عندما نشبت الحرب الباردة بين الشرق والغرب بزعامة كل من موسكو وواشنطن، كانت المخابرات المركزية الأمريكية وليدا يشب في عقد الخمسينيات عن الطوق ويحاول أن يخترق الستار الحديدي الذي فرضه الاتحاد السوفييتي ـ الغريم اللدود ـ على حدوده، بل وعلى حدود الأقطار الاشتراكية التي كانت تدور في فلكه وكان بالأحرى ستارا من الأمن والسرية يحمي روسيا وحلفاءها من محاولات التجسس بواسطة استخبارات أمريكا وحلفائها أيضا من غرب أوروبا. يحكي مؤلف كتابنا ـ جيمس بامفورد ـ كيف أن المخابرات الأمريكية شكت في تقريرها من أن التجسس بواسطة العملاء من البشر، يعني عن طريق الجواسيس والجاسوسات، كان من الصعوبة بمكان بالنسبة لأقطار الكتلة الشيوعية، التي كانت أجهزتها الأمنية ووكالات مكافحة الجاسوسية بين ظهرانيها من أنشط بل ومن أكفأ ما يكون. المشروع «هوميرون» هنالك لجأ الأمريكان إلى «مستودع الأسرار» إلى وكالة المعلومات الأمريكية التي يدور حولها سطور هذا الكتاب. لم تجند الوكالة المذكورة عملاء يتدربون ويتسربون إلى داخل صفوف العدو السوفييتي، لقد حشدت وكالة المعلومات الأمريكية عملاء من نوع جديد تماما، ثم أطلقتهم إلى اجواء الفضاء، ينتشرون، ويتجسسون. كان عملاؤها عبارة عن أحدث طائرات تجسس من ارتفاعات شاهقة ومن مواقع لم يكن لتخطر على البال. وكانت الأحداث بالنسبة لفترة منتصف الخمسينيات من القرن العشرين حملت العملية اسما مازال مسجلا في دفاتر الجاسوسية الأمريكية وهو: «المشروع هوميرون» الذي يرجع تاريخه إلى عام 1956 وقد نما واتسعت أنشطته مع ربيع العام المذكور. وكان هدفه تحديدا هو اختراق الكتلة البرية من شمال روسيا المتاخمة للقارة المتجمدة عند القطب الشمالي ومساحتها 3500 ميل من الأراضي الجرداء القاحلة المغطاة بالثلوج البيضاء أحيانا وبالأشجار النفطية أو الصنوبرية الصامدة ضد البرودة أحيانا أخرى. ومن خلال هذا الاختراق بواسطة طائرات التجسس الأمريكية أراد الغرب أن يتابع أنشطة تطوير الصواريخ والقاذفات السوفييتية ومدى قدرتها على الوصول إلى أراضي الولايات المتحدة الأمريكية لدى نشوب أي مواجهة عسكرية كانوا يتحسبون لها بين المعسكرين. من ناحية أخرى يضيف المؤلف (ص 35) كانت تلك المنطقة القطبية الشمالية هي أضيق، ومن ثم أنسب، نقطة لأي غزو تشنه أمريكا ـ وقت الحاجة ـ على الأراضي الروسية. وعلى الرغم من الأخطار المحدقة التي كانت تهدد وقتها باشعال الحرب العالمية الثالثة في حالة كشف عمليات التجسس فقد صدق الرئيس ايزنهاور على العملية التي كلفوا بها طائرات تجسس بلغت سرعتها 500 ميل في الساعة وتستطيع أن تحلق على ارتفاعات غير مسبوقة في تلك الحقبة بلغت بدورها 41 ألف قدم على متن كل طائرة كان يركب ثلاثة «غربان» ـ وهذا هو المصطلح الكودي الذي استخدموه دلالة على الضباط الأمريكيين من خبراء التجسس والتصوير الجوي ـ وكانوا يعمدون إلى إحاطة كل «غراب» بظروف من أقسى ما يكون من حيث ارتفاع صوت الطائرة وضيق الحيز المتاح للجلوس وسخونة الهواء المحيط وكلها ظروف هيأوها لاحاطتهم بأجواء الحرب الفعلية. في هذا السياق يقول مؤلف الكتاب: في ربيع عام 1956، أجرت أمريكا ـ وكالة المعلومات أو بيت الغوامض والأسرار ـ أخطر عملية تجسس في تاريخها. وقد وافق الرئيس ايزنهاور على العملية التي رسموها على هيئة غزو للمجال الجوي الروسي بواسطة القاذفات الأمريكية التي كانت تحمل على متنها كاميرات ومعدات الاستطلاع الجوي بدلا من أن تحمل أسلحة نووية. ومن عجيب ـ يضيف مؤلفنا ـ أن العملية مازالت محاطة حتى الآن بغلالات من السرية والكتمان والحاصل أن أمريكا نفذت 156 عملية استطلاع وتصوير جوي خلال الأيام الستين التي استغرقها تنفيذ العملية هو ميرون من دون أن تخسر طائرة واحدة أو تتسبب في مواجهة نووية وعندما أصبحت روسيا على بينة من هذا الذي يجري في مجالها الجوي عند الشمال القطبي، اكتفى الكرملين بالاحتجاج الدبلوماسي فلم يكن بوسع الروس في رأي المؤلف أن يفعلوا شيئا إلا الشعور بمهانة ما تعرضوا له من اختراق خاصة وقد كان رائدهم الأساسي هو الإنكباب على تطوير أسلحتهم الحديثة التقليدية والنووية على السواء. الاختبار الرئيسي الأول ففي عام 1956 فوجئ العالم بأزمة اشتعلت مع صيفه الساخن.. وفي منطقة أكثر سخونه هي الشرق الأوسط، يقول مؤلف الكتاب: في 26 يوليو 1956 القى الرئيس المصري جمال عبد الناصر خطابا ملتهب الحماس وأعلن فيه تأميم قناة السويس وكان من شأن ذلك اندلاع حرب محدودة في الشرق الأوسط تورطت فيها بريطانيا وفرنسا وإسرائيل وتعرضت علاقاتها مع أمريكا إلى قدر من الفتور. من ناحية أخرى ـ يضيف المؤلف ـ يقول تقرير فائق السرية صادر عن وكالة المعلومات الأمريكية وهي ـ كما نعرف بطل هذا الكتاب : كانت أزمة السويس هي أول اختبار رئيسي اجتازته وكالة المعلومات ـ أو هي وكالة الأمن القومي الأمريكية خلال فترة قصيرة من تلك الأزمة التي جاءت أشبه بالحرائق التي تندلع في الغابات (بمعنى أنها قابلة للإنتشار السريع). وفي هذا السياق أيضا نفسح المجال كاملا لمؤلفنا الكاتب الصحافي الأمريكي جيمس بامفورد ليحدثنا عن ملابسات وانعكاسات أزمة السويس (الصفحات 39 ـ 42 من الكتاب) يقول المؤلف: اندلعت أزمة الاستيلاء على قناة السويس في غمار لعبة بوكر مريرة خاضتها روسيا وأمريكا خلال الحرب الباردة حيث كانت كل منها تزايد على الأخرى حول حق مساعدة مصر في تمويل السد العالي بكلفة باهظة. كان عبد الناصر زعيما للعالم العربي وكان يسيطر على بقعة استراتيجية من العقار الثمين (منطقة القناة) وكانت صداقته جائزة ثمينة بدورها. عبد الناصر عمد إلى أن يلعب مع كل من الطرفين ضد الطرف الآخر. والذي حدث أن أمريكا جمعت أوراقها من فوق مائدة اللعب وخلا الجو يومها لروسيا. ويومها أعلن عبد الناصر الاحكام العرفية على طول خط القناة وأصدر أوامره إلى شركات النقل البحري بأن تدفع لمصر رسوم العبور في مياهها بدلا من دفعها لشركة قناة السويس (الفرنسية ـ البريطانية). يواصل مؤلفنا حديثه قائلا: وعلى الرغم من أن عبد الناصر لم تبد منه أي رغبة في اغلاق قناة السويس أو تقييد المرور بها، إلا أن الحكومتين في لندن وباريس خشيتا من أن يعاق مرورهما في القناة التي كانت أشبه بقناة البلازما حين تتيح مرور شحنات النفط الحيوية من السعودية إلى مستودعات التخزين في انجلترا وفرنسا. وما أسرع ما انضمت الدولتان في جهد مشترك يرمي إلى اعادة الاستيلاء على القناة بالقوة. وبدلا من الظهور بمظهر المعتدي فقد جاءت فرنسا بإسرائيل، وانطوت المؤامرة على أن تشن إسرائيل حربا على مصر، وما أن تهب مصر للدفاع عن نفسها حتى تتدخل انجلترا وفرنسا في دور (حفظة السلام) وفي إطار هذا (السلام) يعاد الإستيلاء على القناة فتؤخذ من مصر لتبقى تحت سيطرة فرنسا وانجلترا أما إسرائيل فتستولى على شبة جزيرة سيناء ومازلنا نحيل إلى مؤلفنا الذي يصف هذه الخطة الثلاثية في عبارات ص 40. يقول المؤلف: كانت خطة خبيثة تنضح بالعودة إلى أيام الاستعمار ومع ذلك فقد أقرها بن جوريون رئيس وزراء إسرائيل وشيمون بيريز وزير دفاعها وموشيه دايان رئيس أركانها إلى جانب انطوني ايد رئيس وزراء بريطانيا وبالنسبة لكل المشاركين في هذه المؤامرة كان مطلوبا ابقاؤها بعيدا عن علم واشنطن فيما كان مطلوبا في الوقت نفسه أن يكسبوا تأييدها. هنا بدأت مراصد بطلة كتابنا ـ وكالة الأمن القومي ـ وكالة المعلومات الأمريكية تتابع تحركات وتفسر نوايا متعلقة بالشرق الأوسط وذلك في غمار رصدها لما يجري في كل من أسبانيا وسوريا والغريب أن الوكالة تعرضت بدورها إلى عملية خداع.. وكان المتآمر عليها هو شريكتها المخابرات البريطانية وبالذات فرعها العامل في جزيرة قبرص ويومها حجبوا المعلومات عن خطة غزو مصر (العدوان الثلاثي) عن شريكهم الأمريكي الذي لم يكن لديه معلومات كافية لكي تصلح لتقديمها في تقرير وافٍ إلى البيت الرئاسي الأبيض. وزاد من وطأة الخداع أن وكالة الأمن الأمريكية كانت تركز معظم جهودها على أوروبا الشرقية وروسيا. أكثر من هذا ـ تضيف عبارات مؤلف الكتاب: كانت الوكالة الأمريكية تفتقر إلى العناصر المتخصصة في الشرق الأوسط. لم يكن لديها سوى نفر قليل من خبراء اللغتين العربية والعبرية. ولا كانت مجهزة للتجسس على مايدور في شرايين الإتصالات العسكرية في بريطانيا أو فرنسا أو إسرائيل. وكل ما عرفته وقتها أن الإتصالات بين باريس وتل أبيب أصبحت كثيفة للغاية وكذلك الحال بين انجلترا وفرنسا. وازداد عجز الوكالة من واقع الإنتقال من العاصمة واشنطن إلى فورت ميد في منطقة ماريلاند على بعد 25 ميلا إلى الشمال ويومها كانت الملفات وجميع الأفراد والمعدات مبعثرة في مواقع شتى. ثم أن رئيسها العتيد الجنرال كانين كان بدوره يتخذ استعدادته من أجل التقاعد من الخدمة. ها هو أحد كبار العاملين بالوكالة يلخص الموقف قائلا: باختصار شديد كان عام 1956 وقتا سيئا لكي تتعامل الوكالة مع أزمة من الأزمات. وكان لابد للرئيس ايزنهاور أن يستشيط غضبا عندما بدأت أسرار المؤامرة الثلاثية تتكشف واهتزت أسلاك الهواتف على جانبي الأطلسي تهاجم ما أقدمت عليه لندن وباريس بوصفه عملا غير مقبول وأنه إجراء فظ غليظ بل وحشي.. الخ. وعن إسرائيل بنقل كتابنا عن ايزنهاور وصفه بأنها الطرف المعتدي ولسوف يكون من الخطأ أن تحصل منا على المعونة. ماذا كانت النتيجة؟ 4 أسطر نلخصها على صفحة 41 من هذا الكتاب: تعرضت لندن إلى ضغوط هائلة سواء من جانب أمريكا أو روسيا أو المجتمع الدولي. وتم الإتفاق على وقف لإطلاق النار (في قناة السويس) وإنهاء واحدة من أخطر المواجهات التي خاضت أمريكا غمارها منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. فضيحة بجلاجل من ناحية أخرى كان الأثر صعبا بدوره على وكالة الأمن والمعلومات الأمريكية لقد كانت أزمة السويس مدخلا سيئا بالنسبة لها إلى ساحة الشئون الدولية وفي هذا يقول تحليل انتقادي داخلي: بالنسبة لاستجابة الوكالة إزاء الأزمة فقد كان الأمر ببساطة عبارة عن فوضى. لهذا لم يكن صدفة أن تعد الوكالة أزمة السويس درسا ينبغي أن يستفاد وأن تدعو شركة متخصصة في علم الإدارة لكي تساعدها على إعادة ترتيب الأوضاع. ويبدو أن السنوات الأربع التي أوصلت إلى عام 1960 كانت مفيدة نسبيا في ترتيب تلك الأوضاع ففي ذلك العام رتبت الوكالة لطائرة تجسس فوق الأجواء الروسية في طائرة من طراز (يو ـ 2) يقودها الطيار الأمريكي فرانسيس جاري باورز. وقد استخدمنا تعبير (نسبياً) عن عمد لأن الذي حدث هو أن الجماعة الروس استطاعوا هذه المرة أن يسقطوا الطائرة وأن يأسروا الطيار وكانت فضيحة ـ بجلاجل كما يقول المثل الدارج ـ لمجتمع ودهاقنة التجسس الالكتروني في الولايات المتحدة أعلنها زعيم الكرملين خروشوف على رأي ومسمع من كل العالم.. ووضعت الرئيس الأمريكي ايزنهاور في وضع من الإحراج البالغ الشديد. ولقد زاد من احراج الرئيس وإدارته أن تفجرت ثورة فيديل كاسترو في كوبا، يعني في الردهة الخلفية كما يسمونها للولايات المتحدة. وبدلا من أن يذهب الأمريكيون دائرين حول القطب الشمالي للتجسس على الألة الحربية السوفييتية ـ فوجئوا بأن السوفييت يرسلون خبراءهم إلى كوبا، قرب شواطئ أمريكا، وأن عناصر من ضباط الطيران الكوبي يذهبون للتدريب في الاتحاد السوفييتي. خليج الخنازير عندما نجح في الإنتخابات رئيس أمريكي جديد، هو الشاب الأنيق ابن الأصول جون كيندي، جلس الرئيس المنتخب إلى جوار الرئيس الموشك على التقاعد يسمع أسرار القوات المسلحة الأمريكية. وفي هذا الجلسة بدت من ايزنهاور عبارات تعمد أن يفوه بها وكأنها جاءت عارضة غير متصورة وقال فيها: نحن نساعد القوات المعارضة لكاسترو بأقصي ما نستطيع.. وقد ترجم ايزنهاور هذه الحقيقة في آخر أمر رئاسي أصدره وقال فيه: ليس بوسع الولايات المتحدة أن تسمح باستمرار وجود حكومة كاسترو في كوبا. هكذا دخل الرئيس الجديد كيندي إلى المكتب البيضاوي الشهير فوجد على طاولته خطة لغزو كوبا وضعتها وكالة المخابرات المركزية ولكن أركان الجيش وأيضا أركان وكالة الأمن ـ المعلومات ـ بطلة كتابنا هذا كما نكرر دائما ـ وجدت أنها خطة معيبه وضعها هواة ومن شأنها أن تفضى إلى كارثة. وكان هذا هو ما حدث تماما. وحملت الكارثة اسمها في حوليات التاريخ الأمريكي والعالمي المعاصر: موقعة خليج الخنازير. وعلى الرغم من أن الخطة كانت ـ كما المحنا ـ فشلا ذريعا لوكالة المخابرات. فقد كانت فاتحة دور كبير ومؤثر لوكالة الأمن ـ المعلومات التي أنيطت بها مهمة مواصلة التجسس الالكتروني ـ والجوي على كل صغيرة وكبيرة في كوبا وإدارة فيديل كاسترو. عند منعطف هذه الأحداث يتوقف بنا المؤلف لاهث الأنفاس كما قد نتصور لكي يقول لنا (ص 80 وما بعدها) أن فشل غزو أمريكا لكوبا اصاب الجناح اليميني المتطرف في دوائر البنتاجون ووكالات المخابرات والمعلومات بشعور أقرب إلى الهوس وربما الجنون في عدائهم المعلن لما كانوا يسمونه بالخطر الشيوعي. في هذا الإطار يكشف كتابنا عن وثيقة خطيرة حصل عليها المؤلف (ص 82) بعد أن ظلت طويلا محجوبة بالعمد عن السياسيين والباحثين. وتقول كلمات بامفورد في هذه الفقرة المهمة. تفيد الوثيقة بأن هيمنة أركان حرب القوات المسلحة الأمريكية رسمت وأقرت وقتها (حوالي عام 1961 ـ 1962) خططاً لما يمكن أن نصفه بأنه أشد الخطط فسادا في تاريخ حكومات أمريكا: باسم محاربة الشيوعية اقترحوا شن حرب ارهابية سرية ودموية ضد «مواقع في بلدهم ذاته (أمريكا) من أجل استمالة الرأي العام الأمريكي إلى حيث يخوضون غمار حرب عششت في ضمائرهم وكانوا يخططون لشنها ضد كوبا » انتهى كلام مؤلف كتابنا بالحرف.