الكتاب الذي نعرض له في هذه الصفحات صدر في شهر يونيو الماضي، ومنذ ذلك الحين ظل يثير عواصف من النقد والاهتمام والتحليل والدرس العميق. مؤلف الكتاب هو الصحافي الباحث الأمريكي جيمس بامفورد وهو معروف جيدا على مستويين: ـ مستوي العمل التلفزيوني الجاد حيث كان من كبار مخرجي التلفزيون في قناة «أى.بي سي» القومية الأمريكي. ـ مستوى القارئ الجاد ويرجع ذلك إلى عام 1988 على وجه الخصوص حين أصدر بامفورد كتابا كان من أوسع الكتب السياسية - البحثية إنتشارا في ذلك الحين بعنوانه الشهير «سراي التيه» ويأتي كتابنا الحالي بوصفه الحلقة المكملة للكتاب الأول ذلك لأن السراي - المتاهة ما هي إلا وكالة الأمن القومي الأمريكية وهي - كما يسميها المحللون داخل أمريكا وخارجها ـ أكبر هيئة لجمع المعلومات في العالم.. وهل نقول.. في التاريخ؟ ما بعد المتاهة نحن اذن أمام سفر ضخم وثمرة مجهود بحثي استغرق من مؤلفه سنوات من العمر واستغرق من قلمه أو بالأدق من نقرات حاسوبه الالكتروني 613 صفحة من القطع الكبير وجاء هذا كله على مهاد من الدرس والفرز حافلا بالمقابلات مع كل العناصر التي عملت مع وكالة الأمن القومي الأمريكية في الماضي وفي الحاضر، ناهيك عن ألوف المستندات والوثائق والملفات التي قيض للمؤلف الحصول عليها ومراجعتها والإحالة إليها، فلا عجب أن يأتي ناقد محترم هو الأستاذ ويليام هارتونج يكتب في صحيفة ذات شأن هي واشنطن بوست « عدد 20 يونيو 2001» ليصف كتابنا في عبارة يقول فيها: أنه يرسم أوسع الصور تفصيلا لأكبر منظمة لجمع المعلومات في العالم.. كما أن المناقشات التي يجريها المؤلف على مدى صفحات الكتاب تشكل مساهمة لها قيمتها الكبرى في فهمنا لذلك التاريخ شبه المعتم لعالم المخابرات «أوالمعلومات» في أمريكا. ولكنها تثير سؤالا مازال مطروحا تحت سطح المقولات التي يقدمها هذا الكتاب وهذا السؤال هو: إلى أي حد يتاح لمجتمع ديمقراطي أن يمضي منساقا إلى حيث يجمع البيانات والمعلومات؟ وفي معرض الإجابة، يقول الناقد الأمريكي بإيجاز شديد: إن المؤلف - جميس بامفورد يدلل في كتابه على أن المخاطر التي تحدق بالأفراد الأمريكيين أو بالمجتمع الديمقراطي ذاته تجاوزت بكثير المنافع التي يمكن أن تعود من جراء عملية ما من عمليات جمع المعلومات. أخيرا، يلخص الناقد الدرس المستفاد من مثل هذه النوعية من الكتب البحثية الجادة فيوجه الحديث في مقالته النقدية إلى صانعي السياسة في البيت الأبيض قائلا : «إن المرء ليأمل في أن الزمرة الجديدة من صانعي السياسة في إدارة بوش سوف تسمع وتعي هذا الدرس فيما يعكف أفرادها على الاستعداد للتعامل مع التحديات الأمنية لعالم شديد الاضطراب هو عالم ما بعد الحرب الباردة». تلك اذن لمحة من ملامح أهمية الكتاب الذي نقف عند مشارفه الأولى في هذا السياق وهو يستمد أهميته من جهد مؤلفه وأيضا من خطورة الموضوع الذي يعرض له. يتمثل هذا الجهد في محاولة إختراق- بالقلم والفكر والبحث العلمي والتحليل لتلك الوكالة التي توازي في خطورتها إن لم تزد - وكالة المخابرات المركزية الأمريكية: ذلك أن وكالة المعلومات الأمريكية التي يتناولها هذا الكتاب: ـ أكبر وكالة معلومات وأشدها تسترا بغطاء السرية وأقواها نفوذا. ـ يعمل بها - والعدد في الليمون كما يقولون - 38 ألف موظف وموظفة. ـ أصبحت تفوق المخابرات المركزية في زماننا ففيما تختص السي.أي. إيه بالتجسس السياسي أو الدبلوماسي فإن وكالة المعلومات مفوضة بالجاسوسية الاقتصادية والصناعية في أوروبا بالذات ، فضلا عن التركيز على متابعة ما تسميه مد وحركات الإرهاب في العالم - أسامة بن لادن على وجه الخصوص. ولأن المؤلف صحافي بالأساس، فهو يعمد إلى تصدير كتابه بعبارات فيها طرافة الاختيار ومرارته في بعض الأحيان. إنك تقرأ عبارة شهيرة في أدبيات الشأن العام في أمريكا وهي: «باسم الله الذي نثق فيه» تجدها مكتوبة مثلا على ورقة بنكنوت الدولار وعلى كثرة من المؤسسات والإدارات الحكومية لكن ها هو المؤلف يطلعنا على الشعار الاثير لدى البصاصين الذين تستخدمهم وكالة المعلومات الأمريكية لرصد ومراقبة خلق الله واستراق السمع واختلاس النظر نفاذا إلى صميم خصوصياتهم يقول الشعار كما يثبته مؤلفنا في مستهل هذا الكتاب. «باسم الله الذي نثق فيه جميع الآخرين نضعهم تحت الرقابة». وبعد الشعار يحيل المؤلف إلى تصريح خطير آخر ينقله عن واحد من مخضرمي الساسة الامريكيين هو السناتور السابق باتريك موينهان الذي كان نائبا في مجلس الشيوخ عن نيويورك وقد أصبح سابقا بعد أن ورثت عنه مقعد النيابة السناتور الحالي.. هيلاري رودها كلينتون يقول موينهان في تقرير أشرف على إعداده وصدر في مجلس الشيوخ الأمريكي بتاريخ أكتوبر سنة 2000 عن السرية في صنع السياسة الدولية والمحلية: خلف الأبواب المغلقة ، لا ضمان للحفاظ على أرسخ الحريات الأساسية للفرد. وفيما ندخل القرن الحادي والعشرين ، فإن خشيتنا الكبرى على ديمقراطيتنا تتمثل في ذلك الإتجاه الغالب من جانب حكومتنا للأخذ بغطاء السرية». ومن الملاحظات المبدئية على فصول هذا الكتاب وعددها 14 فصلا أنها لا ترد على النحو المعتاد من أجزاء عمل بحثي أو دراسي. أنها تبدو أقرب إلى خارطة في فصل دراسي عن التشريح الفسيولوجي في كلية الطب وإلا فخذ عندك - عزيزنا القارئ - عناوين الفصول الأربعة عشر التي أوردها مؤلفنا على النحو التالي: الذاكرة ، العرق ، الأعصاب، القبضات، العيون ، الآذن، الدم ، العمود الفقري ، الأدرينالين ، الدهن « هل نقول الكولسترول ؟» العضلات ، القلب، الروح.. الخ. داخل الغرفة السوداء الفصل الأول يبدأ مع «وليام فردريك فريدمان كان ذلك في عام 1930 وكان رجلا في منتصف العمر، من أصل روسي وأمضى حياته في دراسة الرموز، تركيبها وفك طلاسمها. وهو من رواد وكالة المعلومات الأمريكية. كان يشغل في ذلك العهد البعيد الغرفة 3416 التي تقود إلى قبو أشبه بأقبية حفظ السبائك في البنوك يحرسه باب من فولاذ ويفضي إلى الغرفة السوداء التي ظلت على مدى عقود من الزمن تحوي أسرار الشيفرة الرمزية لأمريكا حتى قبل اشتعال الحرب العالمية الثانية. وما أبعد اليوم عن البارحة. يقول المؤلف: انقضت 71 سنة على دخول فريد مان حجرة مكتبه ومنها إلى غرفة الشيفرة السوداء وها نحن في عام 2001 وقد تضخم كل شيء، مساعدو فريدمان الثلاثة أصبحوا ألوفا مؤلفه والغرفة السوداء أصبحت قصرا. بل أصبحت محتوياتها لا تكاد تسعها مدينة بأكملها، حيث يعمل عشرات الالوف من الموظفين خلف ستار حديدي من السرية، معظمهم. ـ ضيف المؤلف ـ سوف يعيشون ويعملون ثم يموتون من دون أن يحكوا لزوجاتهم عن طبيعة المهنة التي يعملون في سلكها. ببساطة ـ يؤكد المؤلف : أصبحت الغرفة السوداء إمبراطورية سوداء. والسؤال هو: كيف تطورت الأمور ، بل تضخمت أو فلنقل تورمت إلى هذا الحد الرهيب ؟ الرسالة الحاسمة في معرض الرد على هذا السؤال يعود بنا المؤلف إلى آخر ليلة من ليالي إبريل من عام 1945 هي ليلة إتخاذ هتلر وخليلته - أو زوجته في وكر الفوهرر في برلين التي ارتفعت عليها يومها اعلام ـ الشيوعية السوفييتية بعد 5 أيام لا غير من إنتحار هتلر المفترض: استقبل الرئيس الأمريكي ترومان الجنرال ويليام دونوفان رئيس مكتب الخدمات الإستراتيجية «وهو اسم التدليل لعمليات المخابرات في ذلك الحين» الذي سلم الرئيس رسالة مهمة قالت سطورها: «سوف تواجه أمريكا بموقف أخطر من الحرب ذاتها حين تصبح روسيا - ستالين خطرا جسيما ومتربصا ومحتدما بأمريكا. وهكذا بدأت شرارات الحرب الباردة أو بالأدق بدأت أولى معاركها، كما يقول مؤلف هذا الكتاب. حرب سوف يخوضها الأطراف في الظلال والطيوف، لا يهمهم أن تسقط في أيديهم مدينة بل يهمهم أن يحصلوا على معلومة وأن يستولوا على أسرار وأن يفكوا طلاسم رياضية ولوغاريتمات تنفذ إلى عقل العدو السوفييتي المتربص الجديد. كانوا قد بدأوا حرب الدهاء هذه خلال سنوات الحرب العالمية، وكانت ضد المانيا النازية، وبعد انتحار هتلر وسقوط كل مواقعه بدأت عملية بحث محمومة من جانب الحلفاء المنتصرين في الغرب من أجل العثور على صيد أو كنز ثمين هو: الفنيون الالمان الذين سبق وعملوا في مخابرات النازي. ومعهم دفاتر الشيفرات وطرق الترميز التي كانوا يتبعونها وسقط في شباك البحث صيد وفير 5 أطنان من مستندات الألمان في مجال الشيفرة السرية و200 فني الماني جري استجوابهم لمعرفة إمكانية الإفادة من خبراتهم لخوض غمرات حروب الدهاء والاستخبارات الوشيكة الإندلاع. وعندما عقدت الأمم المتحدة أولى جلسات جمعيتها العامة في سان فرانسسكو ، وفي غمار الاحتفالات والليالي الملاح التي اقيمت على شرف المؤسسة الدولية الوليدة كان الفنيون الامريكيون مشغولين بفك الرموز وقراءة الرسائل الرمزية وتكسير الشفرات الكودية ، لوفود الدول المختلفة وفي مقدمتها حلفاء أمريكا والفرنسيون منهم على وجه الخصوص. بعدها استطاع المريكيون أن يتوصلوا إلى فك الشيفرة الروسية. وعندما اندلعت الحرب الكورية مع فاتح عقد الخمسينيات.. إزدادت الحاجة لا إلى فك الرموز السوفييتية وحسب ولكن إلى وجود إخصائيين في اللغات الكورية والصينية من أجل متابعة سير المعارك واستشراف آفاق تطورها. دق ناقوس الخطر على الرغم مما حققه الامريكيون كما يقول مؤلف الكتاب من إنتصارات تكتيكية على جبهة فك الرموز الكورية أو الشيفرات الصينية، فقد استمر الموقف على سوئه وظل القادة الأمريكيون يعملون ويخططون وسط ظلام من ندرة المعلومات عن الأطراف الأخرى ، سواء داخل شبه الجزيرة الكورية أو على الطرف الشمالي للصراع وهو روسيا السوفييتية ، دع عنك الطرف الشرقي من الصراع وهو الصين التي كان الامريكيون يحسبون لزعيمها التاريخي ماوتسي تونج الف حساب. «وكان لابد من دق ناقوس الخطر.. وهو ما فعله الجنرال والتر بيريل سميث ، مدير المخابرات المركزية في مذكرة قدمها في ديسمبر عام 1951 يقول فيها: «أن قدرة حكومتنا على فك رموز الشيفرات الأجنبية وتحليل المعلومات المستقاة منها أصبحت ضعيفة وعقيمة وغير فعاله ». وأمر الرئيس الأمريكي بتشكيل لجنة تحقيق قومية في هذا الأمر وكان أهم ما توصلت إليه اللجنة أن جهود المعلومات وحجمها وعمليات فك الشيفرات وتفسيرها وتحليلها مبعثرة ومشتته بين وكالات حكومية مختلفة. وفي 13 يونيو عام 1952 كان على مكتب وزير الدفاع «لوفيت» ووزير الخارجية «اتشيسون» تقرير لجنة التحقيق الذي يحوي توصية كان محورها ما يلي: إنشاء وكالة معلومات جديدة قوية ومركزية يعين لرئاستها مدير أقرب ما يكون إلى القيصر «بمعنى أن يكون مستقلا أو مطلق اليد والإمكانات » ولم يكذب الرئيس ترومان خبرابل بادر إلى إصدار مرسوم رئاسي بإنشاء الوكالة الجديدة المطلوبة وكان ذلك في 24 أكتوبر عام 1951 هنا يعلق بعيداً عن العيون «ص 31 »كان المرسوم سريا للغاية ينشئ وكالة تكون بعيدة عن عيون الكونجرس (!) والرأي العام والعالم. وفي 4 نوفمبر.. خرجت إلى الوجود وكالة المعلومات الأمريكية.. ولم يكن الكثيرون يعقدون عليها أمالا كبار». في الليلة نفسها قال مسئول كبير في البيت الأبيض: «هذه المنظمة لن تعمر كثيرا مثل سابقاتها وفي الليلة نفسها تم إنتخاب رئيس جديد هو رقم 34 من رؤساء أمريكا وكان اسمه الجنرال دوايت ايزنهاور.