ـ هل المطالبة المصرية بشل قدرات إسرائيل النووية تقصد إحداث اهتزاز في استقرار اتفاق السلام بين مصر وإسرائيل؟ ـ لا أريد إضافة أي شيء لما قلته. ـ هل تقصد بذلك سلاح يوم الحساب، القيامة؟ ـ اقصد بأنه من الأفضل للعرب أن يؤمنوا بأن شعب إسرائيل لا يزال حياً، وأن هناك الكثير من السيناريوهات المحتملة سواء كانت خيالية أو واقعية، عليهم أن يضعوها في حساباتهم. وفي الوقت نفسه الاستعداد لميدان قتال تقليدي فحتى في عصر القنبلة النووية والهيدروجينية استمرت الحروب التقليدية في جميع أنحاء العالم. فقد قاتل الروس في افغانستان والامريكان في فيتنام بالحرب التقليدية وبعد القاء القنبلة الذرية على هيروشيما ونجازاكي في نهاية الحرب العالمية الثانية ارتدع الرئيس الأمريكي عن استخدام هذا السلاح في الحرب الكورية رغم الضغوط التي تعرض لها. فتجربة اليابان أثبتت للعالم نسبة الدمار التي تحدثها هذه الأسلحة. وتملك الترسانة الدولية اليوم أضعافاً مضاعفة من الاسحلة القادرة على تدمير الكرة الارضية مرات ومرات من جهة أخرى فأن الحروب التقليدية بحاجة إلى إعادة تخطيط وانتعاش فكري وتطوير للآليات وبالتالي قيادات ذكية قادرة على التوجه والتحكم. ـ ما الذي يمكن أن يقوم به الجيش الاسرائيلي في مواجهة أي سوء محتمل؟ ـ ينبغي العمل على زيادة موازنة الدفاع لتطوير الوسائل القتالية ولأجل شراء وسائل دفاعية وقتالية جديدة، كما كنت أقترح على الجيش الاسرائيلي التفكير باتباع سياسة «اقتصاد مغلق» مثلما فعلت انا في حينه في سلاح الاستخبارات، أي أن رئيس الأركان وضباط هيئة الأركان يقومون بتوزيع الميزانية كل عام بعد إقرارها من الكنيست. فالجيش الاسرائيلي يستطيع إتخاذ قراراته إزاء أنظمة الأسلحة التي يريدها ويعرف كيفية إستثمار معظم أمواله وقوته، وفي هذا الإطار أعتقد بأن وزارة المالية تدقق أكثر مما ينبغي فيما يخص الجيش. ـ يبدو لي بأن الجيش سينشغل في زمن السلاح بالتداعيات المدمرة الحاصلة حتى داخل منطقة الخط الأخضر؟ ـ ستكون الجبهة الفلسطينية ضمن دائرة انتباهنا على المدى المنظور، كما ان عدم الوصول إلى اتفاق سلام مع سوريا له انعكاسات سيئة على المنطقة بأسرها والانسحاب الأحادي الجانب من لبنان لم يحرر إسرائيل من الارتباط بالرغبات السورية فسوريا قادرة على تسخين الجبهة متى أرادت. ـ هيا بنا نعود إلى الوراء قليلاً، لنتحدث عن الانتفاضة وعن حرب (سلامة الجليل) حيث صدرت تصريحات سياسية للعسكريين ولم ننس بعد دور قائد اللواء (ايلي جيفاع) الذي قام بالتحريض ضد الجيش الاسرائيلي في لبنان؟ ـ انا أعرف ايلي جيفاع عن قرب، وهو موضوع خلاف بالنسبة لمن كانوا يرون في تلك الحرب بشرى كبيرة، ولكن من غير الممكن تقدير الشجاعة العامة في عمله هذا فقد أعتقد بأن اقتحام بيروت من شأنه الحاق خسائر فادحة بإسرائيل، لذا فقد قام بما قام به من منطلق أدراكه بأنه سوف يدفع ثمناً شخصياً ثقيلاً. كما أن الجدل بخصوص حرب لبنان لم يحسم بعد، فقد كان هناك من أرتأى بأنّه لا سبيل لإبعاد الخطر الفلسطيني عن المنطقة المسماة (فتح لاند) سوى اقتحام لبنان، وحظيت القرى الشمالية طيلة سنوات بنوع من الهدوء النسبي، ولنتحدث بعد ذلك عن معنى الانسحاب من جانب واحد بدون اتفاق من المنطقة الأمنية، والتي تبدو الآن أقل اشكالية مما حدث في حينه. أما الانتفاضة الأولى فأنا أعتقد فعلاً بأن وقفها كان ناجماً عن حسم سياسي. وكان بامكان الجيش آنذاك أن يفعل ما هو أكثر كأن يقصف القرى أو يدخل المدن بالدبابات لكن قرار المستوى السياسي منع ذلك. والشروع في المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية وضع حداً للانتفاضة وأن كان كثيرون ومن ضمنهم شامير يدعون بأنها تلاشت قبل هذه المفاوضات بوقت كبير، وليس ضرورياً أن تكون الجنرال ـ كارل بون كلاوزفيتش ـ وهو مؤرخ وفيلسوف عسكري نمساوي في القرن التاسع عشر لكي تدرك بأن استخدام القوة العسكرية هو أحد أدوات المستوى السياسي. وحماية إسرائيل والدفاع عنها يجب أن يندمج مع حلول سياسية وإلا فأنها ستكون عرضة ـ في تقديري ـ لاقتتال دائم مع العالم العربي. ولا يمكن الفصل بين الأشياء فللمستوى السياسي مهمات يحتاج تحقيقها إلى الجيش، وحسم القضايا الأمنية يحتاج إلى العسكريين أيضاً. وحقيقة الأمر أن إسرائيل لا تزال تصارع من أجل بقائها ووجودها. وسيبقى هناك الكثيرون الذين لن يتقبلوا الوجود اليهودي المستقل في إسرائيل. ومن هنا فان أي اتفاق مستقبلي يجب أن يتضمن الجوانب الأمنية الثابتة بالنسبة لنا. نعم لكن هناك من يعتقدون بأن الأمر يمس النسيج الديمقراطي فقد يتعارض المستوى السياسي والمستوى العسكري في مسائل كبيرة، فالعسكر مثلاً يرون استحالة حماية الحدود الشمالية بشكل ناجح ولم نسمع رأيهم بعد في موضوع الانسحاب من الضفة الغربية، ويمكن القول أيضاً ان التنازل عن غور الأردن سيبدو لهم مغامرة خطيرة فماذا تقول؟ ـ سوف نتحدث عن الحل الدائم لاحقاً، ولكنني أقول لك من الآن انه من الصعب التنازل عن منطقة غور الأردن. ولقد أعددنا في حينه خرائط المناطق الحيوية لأمن إسرائيل ومنطقة الأغوار كانت جزءاً لا يتجزأ منها، وأنا لا أستطيع أن اتخيل دفاعاً حقيقياً عن دولتنا بدون السيطرة المطلقة على هذه المنطقة بكاملها، وكذلك المعابر على نهر الأردن. فأهميتها الاستراتيجية لا تقدر بثمن. ومن يدعي اليوم بأنه يتوجب علينا عدم وقف عملية المصالحة مع الفلسطينيين من اجل بضعة الآف من المستوطنين أقول له اننا لسنا مخولين بتهديد أمن إسرائيل فسيطرة الفلسطينيين على هذه المناطق (خاصة المعابر) ستجعلنا ذات يوم في مواجهة جيوش اجنبية تعبر نهر الأردن. ـ وهل قادة الجيش الاسرائيلي عبارة عن دمى؟ ـ لا سمح الله، ولكنني أريد القول انه من حق الجمهور معرفة رأي الجيش ازاء الانسحابات التي يوافق عليها المستوى السياسي، خاصة في الضفة الغربية، والحملات التي يقوم بها الساسة ضد العسكر تؤثر في الرأي العام وهي غير مقبولة على الإطلاق فرد رئيس الحكومة (السابق) لم يكن إيجابياً على الإطلاق في مواجهة مخاوف قائد جهاز الاستخبارات عاموس مالكا ومسئول قسم الأبحاث في الجهاز نفسه عاموس جلعاد وقائد المنطقة الشمالية جابي اشكنازي حول الوضع الأمني في المنطقة الشمالية بعد الانسحاب من جنوب لبنان. وعموماً فأنا أطالب بوضع صيغة تمكن ضباط الجيش من إيصال آرائهم لوزراء الحكومة وليس فقط أعضاء المجلس الوزاري الأمني المصغر. فبعد الانتخابات إدّع وزراء سابقون في حكومة نتانياهو ومن بينهم موشي كاتساف رئيس الدولة اليوم، بأنهم لم يكونوا على علم بوجود ضباط في الجيش يؤيدون الانسحاب من المنطقة الأمنية. ومن المهم الآن أن تعلم الحكومة بأنّ هيئة الأركان العامة فيها آراء مختلفة، والمستوى السياسي الدبلوماسي هو القادر على الحسم ولكن ينبغي عليه معرفة الحقائق، وذلك أن الذي يجهل الحقائق لا يستطيع الحسم بشكل واع وسليم. ـ ما هي تفاصيل العملية العسكرية الفاشلة التي حدثت عندما كنت مسئول شعبة العمليات في جهاز الاستخبارات العسكرية؟ ـ كانت العملية تقضي باعتراض طائرة ركاب سورية كان من المقرر أن يكون على متنها (أبو جهاد) حسب المعلومات الاستخبارية، وشجعني في حينه مستشار رئيس الحكومة لشئون الارهاب عميرام نير على طرح العملية على رئيس الأركان وقائد الاستخبارات وتم اتخاذ قرار باعتراض الطائرة القادمة من ليبيا إلى سوريا فتبين وجود خطأ في المعلومات وأخذت المسئولية على عاتقي، وثارت ضجة كبرى لكنها سرعان ما هدأت وتلاشى الأمر. وجرى تحقيق في حينه بمشاركة رابين وزير الدفاع، وشامير رئيس الحكومة، ومسئول الموساد، وكان واضحاً أن الجميع يعرف إمكانية حدوث أخطاء من هذا النوع. ـ ما سبب غضب نتانياهو من لقائك ببيريز، ولماذا لم يهب أحد لدعمك عملياً عندما تقرر إنهاء وظيفتك العسكرية؟ ـ لم يتقرر إنهاء عملي ووظيفتي في الجيش الاسرائيلي، إنما العقوبة التي قررها رئيس الحكومة ووزير الدفاع كانت وقفي عن التفاوض مع الفلسطينيين. كان ذلك قبل انتخابات 1996. وهناك من يدعي أن الهدف كان تحسين وضع نتانياهو في صناديق الاقتراع. وهذه بالطبع سخافات فبسبب العمليات الأربع الكبرى في القدس وتل أبيب كان اغتيال المهندس يحيى عياش، ومع ذلك فلا شك لدي بأن تدخل الجيش في المفاوضات السياسية مع الفلسطينيين أدى إلى نشوء تنافر ما، وكان ينبغي ألا يحدث ذلك، كما أن نتانياهو أدرك لاحقاً بأنه اخطأ إذ لا يمكن إلقاء اللائمة على الجيش أو التشهير به لدخول بعض ضباطه الكبار في عمليات سياسية. فالضباط يتلقون الأوامر ولا يعملون خارج نطاق مسئولياتهم. ورابين عندما أشرك الجيش في التفاوض كان يهدف لأصلاح انحرافات أمنية ظهرت في إعلان المبادئ المسمى (اوسلو). ـ هل يمكن أن نكون الآن في خضم أخطاء كبرى، فتقديرات الموساد الذي يعاني في تقديري من أزمة حادة، أو جهاز الاستخبارات العسكرية الذي يقوده من يعتقد بأن جبل الشيخ مجرد جبل، هذه التقديرات ليست صحيحة ومضللة للمستوى السياسي، وبعد الانسحاب الأحادي الجانب من لبنان، كل شيء ممكن الحدوث، فهل هناك من لا يقول الحقيقة لشعب إسرائيل حتى في هذه الأيام وقد وصلنا إلى التسوية الدائمة؟ ـ أولاً: أنا أرفض هذا الاستخفاف بمسئولي جهاز الاستخبارات، أما أن كل شيء ممكن الحدوث فهذا صحيح، وأذكر أنني عملت بعد تخرجي من كلية الأمن القومي في اكتوبر 1982 مسئولاً عن الساحة الشرقية في قسم الأبحاث في الاستخبارات السياسية والعسكرية وبعد عملية «سلامة الجليل» عام 1980 كان أحد مسئولي الفروع يتعذب بسبب عدم قدرته على معرفة من هو الرئيس اللبناني القادم فمن الممكن أن تتغير التقديرات في لحظة، ورجال الاستخبارات ليسوا منجمين، والحال اليوم مشابه ونحن مشغولون بالرئيس السوري الشاب بشار الأسد. وأنا أعلم بأن هناك العديد من الباحثين في مراكز الأبحاث الأكاديمية يعملون على معرفة ما سيحدث في جنوب لبنان أو لبنان كله بعد انسحابنا من هناك وأنا أعتقد بأنه لا يوجد أحد يعلم بما سيحدث. والمثال الواقعي الملموس على ذلك كان يتعلق بتقييمنا للرئيس السوري الراحل، فكل من أعتقد بأنه يرغب في استرداد الجولان مقابل اتفاق سلام أخطأ فلو أنه كان يريد السلام مع إسرائيل فعلاً لتم ذلك منذ زمن طويل. وعموماً فقد كان رابين دائماً يقول ان الاستخبارات ينبغي أن تطلب المعطيات ومن ثم يقوم المسئولون ببلورتها إلى قرارات سياسية. ـ هل ترجع ردة الفعل العكسية التي نشأت وسط الجمهور المؤيد لنتانياهو إلى المبالغة في التنكر لأعماله السابقة لأنه تبين بأن اتفاقات اوسلو ما هي إلا اتفاقيات مرحلية في الواقع وليست اتفاقات سلام، كما أنها أفرزت الهجمات التي وقعت في القدس وتل أبيب عامي 1995، 1996 وما أعقبها أيضاَ؟ ـ ليس هناك من صلة بين الاتفاق المرحلي وأعمال العنف التي عددتها، وعودة إلى مسألة التقديرات الاستخبارية، فليس الجيش وحده الذي يقوم بهذا إذ تقف جميع الأجهزة الأمنية صفاً واحداً، ففي وزارة الخارجية مثلاً هناك من يعمل على هذه التقديرات دون الارتباط بالأجهزة الأمنية. وهذا يضمن تقاطعاً معيناً في المصادر الواردة في الحساب، كان مجلس الأمن القومي الذي أنشأه نتانياهو أمراً جيداً فهو يعمل على تزويد المعلومات غير المرتبطة بمصادر عسكرية، وللأسف هناك من سعى إلى تجميد عمل هذا المجلس الذي أعتقد أن بإمكانه المساعدة ذات يوم على عرض تقديرات مختلفة لأن الوضع المحيط بنا سائل ومتحرك جداً. ولا أريد أن يفهم من كلامي أنني غاضب ولكن ما يجري في لبنان الآن بعد انسحاب الجيش حتى الحدود الدولية يثير في داخلي قلقاً كبيراً وقد يتطور بسهولة إلى ما هو أوسع بكثير، فنحن نشاهد بأم أعيننا ما يقوم به الذين يصلون إلى هذه الحدود من إلقاء الكثير من الأشياء بما في ذلك الزجاجات الحارقة، باتجاه جنودنا دون خوف لأنهم يعلمون بأن جنودنا لن يردوا حتى لا تتسع دائرة المواجهة ويتعرض المدنيون الإسرائيليون القريبون من الحدود لإطلاق النار عليهم. ـ كانت الفترة الأولى الأصعب في تقديراتك هي عندما تبلورت فكرة حل النزاع مع الفلسطينيين بالطرق السلمية، فما هي الفترة الثانية الأصعب؟ ـ فترة حكم بنيامين نتانياهو. ـ بالمناسبة أين جرحت؟ ـ جرحت في منطقة جبل الروس عند منحدرات جبل الشيخ المتدرجة إلى لبنان من قبل نفس الموقع الذي دمره الجيش الاسرائيلي عند الانسحاب من لبنان، وعندما عملت ضابط استخبارات في هضبة الجولان عامي 1969-1970 كانت حرب استنزاف خطيرة تدور في المنطقة فأصبت من نيران هاون أطلقها الفلسطينيون. ـ هذا يعني أننا في لبنان منذ زمن طويل وقبل حرب (سلامة الجليل) عام 1982؟ ـ يتواجد جنود الجيش الاسرائيلي منذ نهاية الستينات في مواقع هناك، وفي أعقاب حرب حزيران تم إنشاء عدد من المواقع التي تم أخلاؤها في إطار الانسحاب من جنوب لبنان. ـ طالما أننا تحدثنا عن التقديرات الاستخبارية فأنه من المناسب الإشارة إلى الموساد الذي ارتكب خطأ فادحاً عشية حملة (سلامة الجليل) ومنذ ذلك الحين ارتكب اخطاء عديدة كما هو الحال مع مؤسسات مشابهة في الغرب التي اخطأت في تقدير انهيار الاتحاد السوفييتي ـ أي أن الموساد لدينا لم يتوقع أحداثاً مركزية، كما أنني لا أشير إلى الاخفاقات في كل من عمان وقبرص وسويسرا؟! ـ انت تتحدث عن المفهوم الذي اعتبر الكتائب المسيحية (أي الموارنة) حليفاً وهو المفهوم الذي تحول إلى شظايا في أعقاب الذي جرى في صبرا وشاتيلا ـ سبتمبر 1982 وهذا موضوع آخر، ولكن ما دمنا نتحدث عنه فانه يتوجب التأكيد على أن الذين يجلسون أمام الأنظمة الالكترونية والحاسوب هم بشر وليسوا رجالاً آليين معدين لتقديم جميع الاجابات. فالبشر هم الذين يتوجب عليهم إعطاء التقديرات ومن هنا تقع الأخطاء، وكلما كانت المشكلة أكثر تعقيداً وأكبر حجماً ازدادت فرص حدوث الأخطاء الكبرى. ليست هناك تقديرات صادقة مئة في المئة، كما أنني مستعد للقول بوجود اشخاص مختلفين يفسرون الأمور بشكل آخر، لكنها ظاهرة هامشية وربما لا أنفيها من الحساب تماماً. إضافة إلى وجود مؤثرات أخرى منها وسائل الإعلام والمواقف السياسية لرئيس الحكومة وأعضائها. ـ هل تعتقد بوجود بوادر أخطار انقسامية متواصلة في المجتمع الإسرائيلي؟ ـ بالطبع، هناك خطر انقسام فالصراع المتواصل بين ميرتس وشاس هو عبارة عن أعراض مرضية، وتصريحات الحاخام عوفاديا يوسف ضد يوسي ساريد (والشرعية) التي حصلت عليها في أوساط واسعة تثير كثيراً من عدم الارتياح لدى الأشخاص الذين يعتقدون مثلي بأن سيادة القانون قيمة عليا، وخطر الحرب بين الأخوة على هذه الشاكلة أو غيرها ليس مجرد تنبؤات لأفراد فقط. فالفجوات الاجتماعية الآخذة بالتعاظم والتي تنعكس في الأعداد الهائلة للبطالة ومخصصات الجوع للأولاد، هذه جميعها قد تؤدي ذات يوم إلى انفجار هائل لكن الخلاف حول الموضوعات السياسية هو الأكثر إثارة للقلق. ولم نصل بعد إلى هذه المرحلة 100%. ولكننا قد نصل إليها في مواجهة اتفاقية التسوية الدائمة مع الفلسطينيين والتي قد تلزم بإخلاء مستوطنات. كما أن الخلافات القطبية بين العلمانيين والمتدينين تقلقني وتنذر بالقلق، موضوعات التهويد والزواج المدني والارتباط بالمؤسسات الدينية واعفاء طلاب المعاهد الدينية من الخدمة العسكرية - هذه الموضوعات جميعاً هي محل خلاف مرير جداً ـ إذا أضفنا إليها الإشكالية المرتبطة بالعرب في إسرائيل الذين يعتبرون أنفسهم في كل الأحوال أقلية قومية ويشكلون على الدوام عاصفة قد تؤدي إلى اغراقنا جميعاً. إننا في مجتمع غير متجانس أبداً فتجمع الناس القادمين من جميع أنحاء العالم هنا لا تجمعهم الكثير من الأمور المشتركة وبعد مرور أكثر من أثنين وخمسين عاماً على قيام الدولة ازداد الاثرياء ثراءً والفقراء فقراً، وضمن هذا الإطار كله هناك الكثير من الفساد والتنصل من القيم والقواعد التي شكلت أساساً لقيام هذه الدولة. وهذا لا يعني أن هذه الأشياء لم تكن موجودة في السابق ولكن ارتفاع مستوى الوعي بالحقوق جعل الكشف عنها في الوقت الحاضر أمراً أعتيادياً فلم يكن مألوفاً في سنوات السبعينيات مثلاً الشروع في تحقيق مع وزير في قضية تحرش جنسي. لقد تغيرت المعايير وتغيرت مطالب الناس من الزعماء، موشي دايان كان لسنوات طويلة ينقل القطع الأثرية إلى منزله، أما اليوم فإن هذا العمل يدخل في نطاق السرقة. ما الحل في رأيك، إذ أن الأمل في دمج العرب الفلسطينيين في إسرائيل ضمن النسيج الاجتماعي للدولة اليهودية هو صفر، وعضو الكنيست عزمي بشارة مثلاً وصف أفراد جيش جنوب لبنان بأنهم عملاء إضافة إلى تأييده لحزب الله في اجتماع حاشد في ام الفحم ـ وهذا في نظري يصل حد الخيانة، أليس كذلك؟ ـ قد يبدو الحل غريباً في نظرك، وهو ينطوي على إيجاد دستور إذ أن الدستور يشكل عنصراً موحداً لا يكفي وجود قوانين أساسية، وقد كان للدستور منافع كثيرة في الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً. والأمر بطبيعة الحال معقد جداً والمطالب المختلفة لشرائح متنوعة من السكان لربما لا تفسح المجال للتوصل إلى إجماع، ولكن يتوجب علينا البدء من هذه النقطة. هل هناك إمكانية حقيقية لمثل هذه البداية، وهل هناك إمكانية لدمج العرب في الدولة اليهودية؟ ولإعادة القيم اليهودية الصهيونية التي تتعرض للتناقض والتناقص في زماننا وفي ظل مواقف اليسار المتطرف؟ ـ من الصعب علي رؤية مكاننا اليوم فوق الأرض أو مناقشة التحولات التي تجري من حولنا ولكنني أقول أن الطريقة الحالية التي نتحرك بها الآن لا تمنحنا الأمل في البقاء، وتقديراتي هي غاية في التشاؤم، لأن كل شيء ممكن الحدوث، حتى الأكثر كآبة قد يحصل في حال عدم حصول تغييرات مثيرة. والقبلية سوف تزداد وتتعاظم من خلال الطريقة التي ندير بها شئون حياتنا. وسيكون من الصعب جداً فيما بعد الوصل والوحدة بين الأسباط المختلفة، هناك الكثير من الانقسام والاحقاد، وهذه الأمور جميعاً يجب تسويتها. كما أشاطرك الرأي حيال التطرف في صفوف ما نسميه باليسار الإسرائيلي المتطرف. ولقد سمعت تصريحات تستنكر (حرب الاستقلال) والتي يصفها عدد من (المؤرخين الجدد) «بحرب احتلال» واننا نحن اليهود بمثابة جالوت ـ كما يرون بأن الهدف من (حرب الاستقلال؟) كان العمل على طرد السكان العرب من البلاد وقيام الدولة الصهيونية، وأنا أشمئز من هذه التصريحات كما هو الحال مع أقوال عوفاديا يوسف زعيم شاس الروحي حيال المحكمة العليا.