يخدع نفسه من يظن ـ ولو لوهلة أن ما حققته البشرية من تقدم علمي وتكنولوجي هائل كفيل بأن يطهر بدنها من أدران التخلف والهمجية، فما زالت النزعات العنصرية تطل برأسها في مختلف أرجاء المعمورة، لتكشف بجلاء عن استمرار بقاء أقبح الموروثات البدائية، في صور متعددة ومتجددة (من تمييز ضد الملونين إلى قهر للنساء والأطفال وكراهية الأجانب) حتى في أكثر البلدان ادعاء للتحضر والمدنية. بل اننا ربما لانكون مغالين عندما نؤكد أن صور التمييز العنصري البغيضة لم تكن على هذا النحو من البشاعة في العصور السحيقة، وإنما اشتدت حدتها مع تطور المجتمعات، وضراوة الصراع على الموارد الاقتصادية بالتحديد: ففي المجتمعات البدائية لم يكن هناك مثلا تمييز ضد المرأة التي كانت في كثير من الأحيان قوام الأسرة وعمادها، ومن ثم تحظى بأكبر قدر من التوقير والاحترام، كما لم يكن هناك تمييز عرقي ولا كراهية للأجانب بالمعنى الحاصل اليوم بسبب بدائية التكوينات المجتمعية المتجانسة عرقيا. ورغم أن ظاهرة العبيد سبقت تاريخيا ظهور المجتمعات الحديثة إلا أن الاستعباد لم يكن قاصرا على جنس بعينه، بل كان نتيجة للحروب بين القبائل التي كان المنتصر فيها يسترق الأسرى والسبايا من القبائل المنهزمة بصرف النظر عن انتمائها العرقي أو اللوني. غير أن تعقد المجتمعات ونشأة الدول الحديثة صاحبه العديد من المثالب التي كان من بينها ظهور ممارسات التمييز العنصري في المجتمعات الإقطاعية التي استفحلت مع ظهور الثورة الصناعية ونشوء المجتمعات الرأسمالية بما صاحبه من تمييز ضد المرأة في العمل والحياة الاجتماعية، وجلب العبيد من القارة الأفريقية ليساهموا بالسخرة في بناء مجد المجتمعات الغربية وتراكم ثرواتها. ومع تعقد العلاقات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية استفحلت العديد من الظواهر العنصرية من اتجار في البشر وقهر للنساء وإجبار النساء والأطفال على ممارسة البغاء، كما ظهرت أشكال جديدة من التمييز العنصري أبرزها ظاهرة كراهية الأجانب في بلدان أوروبا أو ما يسمى بالنازية الجديدة ضد المهاجرين إلى أوروبا من بلدان أقل نموا، وصولا إلى ظاهرة العولمة التي تنذر إرهاصاتها بأنها ستصبح أحدث تجليات التمييز العنصري في العالم. بقلم: إكرام يوسف