تنظيمات المجتمع المدني أو مؤسسات العمل الأهلي في مصر تواجه أزمات وعقبات كثيرة تحول دون تفعيل دورها لخدمة المجتمع ورغم أن عدد الجمعيات الأهلية وصل الى مايقرب من 15 ألف جمعية ـ وبالتحديد 14700 جمعية ـ تعمل في مجالات مختلفة الا أن جهود هذه الجمعيات غير واضحة على الساحة بل أن معظم هذه الجمعيات تعيش حالة من الجمود. ويرجع ذلك الى العلاقة السيئة التي تربط الجمعيات بالحكومة حيث تعمل الحكومة على تحجيم دور الجمعيات في حين تسعى الجمعيات على القيام بمهام هي من صميم عمل ووظيفة الدولة. وتعد قضية التمويل الاجنبي العامل الأساسي في النظرة السلبية من جانب الحكومة لمنظمات العمل الأهلي حيث ترى الحكومة أن هذا التمويل يؤثر على ولاء وانتماء المنظمات ويجعلها أسيرة لأفكار وبرامج وأهداف الجهات المانحة وهذا من شأنه أن يؤدي الى زعزعة الاستقرار والأمن. ومن جانبها تعاني منظمات العمل الأهلي من تضييق الخناق عليها سواء من خلال سن قوانين جديدة أو ببعض الممارسات الناتجة عن غياب الديمقراطية والشفافية. ـ كيف نستطيع التغلب على هذه المشكلات؟ وكيف نصل الى علاقة صحية بين الحكومة وتنظيمات المجتمع المدني؟ تشير الدكتورة هالة مصطفى الباحثة بمركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية الى أن أهم مشكلة تواجه المجتمع المدني هي العلاقة بين الدولة وبين المجتمع المدني وعملية التطور الديمقراطي والتطور السياسي بشكل عام موضحة أن المجتمع المدني ونموه ارتبط بنظرة سلبية لدور الدولة ووضعت الطرفان موضع المواجهة وأعطت انطباعا بأن طبيعة العلاقات بينهما يغلب عليها الصراع وليس التعاون.. أو أن دور أي منهما لابد وأن يكون على حساب الآخر. وتضيف أن هذا الامر يصعب التسليم به لأن تطور المجتمع المدني في كثير من الدول المتقدمة صاحبة الخبرة التاريخية والسياسية في الغرب لم يكن تعويضا عن ضعف الدولة أو مجرد محصلة لتقلص دورها وانما تطور الاثنان بشكل متوازن يعكس قوة كل منهما وحتى في التاريخ العربي والاسلامي لم يكن ضعف الدولة وتدهورها في بعض العصور رهن بنشوء مجتمع مدني. وتؤكد أن تراجع المجتمع المدني يصعب ارجاعه الى عامل واحد يتمثل في الدولة وسلطتها مثيرة الى أن الأدبيات السياسية الحديثة ـ حتى أكثرها ليبرالية ـ تولى اهتماما خاصا لدور الدولة ووظائفها مع تسليمها بأهمية تنامي دور الأنشطة الفردية والأهلية والقطاع الخاص لأن الدولة لابد أن تقوم بدورها في التنظيم والتوزيع وسن التشريعات والقوانين والرقابة وضمان النظام العام والأمن القومي. وتوضح أنه بنفس هذا المنطق فإن عملية التطور الديمقراطي تكتسب أبعادا أشمل من مجرد الربط الآلي بينهما وبين المنظمات غير الحكومية التي مازالت تفتقد قاعدة اجتماعية تعبر عنها كما يشوب أداءها وممارساتها سلبيات كثيرة شأنها شأن القطاعات الأخرى سواء فيما يتعلق بسوء الادارة أو الصراعات الداخلية أو سوء استخدام التمويل فضلا عن خلط بعض هذه المنظمات بين العمل الأهلي والتطوعي والخيري وبين العمل السياسي. وترى أن هذه القضايا لا تواجه المجتمع المدني في مصر فقط وانما تواجهها دول ومجتمعات كثيرة خاصة تلك التي تمر بمراحل انتقالية في حياتها السياسة والاجتماعية مشيرة إلى أن المنظمات الأهلية توجه انتقادات للحكومة بأنها تسعى للسيطرة على منظمات المجتمع المدني وتشكو من الضوابط التي تضعها على مسألة التمويل وايجاد وسائل للمحاسبة والشفافية والرقابة المالية. أيضا بالنسبة للنشاط السياسي فإن منظمات المجتمع المدني في الأصل منظمات غير سياسية وان كانت الحكومة لا تمانع في أن تساهم في توعية المواطنين ونشر الثقافة الديمقراطية والنهوض بوضع المرأة لكن بعض التنظيمات تتجاوز ذلك الى ممارسة أنشطة سياسية محظورة عليها بحكم القانون. التمويل ويرى الدكتور عبدالمجيد فراج الأستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة أن التمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني كان وراء النظرة السلبية اليها من جانب الدولة خاصة وان الهيئات الدولية المانحة لم تعد في حاجة الى أن ترسل الى الحكومات الاعلانات التي كانت الحكومات تتولى بنفسها توزيعها على الجمعيات فقط أصبح في امكان الهيئات الدولية المانحة اختراق هذا الطريق الحكومي التقليدي وارسال المعونات الى الجمعيات الأهلية مباشرة. ويشير الى أن هذه القضية ارتبطت في الأذهان بمدى اخلاص وولاء الجمعيات الأهلية لبلدها وحكومتها وما اذا كان ولاؤها قد ارتبط بالدول والهيئات المانحة حتى لو كان ذلك على حساب المصلحة العامة موضحا أن الحكومة تتخوف من حدث تعارض بين الولاء للمانحين الأجانب وبين اتجاهات العمل الوطني الخالص. وهذا يقتضى من أصحاب العمل الأهلي ايجاد التوازن بين هذين النقيضين دون التضحية بطرف على حساب الآخر. ويضيف أنه رغم وجود اتحاد عام للجمعيات الأهلية وقوانين تحكم عملها الا أن هذه القوانين ـ وان كانت قادرة عادة على ضبط نشأة الجمعية الأهلية وهيكلها وتكوينها والتشكيلات المتصلة بها الا أن الواقع يشير الى عجز هذه القوانين عن ضبط ايقاع العمل في العديد من الجمعيات الاهلية التي وصل عددها في مصر الى مايقرب من 15 ألف جمعية منها ما هو خيري أو ديني أو سياسي ومنها ماهو علمي أو ثقافي ومنها جمعيات اقتصادية وتنموية ومنها ماهو متوسط الحجم أو صغير أو كبير الحجم وهذا التنوع يجعل أي اتحاد يضم هذه الجمعيات أو أي قانون يعجز عن ضبط ايقاع العمل فيها. ويؤكد أن التمويل الخارجي للجمعيات آثار الشكوك والتحفظات خاصة وانه تمويل طليق لا تحكمه سوى قواعد الهيئات المانحة فقط تتلقاه الجمعيات الاهلية أو تسعى للحصول عليه لأعمال وأنشطة بعينها بمجرد الاتصال بالهيئات الأجنبية وبشئ من التفاهم الذي يخشى أن يؤدي الى تطويع العمل الأهلي لرغبات هذه الهيئات المانحة وفلسفاتها وبرامجها وأهدافها وهذه قد يكون ظاهرها الرحمة وباطنها غير ذلك مشيرا الى أن الحكومة تتخوف من أن تخضع جمعياتها الأهلية وتنصاع للرغبات الأجنبية وهذا قد يؤدي الى تمكين الخارج بسطوته من السيطرة على اتجاهات الدولة الضعيفة والنامية في انشطتها الاصلاحية لمجتمعاتها. ويوضح أن الحكومة في مثل هذه الحالة تعتبر جمعياتها الاهلية التي قد ترغب في التعبير محليا عن بعض المفاهيم الدولية جمعيات موصومة تخضع لعوامل التحريض الخارجي من خلال التمويل الوافد والحرص على استمراره ممايضطر هذه الجمعيات الى أن توائم بين رغباتها ورغبات الهيئات المانحة وتوليف برامجها المحلية وانشطتها بمايتوافق مع أنشطة هذه الهيئات وبرامجها بل وأهدافها ومراميها. منظومة قيم ويرى المفكر الاقتصادي المعروف الدكتور حازم الببلاوي أن استمرارية أي مجتمع تتطلب التوازن بين السلطة والسياسة والمصالح الشخصية والمجتمع وهذا يتطلب منظومة قيم تقوم على مراعاة النخوة والتضامن والمصلحة المشتركة. بحيث تسيطر السياسة على كل أمور المجتمع مما يؤدي الى اختلاله وضياع مصالح الناس وانما يجب أن تكون السياسة قيدا على توحش المصالح والاقتصاد وان يكون الاقتصاد قيدا على السياسة وأن تكون الاخلاق قيدا على كليهما. ويشير الى أن المجتمع المدني يتحرك من أجل الدفاع عن قيم معينة مثل حماية الأسرة والحفاظ على البيئة والدفاع عن الحيوان فهو لا يهدف الوصول الى السلطة أو تحقيق الربح أو المصالح الاقتصادية موضحا أن المجتمع المدني في مصر في بداية القرن العشرين حقق انجازات كبيرة مثل انشاء الجامعة الأهلية في عام 1908 والمدارس والمستشفيات التي انشأتها الجمعية الخيرية الاسلامية وجمعية المساعي المشكورة وجمعية المقاصد الاسلامية وجمعية التوفيق القبطية. وكذلك كان للأوقاف دورها الكبير في دعم المجتمع المدني لكن مع اتجاه الدولة الى السيطرة على كل مقاليد الأمور ضعف المجتمع المدني وانهارت كثير من تنظيماته لأن الدول لم تعد هي الأمينة فقط على السياسة وانما على الاقتصاد والقيم والاخلاق ايضا وبالتالي لم يعد هناك مجال لمنظمات المجتمع المدني. ويطالب الدكتور الببلاوي بعودة الأوقاف لممارسة دورها الذي كانت تمارسه في الماضي لدعم منظمات العمل الاهلي من خلال أهل الخير الذين يوقفون أموالهم لخدمة غرض معين سواء في المجالات التعليمية أو الصحية أو الحفاظ على الآثار وغيرها وأن تتدخل الدولة لسن قوانين لتخصيص جزء من أموال الضرائب للعمل الأهلي أو أن تسمح لدافع الضرائب بأن يساهم في مجالات العمل الأهلي بجزء من الضريبة المقررة عليه وذلك أسوة بما هو معمول به في المجتمعات الغربية. ويرى أن النظم غير الديمقراطية تؤدي الى تخلف منظمات العمل الأهلي وضعف دورها لأنها تحجر على حرية الناس في توجيه أموالهم الى المشروعات التي يرغبون فيها مشيرا الى أن مشكلة منظمات المجتمع المدني انها استوردت مفاهيمها من الاطار الأوروبي رغم أن التطور التاريخي للمجتمع المدني في بلادنا يختلف عن التطور التاريخي في أوروبا فالمدن في أوروبا ساهمت في نشأة النظم السياسية بعد خروج المزارعين الأوروبيين على القطاع وتكوين مدن بمحض ارادتهم وبالتالي تمكنوا من ادارة أنفسهم أما عندنا فلم تخرج المدن من الزراعة فنحن على عكس أوروبا بدأنا بدولة مركزية كبيرة والمدن عندنا ظهرت خضوعا لرغبة الحاكم وليس تمردا عليه كما حدث في أوروبا. التجارب التاريخية ويشير اللواء عبدالحميد شرف الخبير الاستراتيجي الى ضرورة الاستفادة من التجارب التاريخية وكذلك التجارب الأوروبية في تطوير العمل الأهلي والارتقاء بمنظمات المجتمع المدني في مصر موضحا أن الشعوب الغربية بذلت جهودا كبيرة وقدمت تضحيات هائلة من أجل الوصول الى المجتمع المدني أما في مصر فقد كانت محاولاتنا للوصول الى المجتمع المدني كلها مبتسرة وغير كاملة سواء تلك التي بدأت على يد رفاعة الطهطاوي الذي لم يستطع الدعوة الى أمور كثيرة تخالف تقاليد المجتمع المصري في ذلك الوقت وكذلك كانت محاولات الشيخ محمد عبده وجمال الدين الأفغاني وثورة 1919 ويرى أن المجتمع المدني في مصر لم يكتمل بناؤه لأن الجهود لانشاء هذا المجتمع ليست على المستوى المطلوب حتى الآن مشيرا الى جهل القائمين على تنظيمات المجتمع المدني الآن بالمشاكل والعقبات التي واجهت المجتمع المدني غير المكتمل الذي كان موجودا في مصر قبل ثورة 23 يوليو 1952 ويخلص الى أن الخروج من أزمة المجتمع المدني في الوقت الحاضر يتطلب اعادة كتابة التاريخ المصري على أيدي مؤرخين متجردين ومنصفين وتوضيح دور المجتمع المدني عبر التاريخ وترتيب المعايير القيمية بحيث تكون هناك أوليات نعمل على تحقيقها والابتعاد عن العموميات والسياسات العليا والتعمق في التفاصيل حتى نستطيع التوصل الى حلول حقيقية، وفضلا عن ذلك كله لابد من تضحيات وجهود تبذل لاعادة المجتمع المدني والنهوض به الى المستوى المطلوب. القاهرة ـ ضياء الدين أحمد: