مياه طبرية خط أحمر مع سوريا، الشارع الاسرائيلي يعيش مرحلة توتر مرشحة لافراز صدامات بين الأجنحة المتصارعة ـ لكن الوزيرة يولي تامير قالت قبل فترة انها تعتقد أن المحكمة العليا تمثل نخبة اشكنازية «غربية» ويجب العمل على تنويع تركيبتها لتوافق تنوع الآراء في المجتمع الإسرائيلي؟ ـ انا لا أوافق على هذا القول، كما أن وزير العدل أبدى تحفظاً قاطعاً تجاه ذلك، نحن نعيش مرحلة كشف الفضائح المتعلقة بقيادات الدولة، من دون ان يكون ذلك امراً مفاجئاً مثلما حدث مع رئيس الدولة السابق وايزمان بينما كان الأمر في السابق مرتبطاً بالتكوين القومي والقيم الأساسية، وليس هناك من جحر لا يخفي مشكلة عويصة. وفي قضية توزيع الفرص الاجتماعية لا تزال اوساط كبيرة في مجتمعنا تشعر بأنها تتعرض للاجحاف على هذه الخلفية أو تلك. ولست على دراية بالأسباب الموضوعية التي تدفعهم إلى ذلك. وهو امر ليس مهماً فالشعور الفعلي هو الذي يملي التوجه العام لدى تلك الأوساط. وهذه الأقوال لا تتطرق طبعاً للمواطنين العرب لأن طروحاتهم إزاء اجحاف الدولة لهم عادلة وقديمة، فمنذ جرى تسريحي من الجيش وأنا اراقب ما يجري داخل الوسط العربي في إسرائيل كما أنني خلال فترة الانتخابات زرت العديد من المناطق العربية فتلمست إهمال الدولة الفظيع لهم. ولا أقول إن شق طريق أو رصف آخر يمكن أن يجعلهم في داخل نسيجنا المجتمعي، ولكن يجب أن تكون هناك محاولات. ونحن أساساً في هذا الموضوع نجلس فوق برميل بارود، والانتفاضة التي حصلت في المناطق ستكون صفراً بالمقارنة مع ما هو متوقع أن يحدث لنا إذا انفجر هذا البرميل «وقد أنفجر بالفعل». وأنا لا أريد إثارة الفزع في صفوف الإسرائيليين ولكن ينبغي النظر إلى الأوضاع بصراحة وشجاعة ووضوح وليس دفن الرؤوس في الرمال. ـ ينبغي علي العودة إلى ما كنا قد تحدثنا عنه، فهناك الكثير من الناس حتى من داخل مراكز ابحاث مهمة يقولون ان مهمة خط تقسيم المياه يمر عبر اتفاق اوسلو وان الانقسام والتجزئة قد بدآ، كما أن الكثيرين لن يتقبلوا عمليات انسحاب أخرى متوقعة في الضفة الغربية، فكيف يمكن القبول بمثل هذا الطرح المشوه «سلام مقابل أرض» ولماذا لا نكتفي باتفاقات عدم الحرب لسنوات ومن ثم نرى كيف تتطور الأمور؟ ـ لا شك لدي اننا قد وصلنا جميعاً إلى لحظة الحسم، وعلينا اتخاذ قرارات صعبة ومؤلمة، فالمفاوضات مع الفلسطينيين حول التسوية الدائمة ليست سهلة، وقد برهنت الاسابيع الأخيرة على ذلك. ولكن من المستحيل أيضاً العيش في ظل السيف ونحن في حالة حرب مع الجميع. وهذا المجتمع الإسرائيلي الهش لن يصمد في وجه حرب متواصلة وسقوط قتلى كثيرين، فعملية أوسلو بدأت بعد الانتفاضة كما هو حال اتفاقية السلام مع مصر والتي جاءت في اعقاب حرب 1973. وهناك خبراء يقولون انه لو وافقت جولدا مائير وموشي دايان على مقترحات السادات في التوصل إلى تسوية في بداية السبعينيات تقضي بانسحاب الجيش الإسرائيلي إلى مسافة ما من قناة السويس لما نشبت الحرب فيما بعد. والشيء نفسه يمكن أن يقال عن الانتفاضة، فلو وافق شامير رئيس الحكومة في حينه على «اتفاق لندن» والذي طرحه على الحكومة شيمون بيريز خلال فترة حكومة الوحدة الوطنية الثانية، لكانت الأمور الآن مختلفة تماماً، فقد كانت مسئولية الضفة الغربية ستناط بالاردن مما يؤدي إلى تغيير صورة الشرق الأوسط. ـ وربما لا؟ ـ ينبغي علينا السعي من أجل التوصل إلى سلام مع جيراننا لا سيما مع الفلسطينيين وحرب 1973 كان وقعها سيئاً علينا، لكن السلام مع مصر ما كان ليحصل على ما يبدو لولا هذه الحرب اللعينة. يتوجب علينا البحث عن طرق تؤدي لاندماجنا في المنطقة، ولا أرى امكانيات بديلة أخرى. وفي المقابل فإن اتفاقات اوسلو أفرزت تساؤلات صعبة بالفعل، وأتذكر أنني لم أكن مرتاحاً قبل الانضمام إلى فئة العاملين فيها، وعدم الوضوح هو السائد لدى الجمهور خاصة وأن المجهول هو الذي يكتنف نهايتها، والعملية بالأساس هي غاية في التعقيد وفيها معطيات أساسية يمكن أن تنسف مراحلها الحاسمة. والأمر الأكثر إثارة للحيرة هو فيما يخص الجولان مع أن بحث هذا الموضوع ليس عملياً الآن بسبب المتغيرات التي حدثت في سوريا. ومع ذلك أود الإشارة إلى أنني استمعت إلى كثير من اليساريين المؤيدين لعملية السلام ولم يكونوا لينين في موضوع الجولان، وكان ذلك قبل رحيل الأسد، كما أنني أنا الآخر لا يمكن أن أكون هادئاً وليناً في هذا الموضوع الأمني. وعندما نستأنف المفاوضات مع السوريين يجب إلا ننسى عدم السماح لهم بالوصول إلى بحيرة طبريا، وحتى وأن تجاهلنا الموضوعات الأخرى -وهي صعبة أيضاً-، مثل إزالة المستوطنات إلا أن الموضوع الأمني هو الأهم. وأكرر القول إن خط المناطق الصخرية أو خط التلال الأخير غرباً يجب أن يكون خط الحدود. لأن الانسحاب من الجولان إلى خط المياه يعتبر تنازلاً عن ثروة وذخر استراتيجي من الدرجة الأولى، لقد سبق الحديث في هذا الأمر ولكن يجب التأكيد عليه إذ لا توجد وسائل الكترونية سماوية بديلة لجبل الشيخ، وفي هضبة الجولان أيضاً وحدات عسكرية تمارس تدريباتها هناك، فإلى أين تذهب هذه الوحدات وألعاب المحاكاة ليست حلاً. كما أنه من الواضح أن أي اتفاق مع السوريين - وهو الذي لا يبدو واقعياً حالياً من شأنه أن يؤدي إلى صراع عنيف جداً داخل المجتمع الإسرائيلي. ـ ربما يكون الحل عن طريق الاستفتاء العام؟ ـ لا يوجد ما يشير في المرحلة الحالية إلى إجراء استفتاء عام حول الوضع مع سوريا. وذلك بسبب العناد السوري، أما موضوع التسوية مع الفلسطينيين فمن الممكن طرحه للاستفتاء. ولست مبتهجاً بهذه الأقوال لأنني إجمالاً أرغب بالسلام مع سوريا والفلسطينيين ولكني أتوقع فترة توتر ضاغطة في الشارع الإسرائيلي خاصة وأن المواطنين العرب يؤيدون بشكل مطلق الانسحاب من الجولان والضفة الغربية، وفي رأيي فانّ الصراع حول هذه المسائل سيؤدي إلى إزدياد عوامل الجذب بين الإسرائيليين، وأمامنا صور لما يحدث في الجامعات وسائر مؤسسات التعليم العالي وفي الأماكن التي تشكل مواقع احتكاك كبير بين الطلاب اليهود والعرب من ذوي الوعي القومي. ـ لماذا يتعاظم الشعور باتجاه «حقوق الشعب الفلسطيني» ونسيان حقوق اليهود، وهناك من يتحدث عن أن الحل والأوضاع في نهاية المطاف بتحويلنا إلى جالية يهودية وسط دولة عربية كبرى، وهناك الكثيرون في معسكر اليسار ممن هم مقتنعون بهذه الآراء ووجهات النظر الخيالية، فهل هذا يضايقك؟ ـ للأسف الشديد هناك تطرف في صفوف اليسار لا أفهمه، فهم يتبنون أفكاراً كانت في الماضي بعيدة عن الاجماع الوطني، كما أن الناس يقبلون بحرارة على الاتجاهات المتطرفة، وعلى الرغم من ذلك كله اجدني مضطراً إلى القول اننا إذا لم نُحسن إدارة شئوننا فسنجد أنفسنا في وضع سوداوي وكئيب يجري الحديث عنه في أوساط مختلفة مناهضة للصهيونية، ولذلك يجب معالجة الأمور بحكمة والمحافظة على الطابع اليهودي لدولة إسرائيل وهدفها الأول وطن نوعي للشعب اليهودي ومن خلال منح الحقوق الأفضل للعرب القاطنين فيها، كما يتوجب على العرب الذين يحملون بطاقة الهوية الإسرائيلية القيام بالخدمة، الخدمة الوطنية على الأقل. لابد من وجود إطار يزيد من المساواة ويعزز الشعور انهم مواطنون متساوون في الحقوق، فعندما زرت بعض القرى العربية خلال فترة ما قبل الانتخابات المبكرة حيث تنافست على مكان في قائمة العمل في الكنيست الخامسة عشرة فوجئت بالعدد الكبير للمثقفين هناك ولقد حاولوا بكل بساطة مواجهة الأزمات التي أوجدتها الدولة اليهودية بالطريقة الوحيدة الممكنة لأقلية عربية وذلك بالحصول على الشهادات الأكاديمية ومفروض علينا إفساح المجال لهؤلاء كي يندمجوا في مجتمعنا. ـ اعتقد ان تعريف ملحمة «خيار أو غير خيار» ستكون موضع خلاف كبير، كما أعتقد ان أطرافاً في اليسار ستقول انه لأجل قطعة أرض أخرى حول طبريا أو بالقرب من جوش عتسيون أو مئات الألوف اللاجئين الآخرين الذين سيطلبون الاستيطان في دولة إسرائيل، في حيفا أو يافا لا حاجة للقتال، عندما ستكون النهاية كلها فارغة؟ ـ هناك من يدعي أيضاً ان جذور الشر كامنة في حرب يونيو 1967، أذ فجأة بعد هذه الحرب كان بادياً للجميع اننا لن نواجه مشكلة وجودية، فقد أصيب الرأس بالدوران، وبدأت جميع المشكلات القومية التعصبية ترفع رأسها وهي التي نعاني منها الآن ونغرق فيها. فقد بدأ الاستيطان المكثف في قلب التجمعات السكانية العربية، وبدلاً من أن نبقى شعباً طالب لنفسه بدولة مستقلة أصبحنا شعباً محتلاً يسيطر على ملايين البشر الذين يرفضون سلطته، ونشوة الأحساس بالقوة أفقدت الناس لدينا صوابهم، وتدحرجت الأمور حتى حرب أكتوبر 1973م، ويعتقد كثيرون انه لولا الاستيطان عبر منطقة الخط الأخضر لكانت جميع الحلول الآن سهلة للغاية. ـ هل تعتقد بوجود ما هو مسموح به وغير مسموح به في مجال الاستيطان في أماكن ولدت فيها القومية اليهودية، يبدو لي انني حين أسمعك انتقل من التطرف الأول إلى الآخر، من شعب إنتشى بالقوة إلى شعب يشعر اليوم بالعجز؟ ـ ليس عاجزاً بل هو أكثر وعياً، لقد أفقنا في رأيي من أحلام جوفاء وعلينا أن نقول لأنفسنا إننا إجمالاً أقلية ضئيلة في هذه المنطقة وسنبقى أقلية على الرغم من القوى العسكرية الهائلة التي نملكها. كما أننا غير قادرين على احتواء خسائر فادحة كما كانت الحال في الماضي. وحب أرض إسرائيل ليس حكراً على اليمين وحده، فأنا اتمنى لو كان بالامكان أن تمتد حدود الدولة اليهودية على طول الحدود التوراتية، وهذا ليس واقعياً فهناك سكان عرب في هذه المنطقة لا يرغبون بنا منذ بداية الاستيطان اليهودي هنا، وعلينا إيجاد سبل للعيش معهم بسلام وإلا فاننا عرضة للابتلاع داخل هذا البحر الإسلامي العظيم المحيط بنا. وخط تقسيم المياه يمر بحرب 1973 وليس في اوسلو كما تدعي، لقد تعلم الكثيرون منا من محنة حرب 1973 كما سمعت مؤخراً من الدكتور يوسي بيلين وهناك كثيرون غيره أدركوا اننا غير قادرين على التمسك وإلى الأبد بالشعارات نفسها التي كانت جميلة إذ كُنا نعتقد ان العرب سوف يقبلون بحقيقة عدم قيام دولة للفلسطينيين إلى الأبد، وان بإمكان إسرائيل السيطرة إلى آخر الدهر على المناطق الشاسعة التي احتلتها في حرب يونيو 1967. ولو تمكن سلاح الاستخبارات من معرفة اندلاع حرب مباغتة وواجهها الجيش الاسرائيلي لاندلعت حرب اخرى واخرى. وهناك قطاعات واسعة في صفوف المجتمع الإسرائيلي لا تزال تتصور أن القوة تشكل رداً لكل شيء. وأنا اقول لا، انتصرنا في حرب 1967 لكن الثمن كان باهظاً ومؤلماً. ـ لكن الاستيطان المكثف عبر منطقة الخط الأخضر بدأ بعد حرب 1973 وأثناء الولاية الأولى لرابين وفوز الليكود بزعامة بيجن عام 1977 أعطى زخماً أكبر للنشاط الاستيطاني؟ ـ هذه الحقائق صحيحة، ولكنني أصر على موقفي بالقول انه كان يتوجب علينا التصرف على نحو آخر، فلو أن الضفة الغربية بقيت على حالها الذي كان في عام 1967 لكان كل شيء مختلفاً. ـ منذ حرب 1973 لم نحقق انتصاراً، وواجهنا مؤخراً نكسة أمام حزب الله ورأينا جيش الدفاع يهرب وينسحب من جنوب لبنان تاركاً خلفه معدات ثمينة وحلفاء ناصروه طوال عشرين عاماً، والضعف والعجز الذي تمثله انت والجيش بأسره سيجلب لنا الكوارث. والعرب يدركون بالطبع قولك «لا قدرة لنا على الصمود ومستعدون لكل تسوية» وموقفك من الاستيطان في «يهودا والسامرة» غريب جداً؟. ـ لا مجال للانشغال بمسائل غوغائية، صحيح أنه كان هناك انسحاب متهور وسريع إلى حد ما من جنوب لبنان ولكن تم إنجاز الهدف الأساسي، أي منع حدوث اعتداء على المنسحبين- كما يجب أن نتذكر انه لم تقع اصابات في صفوف الجيش الاسرائيلي منذ ذلك الانسحاب، وهذا هو الأكثر أهمية، لم يعجبني الكثير من التعبيرات التي تناقلتها وسائل الإعلام في تلك الفترة، وكانت هناك محاولات لإثارة الهلع في النفوس دونما حاجة ولدينا جميعاً خطوط حمراء حتى لدى الذين يعتقدون بوجوب الصراع من أجل السلام بالعزم نفسه الذي خُضنا به حروبنا، أنا لا أتحدث عن «سلام لحظة» من نوع السلام بدون ثمن الذي تريد أن تمليه حركة السلام الآن. وإنما عن عملية قائمة على التروي والتفكير بحذر وعدم اندفاع. أما القتال داخل المنطقة الأمنية في جنوب لبنان فهو حرب عصابات بطبيعتها ومن السهل فيها - كما نعلم- ضرب جسم كبير، جيش منظم له ادوات ومعدات ثابتة، فالقوات الصغيرة المتحركة ضمن منطقة جغرافية وطبيعية تعرفها جيداً يسهل عليها الهرب من وجه الوحدات الكبيرة. ومثل هذه الحرب يصعب على جيش نظامي تحقيق الانتصار فيها. لذا ينبغي تغيير طابع الحرب، من جهة أخرى علينا الاعتراف ان مقاتلي حزب الله ساهموا في خروجنا من المنطقة، فقد أثروا على نوعية الحسم السياسي الذي اتخذناه، ذلك أن كثرة الخسائر والضحايا والاحتجاجات ونشاط التنظيمات المعارضة جعلتنا نتوصل إلى قرار الانسحاب من هناك. ولا شك لدي ان ضرراً لحق بصورتنا جراء ذلك وحدث تراجع ما في قوة الردع. وبخصوص إذا ما كان للأمر تأثير على المدى البعيد، أقول ليس شرطاً أن نعرف كيفية الرد الصحيحة على كل محاولة اعتداء على مواطنينا في شمال البلاد، كل شيء مرهون الآن بقدرة الجيش الاسرائيلي على العمل بحرية من خلال قرار بذلك على المستوى السياسي. فالانضباط الزائد عن حده في ضوء الاستفزازات لا يجدي أبداً في إعادة بناء قدرة الردع لدينا، حتى وأن كان الأمر يطال تهديدات من أماكن بعيدة أيضاً. على الجيش الاسرائيلي أن يتأهب لضرب أهداف داخل لبنان وكذلك القوات السورية على أراضيه إذا اقتضت الضرورة ذلك. ـ الفلسطينيون هم الآخرون يعتبرون الانسحاب الإسرائيلي المتهور من جنوب لبنان بمثابة دليل على حالة الإنحسار التي تعيشها إسرائيل، ومنظمة الأمهات الأربع نجحت في محاصرة جميع الأجهزة السياسية وفرض الانسحاب بهذه الطريقة المذهلة على الرغم من معارضة القيادة العليا في الجيش الاسرائيلي، والأمر لن يكون مختلفاً ما دام هناك أحياء في القدس تنتظر دورها؟ ـ نجح تنظيم الأمهات الأربع في المهمة التي أخذها على عاتقه، وأنا أكن له كل احترام -وهو تنظيم احتجاجي خارج نطاق البرلمان- ولكن تنظيم الأمهات الأربع ليس هو الذي أصدر الأوامر للجيش بالانسحاب، الحكومة هي التي قامت بذلك. ـ وماذا بشأن الصورة المهزوزة للجيش الاسرائيلي؟ ـ في جميع أنحاء العالم العربي نواجه مشكلة بهذا الصدد تزداد يوماً بعد يوم. وقد بدأ هذا في تقديري عندما ظهر أسرانا على شاشة التلفاز خلال حرب 1973 أذلاء مرتبكين. لقد الحقت بنا هذه الحرب ضربة قاسية على صعيد أسطورة الإسرائيلي المقاتل. ولا تزال الصدمة تسود المجتمع الإسرائيلي من صورة الجنود الإسرائيليين المستسلمين وأصيب جيش الدفاع بالذهول والدهشة، فمنذ حرب يونيو 1967 اعتدنا على رؤية «ألبومات» النصر فقط. وقبل ذلك كانت أسطورة موشي ديان في سيناء عام 1956 في الحملة التي تعاون فيها جيشنا مع الجيشين الفرنسي والبريطاني. لكن مفاجأة حرب 1973 كانت مؤثرة للغاية. فقد تمكن السوريون والمصريون من مباغتتنا بشكل مؤلم بل هو الأكثر إيلاماً على صعيد ما يمكن أن يقع. وقبل ساعات معدودة فقط من نشوب الحرب كانت لا تزال بعض قطاعات الجيش الاسرائيلي في حالة من العظمة والأبهة، بل ان الحكومة في حينه حالت دون توجيه ضربة وقائية يقوم بها سلاح الجو على افتراض أن بالامكان صد أي هجوم عربي بالسهولة نفسها التي هزمت فيها الجيوش العربية قبل ذلك بست سنوات. وهناك أمر آخر أضاف إلى عوامل انخفاض قدرة الردع لدينا ألا وهو سقوط جنود أسرى في لبنان جراء أخطاء وتقصيرات، وكل تقصير من هذا النوع ثمنه مرتفع ويزيد من القضم الإضافي في قدرتنا على الردع. خاصة وأن المجتمع الإسرائيلي يبدي حساسية شديدة من الاصابات التي تقع في صفوف جيشه. ومن يتذكر صفقة تبادل الأسرى مع أحمد جبريل والتي تم في إطارها إطلاق سراح مئات المعتقلين الفلسطينيين مقابل ثلاثة أسرى سيدرك حجم هذه الحساسية في أوساط مجتمعنا واختلافها عن الحال ذاتها في العالم العربي. وهناك من يتصور في هذا نقطة لصالحه من حيث التوجه إلى حرب مع إسرائيل لأنها من الممكن أن توافق على كل طلب تهديدي قد يزيد من نسب الخسائر لديها. ومع ذلك فأنا أعتقد ان قدرتنا على إرسال رسائل رادعة قد توقف في مرحلة ما، والجيوش العربية تدرك مدى قوة سلاح الجو لدينا إضافة إلى القدرات الأخرى، ولا شك ان خلخلة الصورة وقوة الردع لدينا ما كانت لتتعزز بالبقاء في لبنان وسقوط العديد من الجنود. والسؤال هو كما قلت سابقاً، ما تأثير هذا الأنسحاب على سكان الجليل؟ فاذا قام جزء منهم أو القليل بمغادرة المكان بعد أول عملية قصف موجهة ضدهم، أو في حال تعرضهم لعمل عسكري من حزب الله فاننا بالفعل سنواجه مشكلة حقيقية.