ظل تعبير «التمييز العنصري» مقترنا لعدة عقود بنظام الفصل العنصري (الابارتهايد) في جنوب أفريقيا. وظهر التعبير على السطح مع اشتداد نضال الزنوج في الولايات المتحدة الأمريكية لنيل حقوقهم في المساواة كمواطنين داخل المجتمع الأمريكي، وما أن نال جانب من الأمريكيين السود بعض حقوقهم السياسية والاجتماعية (وإن لم يكن ما نالوه مساويا لحجم التضحيات التي بذلها أسلافهم لتحقيق حلم المساواة الحقيقية) ومع انهيار نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا في عام 1994 حتى ظن الكثيرون أن تعبير التمييز العنصري بات من مخلفات الماضي، متجاهلين أن العنصرية لا تعني قهر الآخر بسبب اللون فحسب، وإنما تمتد لتشمل كافة صنوف قهر الآخر لأسباب لا دخل لإرادته فيها كالعرق أو الجنس أو الدين أو اللغة أو الطبقة الاجتماعية. ومع اندلاع الحروب في البلقان تكرر استخدام تعبير التطهير العرقي لوصف ممارسات الصرب ضد الأقلية ألبانية الأصل في يوغوسلافيا. ومع اقتراب انعقاد المؤتمر الدولي لمناهضة العنصرية في دوربان بجنوب أفريقيا خلال الفترة من 31 أغسطس الحالي وحتى السابع من سبتمبر المقبل، وما شهدته الأسابيع الفائتة من استماتة أمريكية للحيلولة دون إدراج قضيتي مساواة الصهيونية بالعنصرية والمطالبة الأفريقية بتعويضات عن العبودية على جدول أعمال المؤتمر تبرز أهمية بحث المظاهر المختلفة للعنصرية في عالمنا المعاصر، والكشف عن مدى تراجع هذه المظاهر أو استفحالها في ظل النظام العالمي الجديد والعولمة التي باتت تنشب أظفارها في جسد الشعوب. وتكفي نظرة سريعة على خارطة العالم لتوضيح أن داء العنصرية لم يفرق بين المجتمعات الفقيرة والمتقدمة ، بل ربما كان أكثر ضراوة في الثانية عنه في الأولى. طابع طبقي ومن الطبيعي أن ترتبط الممارسات العنصرية في المجتمعات الفقيرة بالطابع الطبقي، حيث تبرز التمايزات ضد النساء الفقيرات وتشغيلهن بالسخرة أو لقاء أجور زهيدة وإجبارهن على ممارسة الدعارة، فضلا عن تعرضهن للعنف المنزلي. كما يكثر في هذه المجتمعات أيضا إجبار الأطفال على النزول إلى سوق العمل للمساعدة في إعالة الأسرة وحرمانهم من حقهم الطبيعي في التعليم وممارسة طفولتهم، بينما لايكون الامر بنفس الصورة بالنسبة لنساء وأطفال القلة الغنية من الأسر داخل هذه المجتمعات. والمعروف، أن النساء الفقيرات والمهمشات اجتماعيا يتعرضن أكثر من غيرهن للتعذيب وسوء المعاملة. وتشير تقارير منظمة العفو الدولية إلى أن السياسات والممارسات الاجتماعية العنصرية في البلدان المتخلفة تضاعف من وطأة التمييز الذي تتعرض له المرأة. كما تفاقم الاعراف الاجتماعية والثقافية التي تحرم المرأة من المساواة في الحقوق مع الرجل من فرص تعرض المرأة للإساءة الجسدية والجنسية والنفسية. ووفقا لتقرير أصدرته وزارة الخارجية في الولايات المتحدة العام الماضي؛ يجري تهريب مابين 45 الفا و50 الف امرأة وطفل إلى الولايات المتحدة سنويا. وتشير منظمة العفو الدولية إلى ان هؤلاء النسوة يجري توريطهن وإكراههن وإخضاعهن لأشكال مختلفة من الاستغلال تتضمن العمل القسري في المنازل أو الاستغلال الجنسي. ولا شك أن الظروف الاقتصادية الصعبة أو الاضطرابات السياسية والقلاقل الناجمة عن الحروب بما لها من آثار مدمرة على حياة المجتمعات ، إلا أن المرأة عادة ما ينالها أكبر قدر من الأذى الناجم عن هذه الاضطرابات. ولعل الكثيرون يعرفون مالحق بالعديد من نساء الاتحاد السوفييتي السابق بعد انهياره وهروب الكثيرات منهن طلبا للأمان في مختلف دول العالم، فإذا بالعديد منهن يقعن في براثن عصابات الرقيق الأبيض،ورغم أن تقارير منظمات حقوق الإنسان تحفل بالكثير من قصص الفتيات والسيدات، اللاتي دفعتهن الظروف السياسية في بلدانهن وهروبهن بحثا عن الأمان إلى السقوط في أيدي شبكات الاتجار بالبشر؛ ولنورد هنا مثالا واحدا من تقرير لمنظمة العفو عن «فالنتينا» وهي طبيبة نفسية وأخصائية اجتماعية أوكرانية في السابعة والعشرين من عمرها وصلت إلى إسرائيل في أغسطس عام 1998 بعد أن تعاقدت مع إحدى الشركات الوهمية على الذهاب إلى هناك ممثلة للشركة، وبعد وصولها أخذت منها نقودها وجواز سفرها وتذكرة العودة، ثم نقلت إلى إحدى الشقق، حيث احتجزت لمدة شهرين وأجبرت على العمل كعاهرة. وما أن تمكنت من الفرار في مارس 1999 حتى ألقي القبض عليها لأنها لم تكن تملك أوراقا رسمية تدل على هويتها أو تأشيرة دخول. النزاعات المسلحة وفي حالات الحروب والنزاعات المسلحة، يمثل العنف ـ الجنسي بالذات ـ ضد المرأة سلاحا من أسلحة الحرب يرمي إلى نشر الرعب وزعزعة المجتمع وكسر مقاومته، وانتزاع المعلومات بتهديد الشخص المطلوب الحصول منه على المعلومات بالاعتداء على قريباته، فضلا بالطبع عن كونه وسيلة من وسائل مكافأة الجنود المعتدين. ولا يمكن أن ننسى في هذا السياق القصص المؤلمة التي حفلت بها حملات التطهير العرقي. وتشير كافة المؤشرات إلى أن ما نشر في وسائل الإعلام أو تضمنته تقارير منظمات حقوق الإنسان أو الصليب الأحمر، لا يعدو كونه قطرة في بحر بالنسبة للتجارب المؤلمة التي تشهدها النساء في الواقع، نظرا لأن كثيرا من الضحايا يمتنعن عن التفوه لحد بما تعرضن له خشية أن يلاحقهن العار بعد ذلك أو يواجهن بالرفض من أزواجهن وأسرهن. والمعروف أن الاتجار بالبشر يمثل ثالث أكبر مصدر للربح في عالم الجريمة المنظمة على الصعيد الدولي بعد تجارتي المخدرات والسلاح. وتشير تقارير الامم المتحدة إلى أن عدد من يتم تهريبهم كل عام للاتجار بهم يبلغ أربعة ملايين شخص. ولم تلتفت معظم الحكومات في العالم إلى هذا الأمر إلا مؤخرا ولدواع تتعلق بالقانون والنظام وليس بحقوق الإنسان. غير أن منظمات حقوق الإنسان، خاصة ذات الانتماءات الغربية غالبا ما تركز عند معالجتها لقضايا التمييز ضد المرأة على قضايا تتعلق بالتقاليد الكابحة لحريات المرأة وأنماط العنف المنزلي خاصة تلك التي تتسم بها بعض المجتمعات الشرقية. ورغم أهمية معالجة مثل هذه الأمراض الاجتماعية وصولا إلى تحقيق مستوى الحياة الكريمة اللائق بالمرأة والذي تتمتع فيه بكامل الحقوق والواجبات التي يتمتع بها الرجل في المجتمع المعاصر، إلا أن صور التمييز الأخرى ضد المرأة لا تلقى نفس القدر من الاهتمام خاصة إذا كانت هذه الصور تتعلق بضحايا الحروب التي شنها الغرب أو التمييز ضد النساء الذي تمارسه شركات غربية ضد العاملات لدى فروع هذه الشركات في المجتمعات النامية اللاتي يحرمن من حقوقهن في الحصول على أجر عادل أوساعات عمل مناسبة أو بدلات عن ساعات العمل الإضافية؛ الأمر الذي يعاني منه أيضا الأطفال الفقراء الذين يضطرون للعمل لدى هذه الشركات؛ من شركات الموز العاملة في أمريكا اللاتينية إلى شركات الشاي العاملة في مختلف مناطق آسيا، مرورا بشركات الكمبيوتر التي باتت تقبل على استخدام الأيدي العاملة الرخيصة من نساء وأطفال آسيا للقيام بعمليات الإنتاج اليدوية دون أن تكلف نفسها عناء توفير ظروف عمل مناسبة لهم معتمدة على عدم وجود منظمات نقابية قوية أو قوانين عمل تحمي ظهورهم. ملف لم يغلق ولما كانت الولايات المتحدة ومن لف لفها من الدول الكبرى لم تمارس حتى الآن فضيلة الاعتراف بحقوق الآخرين، خاصة أولئك الذين يفتقرون إلى قوة حقيقية تحمي حقوقهم، فلم يكن من المستغرب أن تعارض هذه القوى طرح قضية أحقية الدول الأفريقية في الحصول على التعويضات مقابل ما تعرض له مواطنو هذه الدول من استرقاق لمدة قرنين من الزمان ، استغلت فيه الدول الغربية سواعد هؤلاء الأفارقة في بناء نهضتها وتراكم ثرواتها دون أدنى اعتبار لآدمية هؤلاء الأرقاء، وحقوق ذويهم في أوطانهم؛ تلك الأوطان التي حرمت في نفس الوقت من ثمار عمل هذه السواعد. فرغم أن الرئيس الأسبق رونالد ريجان أصدر في 1988 اعتذارا رسميا للأمريكيين من أصل ياباني بسبب اعتقالهم في معسكرات القوات الأمريكية خلال الحرب العالمية الثانية. ودفعت الحكومة تعويضا قدره 20 الف دولار للفرد من هؤلاء الأمريكيين اليابانيين. وبعد الحرب العالمية الثانية لم تكتف ألمانيا بالاعتذار فحسب عن الهولوكست لكنها دفعت اكثر من 60 مليار دولار تعويضات. إلا أن الولايات المتحدة ومعها الاتحاد الأوروبي وكندا يرفضون تعويض دول أفريقيا عما لاقاه أبناؤها من ذل واستعباد ووحشية جنت المجتمعات الغربية ثمنا لها من ثروة وتقدما هائلين. غير أن ملف الرق لم يغلق بعد في العالم، ولم يعد، مثلما يظن البعض من مخلفات زمن ماض: فملايين الأشخاص في مختلف أنحاء العالم يعيشون حاليا في حالة استرقاق لضمان سداد ديونهم؛ وتشير تقارير ترد بين وقت وآخر إلى أن العديد منهم يعمل بلا أجر لسداد ديون لمالكي عقار أو أصحاب عمل. وتقع عائلات بأكملها في أغلال الاسترقاق نتيجة حاجتها للحصول على قرض بسبب المرض أو ضعف المحصول، أو لتغطية التزامات عائلية مكلفة. وتجبر العائلات المسترقة على العيش في مكان العمل بينما لايحصل على أجر لقاء عمله سوى رب العائلة وحده وهو أجر لايغطي النفقات المعيشية للعائلة الأمر الذي يراكم فوقها المزيد من الديون، وهكذا تستمر الحلقة المفرغة. وبالطبع فلا يعرف معظم هؤلاء المسترقين القراءة والكتابة أو الحساب؛ ومن ثم،فلا يمكنهم إثبات أنهم قد سددوا ديونهم أضعافا مضاعفة في بعض الأحيان بعملهم وعمل زوجاتهم وأطفالهم. وفي بعض المجتمعات يباع العمال المسترقون ويشترون؛ وربما يباع قسم من العائلة إلى مشتر آخر غير صاحب الدين دونما اعتبار لأثر ذلك على الروابط العائلية. راعية الحريات غير أن الممارسات العنصرية لاتقتصر كما قلنا على المجتمعات الفقيرة، والمتخلفة أو فلنسمها النامية تأدبا. فالمجتمعات المتقدمة تشهد يوميا أنواعا من هذه الممارسات الموجهة ضد مختلفين في الجنس أو العرق أو الدين، إلا أن القاسم المشترك بين هذه الممارسات في المجتمعات الغربية، هو أن هذه الممارسات توجه بالطبع إلى الفقراء من المهاجرين أو الملونين أو المهمشين طبقيا بوجه عام. فإذا وجهنا النظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها «راعية الحريات في العالم» مثلما يحلو لها ولدراويشها في العالم تسميتها، لوجدنا أنه يتعين النظر إلى الممارسات العنصرية في المجتمع الأمريكي من منظور العلاقة بين البيض والسود في المجتمع الأمريكي ومن حيث تداعيات امتيازات البيض والامتيازات الطبقية في الإطار الرأسمالي. كما يتعين النظر إليها من منظور ثقافة العنف التي استفحلت مع الممارسات العنصرية وغيرها من أساليب القهر داخل المجتمع الأمريكي ضد غير البيض من المواطنين الأصليين وذوي الأصول المكسيكية أو الأفريقية. ففي مقال بعنوان «الامتيازات العالمية لبياض البشرة» يؤكد كندال كلارك وهو من أبرز النشطاء الأمريكيين المناهضين للعنصرية أن العنصرية البيضاء لم تختف تماما من أمريكا وإنما اتخذت أشكالا مختلفة عنها في الماضي. ففي دراسة أصدرها مركز أبحاث التغير في النظام الصحي الامريكي مؤخرا ونشرت على الانترنت تبين أن الأطباء الأمريكيين من السود أو ذوي الأصول اللاتينية يلاقون صعوبات شديدة في عملهم بعكس ما يلقاه الأطباء البيض من تيسيرات: حيث يعاني واحد من كل ثلاثة من الأطباء الملونين من صعوبات في إدخال مرضاهم المستشفيات بينما تقل نسبة الصعوبات المماثلة التي يعانيها البيض إلى واحد من كل أربعة أطباء. كما ذكر 12 في المئة من الأطباء السود و15 في المئة من الأطباء ذوي الأصول اللاتينية أنهم يواجهون صعوبات عند إحالة مرضاهم إلى متخصصين. وتشير الدراسة إلى أن هذه الصعوبات التي يواجهها الأطباء من غير البيض دليل على ضعف مستوى الرعاية الصحية التي تلقاها الأقلية الملونة في الولايات المتحدة، حيث من الأرجح أن تكون النسبة الغالبة من مرضى هؤلاء الأطباء من نفس أصولهم العرقية. وفي منتصف العام الماضي، طيرت وكالات الأنباء خبرا عن قيام الحراس الشخصيين السود للرئيس الأمريكي برفع دعوى أمام القضاء الفيدرالي لوضع حد للمارسات العنصرية التي يتعرضون لها خلال عملهم؛ مثل عرقلة ترقياتهم ، وعدم مساواتهم في الرواتب بزملائهم من البيض. ويشير الخبر إلى أن «الجهاز السري» المكلف بحماية الرئيس ونائبه هو ثالث قوة شرطة فيدرالية ترفع عليها دعاوى التمييز العنصري، بعد مكتب التحقيقات الفيدرالي (اف بي أي) ومكتب المشروبات الروحية والتبغ والأسلحة النارية. ويشير تقرير عرض العام الماضي في احتفال اقامته بالبيت الأبيض هيلاري كلنتون قرينة الرئيس الأمريكي السابق للدعوة لوقف العنف ضد المرأة إلى عدة أرقام إحصائية ذات دلالة في المجتمع الأمريكي:حيث أوضح التقرير ان مليون امرأة يتعرضن للملاحقة خلسة سنويا، وتتعرض امرأة لضرب كل 15 ثانية في الولايات المتحدة بينما يقتل ثلث ضحايا عمليات القتل من النساء على يد الشريك المنزلي. وما أوردناه بالطبع ليس إلا أمثلة مصغرة ومختصرة للتدليل عما يرتكب في المجتمع الأمريكي ـ المتشدق بالحريات وحقوق الإنسان ـ من سلوكيات عنصرية، ناهيك بالطبع عن عصابات تجارة البغاء والمخدرات وعمالة الأطفال بين مجتمعات السود والملونين الأكثر فقرا بين ظهراني مجتمع العم سام. كراهية العرب لا أموالهم ولا يمكن أن نغفل أيضا مظاهر التمييز العنصري التي توجه في عدد من البلدان الأوروبية إلى الأجانب ، وبوجه خاص المهاجرين من بلدان العالم الثالث؛ ولعل أبرز الأمثلة في هذا السياق ممارسات قوى اليمين المتطرف في عدد من البلدان الأوروبية مثل جماعات النازيين الجدد في ألمانيا واضطهادها للأجانب والملونين بصفة خاصة. وفي فرنسا تعلو أصوات اليمينيين المنادين بطرد الأجانب واغلاق الأبواب في وجه المهاجرين وأبرزهم جون ماري لوبان زعيم «الجبهة الوطنية من أجل الوحدة الفرنسية» وفبرينو ميجري الذي انفصل عن لوبان ليؤسس حزب «الجبهة الوطنية ـ الحركة الوطنية» وهما يتباريان في مساعيهما لتهييج الرأي العام الفرنسي ضد ما يسميانه ظاهرة الحضور الإسلامي العربي في فرنسا، ويحذر ميجري من ازدياد عدد المهاجرين من أصل غير أوروبي باعتباره يهدد ببلقنة «الجنوب الفرنسي» زاعما أن «المهاجرين من ذوي الأصول غير الأوروبية، بمجرد أن يصبحوا أغلبية، سيطالبون بداية بالحكم الذاتي، ثم يسعون بعد ذلك إلى انفصال الجنوب الفرنسي والمطالبة باستقلاله». بيد أن كراهية الاجانب في أوروبا تنصب بالتأكيد على أولئك المهاجرين القادمين بحثا عن عمل يوفر فرصة عيش كريمة، ولا تنسحب هذه الكراهية بالطبع على الاستثمارات العربية والأموال العربية التي تضخ الدم في اقتصاداتهم وتدر عليهم المزيد من الثروة. وإذا كنا قد خلصنا إلى أن التمييز العنصري بمختلف أشكاله لا يعاني من وطأته سوى الفقراء والمهمشين من مختلف الملل والنحل، نستطيع إذن أن نتفهم هذا الفزع الذي ينتاب أولئك المهمشون من غول العولمة القادم باعتباره مفترسهم لامحالة، ولم لا وعلماء الاقتصاد في دول الشمال التي تدفع حثيثا عجلة العولمة وتتطلع لجني ثمارها ، هم أول من بشروا بأن ثمار النظام الاقتصادي العالمي الجديد لن يجنيها سوى 20 في المئة من سكان العالم (وهم بالطبع سكان الشمال الذين يحتكرون التقدم) بينما سيقبع 80 في المئة من السكان تحت خط الفقر. الحلقة المفرغة ولعل المظاهرات العارمة التي شهدتها مدينتا سياتل ثم جنوة مؤخرا ليست سوى محاولات مستميتة للعرقلة يبذلها أولئك الذين يدركون خطورة ماتمثله تلك العولمة التي يروجون لها. فهي تهدد بتسليم ثروات العالم (الثالث بالتأكيد) إلى طغمة من الماليين الكبار الممثلين للشركات العابرة للجنسيات مع صعود الرأسمالية إلى أعلى مراحلهاعلى نحو يهدد بأن تصبح العولمة بحق أحدث تجليات التمييز العنصري. والملاحظ أن السنوات الأخيرة من القرن المنصرم شهدت تناقصا تدريجيا في اعتماد الشركات على الدول الوطنية، وتزايد سطوة الاحتكارات العالمية والشركات متعددة الجنسيات، وبات مفهوم سيادة الدول على شئونها الداخلية في خبر كان بعدما صار من السهل على القوة العسكرية الأمريكية التدخل وقتما شاءت ـ متخذة ماشاء لها من حجج وذرائع ـ لتهيئة الأوضاع على نحو يناسب استثمارات شركات النفط الكبرى في القرن الأفريقي والشرق الاوسط والبلقان. واستفحلت قوة المؤسسات الاقتصادية العالمية مثل صندوق النقد والبنك الدوليين ومنظمة التجارة العالمية على نحو بات يتحكم في تسيير السياسات الداخلية للدول. وتحت مسميات تصحيح المسار الاقتصادي تفرض هذه المؤسسات الدولية ما شاء لها من توجهات تناسب أصحاب المال المانحين للقروض، دون مراعاة لأي اعتبارات اجتماعية أو لمصالح شعوب هذه الدول التي باتت مستهدفة من غول التمييز العنصري المسمى بالعولمة؛ ذلك التمييز العنصري الذي يرمي إلى الإبقاء على دول العالم الثالث ضمن موقعها المرسوم لها بعناية : مجرد مصدر للموارد الطبيعية والعمالة الرخيصة وسوق لتصريف منتجات الأغنياء؛ لتظل دائما تدور في حلقة مفرغة المتمثلة في تخلف يؤدي إلى تبعيتها لقوى العالم المتقدم، تلك التبعية التي تكرس بدورها من واقع التخلف، وهكذا. وهي حلقة لن يكسرها إلا وثبة جادة من بلدان الجنوب تدفعها للمسارعة في ضم صفوفها ضمن تكتلات اقتصادية كبيرة تحقق لها السيادة على مواردها وتضمن لها موقعا تفاوضيا أفضل ضمن غابة العولمة لتحميها من براثن غول التمييز العنصري القادم. بقلم: إكرام يوسف