حولت قوات الاحتلال الاسرائيلي قطاع غزة إلى أكبر سجن في العالم، وجعلت حياة أكثر من مليون ومئتي ألف فلسطيني جحيماً لا يوازيه أبشع سجون العالم، حيث تفرض الاجراءات العسكرية الاحتلالية، الاغلاق والحصار والتجويع على السكان وتجعلهم يترقبون القصف المدفعي والصاروخي كل لحظة. ويحيط بالاسلاك الشائكة سياج امني بنته اسرائيل وخنادق واضواء كاشفة باستثناء على جانب واحد حيث يطل على البحر الابيض المتوسط وحيث تقوم القوارب الاسرائيلية بدوريات في المياه قبالة الساحل حيث يعيش ابراهيم المصري في أكبر سجن عالمي. وبالداخل في البلدات والقرى ومخيمات اللاجئين يعيش 1.2 مليون فلسطيني في قطاع غزة ويعانون من حصار اسرائيلي مفروض منذ اندلاع الانتفاضة الفلسطينية ضد الاحتلال الاسرائيلي في اواخر سبتمبر. وتصف اسرائيل الاغلاق بانه اجراء امني ناجم عن تهديدات المسلحين الفلسطينيين والمهاجمين الذين يفجرون انفسهم. ويصف الفلسطينيون الاجراء بانه عقاب جماعي. ولا يشعر بوطأة هذا الحصار مثل من يعيشون في أقرب نقطة منه مثل المصري وزوجته مها واطفالهما السبعة الذين تتراوح اعمارهم بين عامين و15 عاما. ويقع منزلهم في مخيم البرازيل في اقصى جنوب المنطقة المكتظة بالسكان والواقعة على بعد 40 مترا من الاسلاك الشائكة والممر الامني الواقع تحت حراسة اسرائيلية امام الحدود مع مصر. ويقول المصري «42 عاما» خارج منزله بجدرانه المثقوبة والتي تحمل آثار الاعيرة النارية والقذائف التي يقول ان الجيش الاسرائيلي اطلقها اثناء الليل «هذا اسوأ من السجن.. في السجن من الممكن ان تشعر بالامان ولكننا نعيش هنا في خطر طول الوقت». ومنذ تسعة شهور انتقلت العائلة الى المرآب من جراء خوفها من استخدام الطابقين العلويين او الباب الامامي للمنزل. وعندما يغامر المصري ويذهب الى الطابق الاعلى فهو يذهب الى بئر السلم عن طريق ثغرة فتحها في جدار المخزن. ودخلت الدبابات والجرافات الاسرائيلية من السياج الامني الى مخيم البرازيل مرتين على الاقل لتدمير مبان يقول الجيش ان المقاتلين الفلسطينيين يستخدمونها كغطاء في الانتفاضة. والانقاض على الجانب الايمن من منزل المصري كانت منازل لاثنين وعشرين عائلة. ويسيطر الخوف على المصري من ان الاسرائيليين سيحضرون دون سابق انذار ويقومون بتسوية منزله بالارض ايضا. ويقول وهو يحتسي القهوة التي اعدتها زوجتها على موقد في الوقت الذي يقف فيه بعض من اطفاله حفاة قرب ابواب المخزن المعدنية التي تحمل آثار اعيرة نارية «كل ما املك هو هذا المنزل.. اذا دمر فليس لي سوى الشارع او العيش في خيمة». ويظل المصري مستيقظا طول الليل تحسبا حتى يتمكن من نقل عائلته الى مكان اكثر امانا داخل المخيم عندما يبدأ اطلاق النيران او لردع اي فلسطيني او مسلح او طفل ممن يلقون مفرقعات والذين يحضرون كثيرا بالجوار لمواجهة الاسرائيليين. ويضيف «لا اسمح لاحد بأن يصعد لاعلى ويستخدم منزلي.. اذا طلبوا مني سأرفض.. لقد بنيت هذا المنزل بدمائي». واحتلت اسرائيل قطاع غزة والضفة الغربية في حرب 1967 . وسلمت اسرائيل معظم اجزاء غزة للحكم الذاتي الفلسطيني عام 1994 وفقا لاتفاقات اوسلو للسلام. وقبل الانتفاضة كان المصري يتجه شمالا كل يوم قبيل الفجر الى معبر العاملين في اريز حيث عمله كفني لحام في بلدة ريشون ليزيون الاسرائيلية ويحصل على اجر شهري خمسة الاف شيكل «1200 دولار». ويعيش المصري الان على المال الذي ادخره «للايام السوداء» ولا يحصل على عون من السلطة الفلسطينية التي تعاني خزائنها بحدة من الحصار. وقال المصري «منذ اربعة ايام ذهبت لرئيس بلدية رفح.. وابلغته ان لدي سبعة اطفال وطلبت منه مساعدة ما ومنحي وظيفة.. ولكنه قال انه لا يملك حتى المال اللازم لشراء بن لموظفيه»، ومعبر اريز مغلق الان امام الفلسطينيين. كما تغلق ايضا بشكل متقطع نقاط التفتيش العسكرية الاسرائيلية داخل القطاع عند التقاطعات مع مستوطنات غوش قطيف ومستوطنة نتساريم. وحتى عندما تكون نقاط التفتيش مفتوحة يتحتم على السيارات الفلسطينية الانتظار في طوابير قد تصل في وقت الذروة الى نحو ساعة حتى تتمكن من العبور. ويقول خالد الحصري كبير عائلة من ابرز وأغنى عائلات التجار في غزة «كلنا في سجن الآن.. البلدة منفصلة عن البلدة والقرية منفصلة عن القرية.. الاغلاق ذبحنا». وعاش الحصري «76 عاما» اثناء الانتداب البريطاني والادارة المصرية لغزة ثم الاحتلال الاسرائيلي. ويقول ان الاوضاع لم تكن سيئة ابدا مثل الآن. وتجارة الاغذية التي يديرها الحصري مع ابنائه الخمسة خفضت الواردات من الموردين الاجانب بنسبة 90 في المئة. وارتفعت التكاليف لان السلع تنتظر لفترة اطول في ميناء اشدود الاسرائيلي حتى تخضع لتفتيشات أمنية صارمة. ولا يملك اصحاب المتاجر الذين تمدهم عائلته بالسلع المال اللازم للدفع ومن ثم اضطر للحصول على قروض من البنك لسداد فواتيره. ويقول الحصري من منزله في مدينة غزة «الشيء الوحيد الذي يبقي على عملنا هو سمعتنا». ويعاني سكان غزة من الناحية النفسية ايضا فالقلق والاكتئاب والعنف العائلي في تزايد ايضا مثل الاغلاق وفقدان موارد الرزق والخوف من القصف الاسرائيلي. ويقول الطبيب النفسي فاضل ابو هين عن الاغلاق «انه امر يخنقني.. تشعر بضيق في الصدر كما لو كنت محاصرا داخل غرفة صغيرة». واضاف انه في الشهر الحالي ارغم فلسطيني من مخيم جباليا فقد وظيفته في اسرائيل زوجته واطفاله على دخول غرفة وحاول خنقهم بالغاز. قال انه كان يريد قتلهم لانه لم يتحمل طلب الاطفال لاشياء لا يمكنه احضارها وقال ان ذلك اشعره بالضعف. وتقول مها زوجة ابراهيم المصري انها فقدت 15 كيلوجراما منذ اندلاع العنف وتشكو ايضا من ان اطفالها اصبحوا عدوانيين ولا يطيعون الاوامر. وتضيف انه عندما يبدأ اطلاق النيران اثناء الليل يتجمعون في جانب ويبكون «نريد الخروج نريد الخروج.. اذا كان هناك بديل لما بقينا هنا». رويترز
