انتقلت الإدارة الأمريكية عبر طريق يتسم بقدر من التعرج إلى موقع حسمت فيه ترددها بشأن ما ينبغي عليها ان تفعله إزاء المواجهة الفلسطينية ـ الإسرائيلية، وذلك بعد مسلسل من الشد والجذب بين اطراف مختلفة في الإدارة وخارجها جرى بأكمله خلف أبواب مختلفة. ذلك ان الإدارة قطعت، خلال الشهور الستة التي اعقبت توليها لمهامها في واشنطن، دائرة كاملة مغلقة انتهت بها عند النقطة التي بدأت منها تماماً، اي ان الموقف الصحيح هو «اللاموقف»، وان على الطرفين المعنيين حل المسألة «فيما بينهما». رغم ذلك فإن المساواة بين سياسة الإدارة بعد ستة شهور وبين سياستها في اسابيعها الأولى هي مساواة مبسطة اكثر مما ينبغي. صحيح ان الإدارة قالت في وقت مبكر انها لا تريد التدخل في المواجهة وانها عادت إلى نفس النقطة بعد ستة شهور وبعد تدخلات عديدة، ولكن موقفها بعد ستة شهور لا يتشابه مع موقفها المبكر إلا من الوجهة الشكلية فحسب، وربما من زاوية مؤدى العمل للموقفين. عدا ذلك فإن اللحظتين تستندان على سياقين مختلفين في كل الاوجه الأخرى. فموقف الإدارة الأخير بلور هزيمة معسكرين كانا يدعوان إلى قدر من التدخل عند تدهور الأمور إلى نقطة معينة. والمعسكران هما وزارة الخارجية ووكالة المخابرات المركزية. اما الموقف قبل ستة شهور فإنه لم يكن قد تضمن بعد هزيمة هذين المعسكرين، أو أي معسكرات أخرى، ذلك ان المواجهة بين الرؤى المختلفة في الإدارة بشأن الشرق الأوسط لم تكن قد بدأت بعد آنذاك. ولكن فلنعد إلى ما قالته الإدارة قبل ستة شهور. في ذلك الوقت أعلن الرئيس بوش انه «لن يضغط على الطرفين» للتوصل إلى تسوية أو للعودة إلى المفاوضات. وكرر وزير الخارجية كولن باول ذلك. الا انهما ما لبثا ان تراجعا عن ذلك من الوجهة العملية. وكان السبب الرئيسي لهذا التراجع يعود إلى التدهور المتصل الذي طرأ على الموقف في الشرق المتوسط بعد تشكيل الحكومة الإسرائيلية في مارس، ثم دخول «مبادرة جديدة» إلى مسرح العمل الدبلوماسي المتصل بالمسألة الفلسطينية، وهي المبادرة التي تضمنها تقرير لجنة ميتشيل. جولات متعاقبة خلال ذلك توجه وزير الخارجية باول إلى المنطقة مرتين، ومدير وكالة المخابرات المركزية جورج تينيت عدة مرات، وتم تعيين ويليام بيرنز سفير الولايات المتحدة السابق في عمان مسئولاً عن عملية السلام، ثم تم اسناده بديفيد ساتر فيلد سفيرها السابق في بيروت، وقام الاثنان بزيارات وجولات متعاقبة في المنطقة، فيما استقبلت واشنطن ارييل شارون مرتين ووفوداً فلسطينية رفيعة المستوى ثلاث مرات، ووزراء الخارجية والدفاع والمالية الإسرائيليين عدة مرات. وهكذا بدا خلال شهور ابريل ومايو ويونيو ان إدارة بوش قد ابحرت بعيداً عن ميناء «اللاموقف»، وبدأت تجوب مياه البحث عن آلية لوقف تدهور الموقف في الشرق الأوسط. ولم يكن ذلك ناجماً عن ادراكها ان الموقف يتدهور بالفعل اقترابا من نقطة الانفجار فحسب، ولكنه جاء أيضاً كثمرة لضغوط عربية وأوروبية متصلة، وإلى رغبة وزارة الخارجية ووكالة المخابرات المركزية في استثمار الافكار التي طرحها تقرير لجنة ميتشيل للخروج من المأزق اتجاهاً نحو التفاوض. ولكن ما هو الفارق اذن بين اللحظتين، اي لحظة الاعلانات الامريكية المبكرة في فبراير الماضي بأن الإدارة «لن تفرض» حلاً، وبين موقفها الراهن الذي تكرر خلاله الاعلانات ذاتها؟ فارق هائل ثمة فارق هائل بالفعل تبلور خلال رحلة الإدارة بين اللحظتين. ففي اللحظة الأولى لم تكن صوبت بعد هذا النفوذ نحو نقطة واحدة محددة بصورة «هندسية» تقريباً، أي نقطة تجريد الإدارة من أي رغبة في «المحاولة». من جهة أخرى لم تكن الإدارة قد اعدت بصورة نهائية بعد جداراً عازلاً يفصل بين قرارها المتعلق بالمواجهة الفلسطينية ـ الإسرائيلية وبين الضغوط العربية والأوروبية وخلال الشهور الفاصلة بين اللحظتين شهدت واشنطن «اعادة تنظيم» شاملة لاوراقها، وهي عملية استدعت قدراً من الاستقطاب والمواجهات، وانتهت إلى بلورة حقيقية لأسس سياسة اللاموقف التي سبق ان طرحتها الإدارة ذاتها وان بصورة غير مبلورة قبل ستة شهور. لقد كان نجاح الإسرائيليين في دفع مواقف إدارة الرئيس بوش إلى حيث يريدون نجاحاً منقطع النظير بحق، بل ان اكثرهم تفاؤلاً لم يتوقع هذه النتيجة حين بدأت المواجهات في واشنطن تصل إلى نقطة «تشابك السيوف» ان جاز التعبير. وسوف نعرض هنا بعض جوانب «معركة الشهور الستة» هذه التي سنرى خلال الشهور القليلة المقبلة انعكاساتها المريرة في المنطقة، وخاصة على الدرب الدامي لمواجهة الفلسطينيين لقوات الاحتلال. إلا ان ذلك يستدعي أولاً رصد طبيعة اللاعبين الأساسيين في هذه المواجهة والمواقف التي قاموا بضخها إلى حلبة المواجهة لتعزيز هذا الاتجاه أو ذلك، أي اما لتعزيز دفع الإدارة إلى التدخل لوقف تدهور الموقف، ولبدء تطبيق تقرير ميتشيل، أو لدفعها لرفع يدها تماماً عن ذلك الموقف وعن طريق ميتشيل في آن معاً. فعلى الرغم مما قيل في بعض التقارير الصحافية من ان مستشارة الأمن القومي كوندوليسا رايس تشكل مع وزير الخارجية كولن باول «محوراً واحداً»، وعلى الرغم من تصريحات صائب عريقات بعد لقائه برايس في يونيو الماضي من انها «ابدت تفهما لم أكن اتوقعه»، فإن كوندوليسا رايس تبنت بلا تردد، ومنذ اللحظة الأولى، موقفاً يدعو إلى عدم توريط إدارة الرئيس بوش في مواجهة اللوبي الإسرائيلي، ومن ثم ضرورة ابعاد الإدارة عن تبني أي مواقف قد تؤدي إلى اغضاب إسرائيل أو انصارها في الكونجرس. وواقع الحال ان عريقات في تقييمه لمدى تفهم رايس لما يحدث ـ اخطأ في استخدام المعايير المناسبة التي تنطبق على آليات عمل واشنطن. ذلك ان المسألة ليست من الاصل هي مدى «تفهم» هذا المسئول أو ذاك «لعدالة» وجهة النظر الفلسطينية، ولافتقاد المنطق الإسرائيلي لأي أسس قانونية أو اخلاقية. فوجهة النظر الفلسطينية واضحة. ثمة احتلال، وهو احتلال «غير قانوني» من زاوية نظر القانون الدولي، كما انه لا يتفق مع مقررات الأمم المتحدة. وثمة مقاومة لهذا الاحتلال، أي ان هذه المقاومة لا يمكن اعتبارها أساس المشكلة، فهي من الناحية الجوهرية ردة فعل لوجود الاحتلال من الاصل، كما لا يمكن وصفها بالإرهاب، باعتبار ان الاحتلال ـ الذي تسبب في وجودها ـ هو الإرهاب الحقيقي. إلا ان الأمر ـ في واشنطن ـ لايتأسس على «قوة الاقناع»، أو بلاغة الحجة، انه ليس تفهم رايس ـ أو غيرها ـ لرأي الفلسطينيين، اذ ان كافة المسئولين الامريكيين يعرفون تماماً حقائق الموقف على ماهي عليه، ويعرفون ان الاحتلال هو.. احتلال، وان الفلسطينيين يقاومون من يريدون اغتصاب اراضيهم بالقوة. الأمر في واشنطن هو ـ باختصار ـ او حسابات سياسية وليس تفهماً أو اقتناعاً. فاذا كانت حسابات الإدارة توضح انها ستخسر من اتخاذ موقف معين ـ بصرف النظر عن مدى اخلاقيته أو عدم اخلاقيته ـ فإنها لن تتخذه، واذا كانت هذه الحسابات توضح ان اتخاذ ذلك الموقف ـ في لحظة اخرى ـ سيكون مفيداً، فإنها ستتخذه. الا ان هذا ـ لو وضع في الاعتبار بصورته الفجة الواردة هنا ـ سيكون بدوره تبسيطاً للأمور. فالإدارة في واقع الحال تبحث دائماً عن «غطاء اخلاقي» لاكثر سياستها بعداً عن المعايير الاخلاقية. ليست المسألة اذن تطبيق «ميكانيكي» احادي فج ومباشر، انها تمر عبر مراحل من «اعادة الصياغة» و«الرتوش» وعمليات التجميل حتى تخرج على ما هي عليه. وليست هذه المراحل من اختصاص كوندوليسا رايس على أي حال. ان مهمتها الأولى هي المساهمة ـ بدور كبير ـ في صياغة مواقف الإدارة من أهم قضايا السياسة الخارجية للولايات المتحدة. وفي هذا يقول ليزلي جيلب مدير مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية المعروف «انها هي ـ اي رايس ـ التي ترأس الاجتماعات المشتركة للهيئات المعنية بالسياسة الخارجية وهي التي تشرح للرئيس بوش الاراء المختلفة لهذه الهيئات، ثم تبلغه بتوصياتها. ان موقفها بالغ الأهمية والحساسية». ويقول آري فليشر الناطق الرسمي باسم البيت الأبيض ان لرايس علاقة وثيقة بالرئيس بوش. لقد تعلم منها اشياء كثيرة عما يدور في العالم، وهو يشعر براحة نفسية في الحديث معها. انهما يمارسان التريض معاً، بل انها تصحب الرئيس إلى منتجع كامب ديفيد خلال عطلات نهاية الاسبوع». ولكن كيف وصلت رايس إلى هذا القدر من التأثير، ومن هم الذين يساندونها حقاً؟ ثم ماهو موقفها من الشرق الأوسط؟ لقد ظهرت هذه الاستاذة الجامعية السمراء في العام 1986، حين كان عمرها 32 عاماً فقط، وذلك بعد ان «التقطها» مستشار الأمن القومي الاسبق الجنرال برانت سكاوكروفت من جامعة ستانفورد المشهورة. كان سكاوكروفت يشارك رايس على مائدة العشاء في احدى مناسبات واشنطن حين لفتت اراء رايس حول روسيا انتباهه. وفي عام 1989 عين سكاوكروفت مستشاراً للأمن القومي في إدارة جورج بوش الاب فاستدعى رايس للعمل معه، وقدمها للرئيس بوش الذي قال عنها بعد ذلك «انها اثارت دهشتي». وخلال لقاء بين بوش والرئيس السوفييتي ميخائيل جورباتشوف قدم بوش رايس قائلاً «هذه هي كوندوليسا رايس التي تقول لي ما ينبغي عليّ ان أفعل معك» بعد ذلك قال بوش في مناسبة أخرى «ان فريقنا كله يثق في كوندوليسا ثقة كاملة». وكانت علاقات بوش الاب مع رايس قد توطدت. والمعروف ان الرئيس الاسبق لا يؤسس علاقاته على أساس سياسي فحسب، ولكنه يشترط فيها الولاء الشخصي المطلق. وأبدت رايس ولاء مطلقاً لجورج بوش الاب، حتى انها شاركت في اجتماعات بالغة الحساسية، رغم حداثة عمرها آنذاك ـ تتعلق بالتحضير لحرب تحرير الكويت. إلا ان رايس غادرت واشنطن بعد اخفاق جورج بوش الاب في الفوز بفترة رئاسة ثانية. وحين بدأ الابن حملته تم استدعاء رايس لقيادة فريق سمي آنذاك «البركان». ـ كإسم حركي ـ يتولى تثقيف الابن بشئون السياسة الخارجية، وتوطدت علاقات الابن بكوندوليسا رايس، خصوصاً وان استاذها السابق في جامعة ستانفورد وزير الخارجية الاسبق جورج شولتز وضع ثقله أيضاً خلفها. وهكذا وجدت رايس دعماً مفتوحاً من جورج بوش الاب، ومن مستشاره السابق لشئون الأمن القومي برنت سكاوكروفت، ومن وزير خارجية رونالد ريجان ـ أي حين كان بوش نائباً للرئيس ـ جورج شولتز. وبعد هذا كله تمكنت المدرسة السمراء من اكتساب ثقة جورج بوش الابن حتى بات غير قادر على بلورة أي موقف متعلق بسياسته الخارجية دون الاستعانة بها. وهكذا كان من اللافت للنظر ان بوش رفض اتفاقية كيوتو التي قالت رايس ـ عن توقيعها ـ انها ترفضها، وايد المضي قدماً في اقامة درع الدفاع الفضائي من الصواريخ الموجهة بدون دعم الأوروبيين، بل وعلى الرغم منهم، وهو ذات الموقف الذي دافعت عنه رايس في كتاباتها قبل ان يصبح جورج بوش رئيساً.. كان من الواضح اذن ان رايس باتت هي المحل الأول لثقة «عائلة بوش» على وجه الاجمال. أما عن موقفها بشأن الشرق الأوسط فإن رايس اعترفت بأنها ليست متخصصة في هذا المجال. وخلال الشهور الأولى من عمر الإدارة الامريكية الحالية احالت مستشارة الأمن القومي كل الاسئلة التي وجهها إليها الرئيس حول الشرق الأوسط إلى كولن باول. إلا ان الأمر تطور تدريجياً في اتجاه مخالف وذلك نظراً لتضافر عاملين أساسيين. العامل الأول هو التأثير المتزايد الذي حظى به مسئول مكافحة الإرهاب في مجلس الأمن القومي الأمريكي ريتشارد كلارك على رئيسته المباشرة كوندوليسا رايس. فإذا كانت رايس قد اقرت في البداية انها «لا تعرف الكثير عن الشرق الأوسط»، فإن كلارك قد «تطوع» كي يشرح لها «آليات عمل الاقليم». وريتشارد كلارك هو أحد اخلص العناصر لخط الليكود الإسرائيلي فيما يتعلق «بشرح» المواقف الفلسطينية والإسرائيلية، وكان للتأثير المتزايد لكلارك في مجلس الأمن القومي ضلعاً في تعيين ايليوت ابرامز ـ الذي يعرف الجميع في واشنطن ان له علاقة «خاصة» باسرائيل ـ إلى مجلس الأمن القومي وذلك رغم ان ابرامز اتهم ابان رئاسة رونالد ريجان ـ حين كان يعمل في وزارة الخارجية ـ بالكذب على الكونجرس وادين في حكم قضائي بهذا الشأن وذلك بسبب تورطه بدور بارز في فضيحة ايران ـ كونتراز ثم شمله عفو رئاسي اصدره ريجان عند مغادرته البيت الأبيض. والطريف في الامر ان كوندوليسا رايس وافقت على تعيين ابرامز قبل شهر واحد وذلك رغم ماضيه المثير للتساؤل. مصلحة الاسرة العامل الثاني هو ان مصلحة أسرة بوش كانت تقضي بتجنب أي مواجهة مع انصار إسرائيل على جبهتين، الجبهة الأولى هي فلوريدا، حيث سيخوض شقيق الرئيس جب بوش انتخابات العام المقبل لتجديد حكمه للولاية، والثانية هي جبهة واشنطن حيث يرغب جورج بوش في خوض انتخابات الرئاسة المقبلة، وفي تطبيق اقصى حد ممكن من برنامجه المتعلق بتعديل الاوضاع الداخلية في البلاد، وهو برنامج لا يمكن للرئيس ان يطبقه بدون دعم الكونجرس «المكتظ» بانصار إسرائيل. وهكذا فإن نصيحة رايس تلخصت في ضرورة الحفاظ على احتمالات فوز جب وجورج مفتوحة بتجنب استفزاز القوى المؤثرة على المسارين. ويلعب الصوت اليهودي دوراً مؤثراً في فلوريدا بصفة خاصة. وفيما يرغب الديمقراطيون في «تصفية الحساب» مع جب بوش الذين يتهمونه «بسرقة» انتخابات الرئاسة الماضية فإن أسرة بوش تدرك ان هزيمة جب في فلوريدا ستكون «الخطوة الأولى» نحو هزيمة جورج في انتخابات 2004، وهكذا فإن انتخابات حاكم فلوريدا المقبلة لها مغزى عميق في خصوصيته السياسية والنفسية. ولا يمكن بالتالي ـ للأسرة ان تفرط في موقع له هذه الخصوصية المميزة. وكانت رايس احدى أبرز المدافعين عن الموقف القائل بأن من الضروري تجنب ما قد يقلل من احتمالات فوز جب أو يعرقل انتخاب جورج. وقدم كلارك لرئيسة ترسانة الحجج التي يمكن ان تفسر بها هذا الموقف وذلك بقوله ان تعقيدات الموقف في الشرق الأوسط تتطلب ان تصر الإدارة أولاً على انهاء «الإرهاب» و«العنف» قبل اتخاذ أي خطوة لتطبيق تقرير ميتشيل، وان تتمسك بموقفها القائل بأن على الطرفين اتخاذ «مبادرات ذاتية» كل تجاه الاخر أولاً، وان واشنطن تفضل الابتعاد حتى يحدث ذلك. لم يكن هذا الموقف اذن مبنياً على «تفهم» و«ادراك» و«اقتناع» بعدالة وجهة النظر الفلسطينية، أو حتى الإسرائيلية، بل انه لم يكن في جوهره نابعاً من قياس دقيق لمصالح الولايات المتحدة كبلد مؤثر على الساحة الدولية. ولذا فإن اشارة صائب عريقات بتفهم كوندوليسا رايس كانت تشبه حديثاً باللغة الصينية في احد شوارع واشنطن. ان رايس «تتفهم» حقاً، ولكن مواقفها لا تنبع من تفهمها، بل انه ليس في واشنطن اصلاً من يؤسس مواقفه على التفهم والتعاطف. انها حسابات كسب وخسائرة باردة لا محل فيها لبلاغة أو عدالة، بل ان المؤسف انه لا محل فيها أيضاً ـ إلى حد كبير ـ لمصالح الولايات المتحدة الا في المجالات التي لن تؤدي إلى خسائر مباشرة للمصالح الضيقة للفريق الذي يحتل البيت الأبيض. لباقة سياسية لقد تبدل موقف رايس اذن من احالة قضايا الشرق الأوسط إلى كولن باول ـ في بداية عمل الإدارة ـ إلى الدخول المباشر على خط هذه القضايا في حديثها الصباحي اليومي مع الرئيس بوش. وفيما كان باول يقول انه «يفضل» ان يتخذ الجانبان مبادرة ذاتية، وان تطبيق تقرير ميتشيل يتطلب خفض العنف «إلى درجة ما»، فإن الموقف الآن تحول إلى تبني مقولة شارون بخفض العنف إلى الصفر.. تماماً وبصورة مطلقة لمدة اسبوع كامل. بل ان الطريف ان جورج بوش الذي «اصطدم» علناً مع ارييل شارون خلال وجود الأخير في البيت الأبيض في يونيو الماضي حول «درجة التقدم التي تحققت»، ورفض شارون النظر إلى أي «درجة تقدم» مالم تكن «صمتا» كاملاً في الضفة والقطاع، الطريف ان بوش تنازل عن موقفه بالاشارة إلى «درجة التقدم» هذه، وانتقل برشاقة إلى موقع ارييل شارون.. ان من المستحيل ـ ببساطة ـ ان يكون هذا الانتقال الذي يكشف عن «لياقة سياسية» عالية قد حدث دون مشاركة واعتماد كوندوليسا رايس. فضلاً عن ذلك فإن رايس ـ حين كانت تحيل اسئلة الشرق الأوسط إلى كولن باول ـ لم تنفذ ما طلبه منها استاذها جورج شولتز. لقد اوضح شولتز في حديث تلفزيوني اجرى معه قبيل انتخاب جورج بوش الابن ان «على الإدارة المقبلة الا تتدخل في الأزمة الراهنة بين الفلسطينيين والإسرائيليين لان ياسر عرفات غير مستعد لتوقيع اتفاقية سلام وكان المعتقد ان وزارة الخارجية الجديدة لن تتبنى موقف شولتز، وهي في الواقع لم تتبناه بالفعل على الأقل في الفترة الممتدة من مارس وحتى يونيو الماضيين، ولكن وجهة نظر وزير الخارجية الاسبق ـ التي صاغها اصلاً هنري كيسنجر ـ وجدت طريقها في نهاية المطاف إلى مكتب مستشارة الأمن القومي، وإلى مكتب الرئيس، في خطين متوازيين. ذلك ان الهدف الأمريكي من «إدارة الظهر» للمواجهة الفلسطينية ـ الإسرائيلية التي نراها الآن هو «تقليم» المطالب الفلسطينية حتى تلائم مقياس الثوب الذي يريده الإسرائيليون «لتنازلاتهم». فكوندوليساب رايس ـ والجميع ـ يعرفون ان ترك طرفين غير متساويين في القوة احدهما للأخير سيأتي بصورة مؤكدة لحساب الطرف الاقوى. المعادلات مفهومة، والنتائج معروفة، ولكن الأسباب لا تتعلق ـ بصورة مباشرة على الاقل ـ بهذه أو تلك، انها تتعلق بحسابات سياسية فردية بالغة الضيق. تعرف ما يحدث أما موقف وكالة المخابرات المركزية فقد تلخص في تعليق نشرة الكاتب الامريكي جاك كوسلاكوف وقال فيه ان حكومة ارييل شارون تنظر إلى الوكالة بارتياب شديد «الإسرائيليون لا يثقون في المخابرات المركزية، انهم يعتقدون انها تبدي بعض الميل إلى الجانب الفلسطيني، حسب قوله. وواقع الحال ان المخابرات المركزية لا تبدي ميلاً إلى الفلسطينيين أو إلى الإسرائيليين، ولعل هذا على وجه الدقة مايزعج شارون. ذلك ان المخابرات المركزية الأمريكية تعرف بدقة حقيقة ما يحدث، وليس بوسع الحكومة الإسرائيلية ـ بالتالي ـ «اقناعها» برواية ما ـ مختلفة ـ لما يجري بين الفلسطينيين والإسرائيليين. فضلاً عن ذلك فإن الوكالة، من الوجهة القانونية، ليست جهازاً سياسياً. انها جهاز يجمع الاخبار ويحلل ما يحدث ثم يعرض ذلك على الأجهزة السياسية، كما هو. من هنا فإن من المستحيل اتهام الوكالة بالميل «السياسي» تجاه الفلسطينيين أو ضد الإسرائيليين رغم ذلك فإن هذه النقطة الأخيرة بالذات. اي كون الوكالة جهاز تنفيذي ـ قد اثيرت لاخراج المخابرات المركزية من الصورة تماماً. فحسب ان الإسرائيليين يشعرون ان توسعة دور الوكالة سيعني بالتالي رصد ادق لحقيقة ما يقومون به ضد الفلسطينيين فإنهم طرحوا ـ عن طريق وسطاء ـ صيغة اخرى مقنعة لاخراج الوكالة تماماً من سياق المواجهة، تلك هي ان من الأفضل، لمصلحة الولايات المتحدة على المدى البعيد، ابعاد وكالة المخابرات المركزية عن القيام بدور الوساطة السياسية بين الجانبين. جاء ذلك مباشرة بعد ان طرح جورج تينيت ورقته الشهيرة التي تنظم اجراءات وقف اطلاق النار. ففيما كان تينيت يعرض مقترحات وقف اطلاق النار في الشرق الأوسط كان يتعرض هو نفسه لاطلاق النار في واشنطن. ذلك ان سيلاً من الاعتراضات على «الدور الظاهر» للمخابرات المركزية، وعلى «الزج بالوكالة في مواقف سياسية حساسة»، وعلى مخاطر خروج الوكالة إلى العلن» قد تدفق فجأة في واشنطن سواء في مجلس الأمن القومي أو من «جوقة» مراكز الدراسات التي ينتسب أغلبها إلى معسكر أصدقاء إسرائيل في الولايات المتحدة. وهكذا تحول جورج تينيت إلى «فص ملح وذاب» في الشرق الأوسط. بل ان فكرة وضع مراقبين من وكالة المخابرات المركزية تطبيقاً لقرار قمة جنوة وان على نحو معدل تم وضعها على الرف بحجة ضرورة ابعاد الوكالة عن لعب دور بارز، والحفاظ على امن رجالها، فيما ان الهدف الحقيقي هو عدم وضع مراقبين من الاصل، وإلا لكان من الانسب تشكيل قوة المراقبة من عدد من الجهات منها وزارتي الدفاع والخارجية بالاضافة إلى وكالة المخابرات المركزية واسفر سيل الاعتراض على «تسييس» دور الوكالة عن تهميش فعلي لاحدى الأدوات التي كان بوسع الإدارة استخدامها للعب دور في الوساطة بين الجانبين وكان ذلك في حد ذاته تقدماً نحو اعادة الإدارة إلى مواقفها السابقة بعدم التدخل. عن طريق الوكالة ولا عن أي طريق آخر. الفارق ـ مرة أخرى ـ هو انه خلال عبور هذه الدائرة المغلقة في اتجاه العودة إلى نقطة البدء تم «تجربة» سلاح وكالة المخابرات المركزية، وانتهى الأمر بتجريد الإدارة منه أيضاً، فيما لم يكن هذا هو الحال في البداية. دور محير ويتبقى الدور المحير الذي تلعبه وزارة الخارجية. ذلك ان عقدة الوزارة الحقيقية لم تكن ـ بدورها ـ هي عدم «تفهم» الموقف على حقيقته، أو عدم الاقتناع بما يجب ان يحدث. ان مشكلة كولن باول تلخصت في أمر واحد، ذلك هو ان البيت الأبيض لم يمنح وزير الخارجية أي صلاحيات يمكنه بها ارغام إسرائيل على الاصغاء. لقد قيل مثلاً ان باول وافق فوراً على اقتراح وزراء الخارجية الأوروبيين ـ خلال التحضير لقمة جنوة ـ بنشر قوات دولية في الضفة والقطاع، وبادراج ذلك كتوصية في مقررات القمة. الا ان الرئيس بوش رفض بعد ذلك هذه التوصية. وحين قيل له ان باول وافق عليها قال بوش «ان باول ليس هو الرئيس». لقد اتاح البيت الأبيض لوزير الخارجية هامشاً بالغ الضيق للتحرك في الشرق الأوسط. ولعل تخبط وزير الخارجية خلال زيارته الأخيرة للمنطقة كان دليلاً واضحاً على ذلك. فحين صرح باول ـ عقب لقائه بعرفات ـ بانه يؤيد نشر قوات دولية اتصل ارييل شارون فوراً بالرئيس بوش. وقال بوش لشارون انه لم يخول لباول صلاحية الادلاء بمثل هذا التصريح وانه يرفض الفكرة. وحين وصل باول إلى مكتب شارون بعد ذلك بساعات «عاتبه» رئيس الوزراء الإسرائيلي على تصريحه حول القوات الدولية، وقال له ان «جورج بوش اخبرني تواً انه لا يوافق على ما قلت». ولم يجد باول ـ الذي تصبب عرقاً ـ من مخرج إلا بأن يقول ان تصريحه «يفترض» ضرورة موافقة الطرفين معاً على نشر هذه القوات. لقد طلبت الإدارة من باول ان يطير في الشرق الأوسط ولكنها قصت كل اجنحته، ولم يكن ممكناً ان يحلق وزير الخارجية ولو لمتر واحد فوق الأرض. رغم ذلك فإن وزارة الخارجية ـ شأنها شأن وكالة المخابرات المركزية ـ تحفل بالمحترفين ممن لا يربطون مواقفهم بالميول السياسية هنا أو هناك ان الدبلوماسيين القدامى في الوزارة يعرفون أيضاً حقيقة ما يحدث، وينقلون ذلك بدقة ـ كما هو ـ إلى الوزير. ويرى الوزير استناداً على اراء الدبلوماسيين المحترفين ان من الضروري «بدء العد الفوري لفترة الأيام السبعة التمهيدية وبغض النظر عن الموقف الإسرائيلي الداعي لوقف العنف تماماً وبصورة مطلقة خلال ذلك الاسبوع». بل ان الوزارة ابلغت الحكومة الإسرائيلية في نهاية يونيو الماضي انها قد بدأت بالفعل العد التنازلي للاسبوع اياه، وان يومين قد مرا منه. إلا ان هذا الاسبوع طال ـ بقدرة قادر ـ حتى الآن وذلك بقرار من البيت الأبيض الذي تدخل ليبلغ الخارجية انه ليس من حقها بدء العد التنازلي دون موافقة شارون، الذي لا يبدو على أي حال مستعداً للموافقة. فضلاً عن ذلك فإن باول يعد الآن «عنصراً محاصراً» داخل الإدارة. انه متهم بالبعد عن الأسس الايديولوجية للتيار اليميني المحافظ الذي ينتمي اليه نائب الرئيس ديك تشيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد. ولدى تشيني ـ في طاقم مستشارين، حفنة من أكثر الليكوديين تشدداً بقيادة جاك ليبي، ولدى رامسفيلد حفنة مشابهة بقيادة بول ووليفتز نائب الوزير، ودوجلاس فيث وكيل الوزارة للشئون السياسية الذي سبق اتهامه علناً بالعمالة للموساد ودوف زاكيم، وهم جميعاً من أصدقاء وشركاء وكيل الوزارة السابق ريتشارد بيرل، أحد أكثر الاسماء الامريكية تعصباً لتكتل الليكود ورؤيته السياسية. الأركان الأساسية في الإدارة لا تعامل كولن باول باعتباره شخصاً مرغوباً فيه. بل ان هناك خشية حقيقية من ان يضطر الرئيس بوش لاختيار باول كنائب للرئيس على بطاقته الانتخابية المقبلة وذلك في محاولة لكسب أصوات السود الأمريكيين والشرائح اليمينية من الديمقراطيين الذين يرون في باول صوتاً معتدلاً. وهكذا فإن وزير الخارجية محاط بحلقة قوية تتمنى له الفشل، بل ان هناك من يرغبون في حدوث «مشكلة ما» في أي منطقة في العالم تبرهن على «فشل» وزير الخارجية في التعامل مع العالم الخارجي ومن ثم تقلص من طموحاته المستقبلية، على الأقل على أرض الحزب الجمهوري. وهكذا تعرض باول لعملية «قص اجنحة» ليس فقط في الشرق الأوسط، ولكن بصفة عامة. ويرغب خصوم الجنرال في ارغامه على الاستقالة، وواقع الحال ان هناك في واشنطن من يقولون انه «داعب الفكرة» مرات عديدة خلال الشهور القليلة الماضية، وخاصة بعد ان لاحظ ان الدعم السابق الذي كان يتلقاه من مجلس الأمن القومي يتراجع بسرعة، وان حملة نائب الرئيس ووزير الدفاع التي تستهدفه وتسعى إلى افشاله تزداد حدة وضراوة. باول محاصر لقد سخف وزير الدفاع من مقترحات باول بشأن العراق وبشأن التفاهم مع الأوروبيين حول درع الدفاع الصاروخية، وسخف جورج بوش من مقترحاته بشأن نشر القوات الدولية، ثم سخف ديك تشيني من تصريحاته بشأن ادانة عمليات الاغتيالات الإسرائيلية ضد القياديين الفلسطينيين. ويبدو باول الآن ـ من الوجهة السياسية ـ محاصراً بعد هذه الجولة من «حرب العصابات» داخل الإدارة الأمريكية، وهي حرب تطال الشرق الأوسط، بل ان ساحته هي أهم مواقعها على الاطلاق. وهكذا لاحظ الجميع ان موقف باول ـ غير المبلور ـ في الأيام الأولى من توليه مهام مسئوليته، أي موقف مطالبة الطرفين ببلورة مبادراتها الذاتية دون تدخل أمريكي، قد تراجع بعد ذلك إلى تدخل سريع من وزير الخارجية لوقف تدهور الموقف في المنطقة. وبات من الضروري على انصار إسرائيل، خصوصاً «الكبار» منهم مثل شولتز وكيسنجر، اعادة الإدارة إلى «جادة الصواب»، أي إلى تقليص تدخلها. ولما كان من المستحيل طرح حجة كتلك التي استخدمت في حالة وكالة المخابرات المركزية أي حجة ابعادها عن لعب دور سياسي ـ في التعامل مع دور الشرق الأوسط بأي ثمن، وليس من اجل افشالها في ذاتها فحسب، ولكن من اجل اقناع، وزير الخارجية ـ والجميع ـ بالعودة إلى «حكمة» الكبار، أي إلى ابعاد الولايات المتحدة عن الأزمة، وترك الفلسطينيين لدبابات الجيش الإسرائيلي حتى «تقلم» من مطالبهم، وترغمهم على الموافقة على ما يمكن لإسرائيل ان توافق عليه. لقد كانت حرب عصابات حقيقية، وقد فاز فيها انصار إسرائيل في واشنطن بجولات حاسمة. ومالم تكتشف الإدارة ان هناك ثمناً سياسياً يتعين دفعه مقابل مواقفها المنحازة ـ بلا تحفظ ـ لإسرائيل فإنها لن تعدل هذه المواقف مهما كانت درجة «التفهم» التي تبديها كوندوليسا رايس لوجهة النظر الفلسطينية. واشنطن ـ عصام الدين عبدالعزيز: