الفلسطينية والإسلامية والثانى ربما تسقطه حماقته التى ارتكبها بزيارته للمسجد الأقصى متحديا المشاعر الفلسطينية والإسلامية مما يرتب ضرورة البقاء على استعداد وتعبئة الرأى العام الإسلامى والمسيحي باستمرار. القاهرة ـ مكتب «البيان»: