ـ وماذا بشأن مستوطنات الجولان؟ ـ لا يمكن أن تبقى في مكانها، والإبقاء على مستوطنات يهودية في ظل السيادة الفلسطينية أمر ممكن أما الإبقاء عليها في ظل سيادة سورية فمستحيل. أنا ملزم بالضغط عليك مرة أخرى فأنت تسمع التصريحات السورية المعادية لإسرائيل والقائلة بنظرية المراحل، فهم يقولون سنستعيد الجولان بدون حرب ومن ثم نواصل مقاومة الدولة الصهيونية بوسائل أخرى، لا توجد بوادر تقبل لنا لا في جانب السلطة الفلسطينية ولا في مصر ولا في الأردن ولا في سوريا فلماذا نستعجل هذه العملية غير المتوازنة وبكل هذا الاندفاع. ـ ما هذه السذاجة التي لديك أنت ورفاقك في التيار اليساري. ألا تسمع ما يقوله اللاجئون الفلسطينيون والعرب في إسرائيل عن أن يافا وحيفا هي منطقة (أ)؟ ـ أولاً: نظرية المراحل ليست نظرة جميع الفلسطينيين أو جميع السوريين ، فالفلسطينيون مثلاً لم يعودوا إلى الحديث عن هذه النظرية بالشكل الذي تصفه أنت، كان ذلك في الميثاق قبل إلغائه في إطار اتفاقية السلام، ولكن هناك مجموعات فلسطينية وأخرى سورية لا تزال تؤمن بهذا الشعار وترفعه، وعلى كل حال فالسلام يتم صنعه مع الأعداء وعلينا أن لا نتوقع قيام كل فرد في معسكر الأعداء سابقاً بمعانقة وتقبيل كل زعيم إسرائيلي، فشارون كما يبدو لي لم يصافح أي زعيم فلسطيني علناً، ونحن بحاجة للسلام مع جيراننا. أما سؤالك لماذا العجلة فجوابه بسيط، لأن البديل الآخر هو الحرب وأنا لا أريد حروباً، لقد مررنا بالكثير من التجارب القاسية والتي لا نتمنى عودتها مطلقاً. هذا إضافة إلى أن عوامل العزم والإرادة تراجعت لدى المجتمع الإسرائيلي برمته ولن نتمكن من تحمل الخسائر والضحايا في حال استخدام وسائل غير تقليدية في الحرب. كما أننا لا نستطيع العيش مثل اسبارطة الأسطورية، ولذلك يتوجب علينا البحث عن حلول خلاّقة ممكنة وإيجاد شركاء حقيقيين لنا. ـ كيف ترى مستقبل العلاقة بين إسرائيل وجاراتها، كونفدرالية مع الدولة الفلسطينية والأردن « والبروفيسور بن عامي ربما لا يرفض ذلك» أو فصل أو اندماج، وربما هناك ضرورة أو من المناسب اعتبار الأردن هو الدولة الفلسطينية كما يعتقد عضو الكنيست ريفلين وإنشاء نوع من السيادة المشتركة في الضفة والقطاع للأردنيين على الفلسطينيين ولنا على اليهود؟ ـ لا أعتقد بأن ما يقترحه ريفلين عملّي، ربما هناك أغلبية فلسطينية في الأردن، ولكني لا أرى بأن الفلسطينيين يعتبرون الأردن دولتهم، هذا أمر غير ناجح، كما لا أرى كونفدرالية مع الدولة الفلسطينية التي ستنشأ في مناطق تخليها إسرائيل في الضفة والقطاع أما الذي أراه فهو إنشاء مناطق تجارة حرة مشتركة لنا وللفلسطينيين بل وربما شرق أوسط جديد وفق الصيغة التي يتحدث عنها بيريز وبإمكان إسرائيل المساهمة في تطوير المنطقة بأسرها إذا توقف العرب عن الخوف منها. وبكل بساطة ينبغي وقف الحديث أو التطلع إلى الحرب والبحث عن سبل تغير من كوننا دولة تقوم على حد السيف. علينا تغيير برامجنا والتوجه نحو الأمور الاجتماعية، وهذا بالإمكان فعله في حال تحقيق السلام. ورابين اعتقد هو الآخر بأننا إذا استطعنا التوصل إلى سلام مع سوريا فسنستكمل الدائرة مع دول المواجهة جميعاً وبعد ذلك يسهل علينا التعامل مع العراق وإيران، كما سيسهل حل المشكلة الفلسطينية، ولكن للأسف لم ينجح الأمر. ـ هذا يعني أنك كنت تؤيد إنهاء النزاع مع سوريا قبل إنهائه مع الفلسطينيين والفلسطينيون لم يكونوا يريدون انتظار بشار الأسد أو استقرار الوضع على الحدود الشمالية ومع ذلك فهم على استعداد للأخذ بنموذج حافظ الأسد أي المطالبة بالانسحاب الكامل من جميع الأراضي التي احتلت عام 1967؟ ـ أنا أعلم بأن خيار «سوريا أولاً» لم يعجب الفلسطينيين إطلاقاً، كما أنني أعرف بالخلاف الذي كان في الحكومة حول الموضوع. وطالما سمعنا الوزير شلومو بن عامي الذي طالب بانهاء النزاع مع الفلسطينيين بالذات لأنه ينطوي على أهمية كبرى إذا كان ذلك ممكنا، وكان موقفي مختلفاً، فأنا اعتقد بأنه إذا لم يتم السلام مع سوريا قبل انتهاء ولاية الرئيس كلينتون فإن نافذة الفرص ستغلق لفترة زمنية طويلة «وهذا ما حدث»، صحيح أنني طالبت بعدم التسرع والانتظار لرؤية ما سيحدث في نظام السلطة الجديد بدمشق، وهو موقف لا اتراجع عنه ولكنني في الوقت نفسه اعتقدت بوجوب عدم الكف عن السعي من أجل التوصل إلى تسوية مع سوريا. من دون تنازل عن المبادئ التي ذكرتها سابقاً. وعلى كل حال فقد جرى ما جرى، أما اليوم وبعد الانسحاب من لبنان فإن الجهود الأساسية موجهة نحو الفلسطينيين بينما سيضطر الموضوع السوري إلى الانتظار. ـ هل تقبل بمبدأ الفصل مع الفلسطينيين؟ ـ كما قلت آنفاً فإنه من المستحيل إقامة دولة فلسطينية دون الحديث عن الفصل، والذي يتحدث عن عدم الفصل لا يتحدث عن دولة فلسطينية وإنما عن دولة ثنائية القومية تمتد من الأردن حتى البحر الأبيض المتوسط، على غرار ما يقترحه ريفلين تقريباً، يجب وضع الأسيجة الحديدية والقيام بعملية الفصل من خلال إيجاد معابر مفتوحة. وينبغي أن يكون هناك قرار بهذا من الدولتين. لقد طال أمد المفاوضات مع الفلسطينيين الموضوعات المطروحة على جدول البحث قديمة ومكررة ونقاط الخلاف معروفة، والعاملون في حقل الاتصالات ليسوا جدداً فإنه بالتالي يجب العمل على خلق صيغة للإنجاز هي مؤلمة للطرفين لكنها تجنبنا دفع ثمن باهظ للتطرف، يجب الإسراع من طرفنا لأنه كلما حدثت مواجهة مع الفلسطينيين انجّر المعتدلون في صفوف العرب في إسرائيل إلى التطرف والتصعيد الذي يصعب التنبؤ بنتائجه. ـ وبصفتك مشاركاً للاتصالات التي أنتجت «اوسلو ب» هل تعرف مدى بساطة الأمور؟ ـ اتسمت المرحلة الأولى التي سبقت اتفاق غزة أريحا والتي أدارها أمنون شاحاك بكفاءة عالية وكانت الأكثر إشكالاً، فقد تلمس الفلسطينيون من بيان المبادئ الذي تم التوقيع عليه في واشنطن نتائج ميدانية على الأرض، وبدأت مشاركتي في المرحلة العملية الثانية الهادفة إلى إنجاز اتفاق مرحلي، وكان ذلك في فبراير من العام 1995 بعد فترة قصيرة من تعييني منسقاً لأعمال الحكومة في المناطق. ولم يكن لدي شعور بأننا سننجز أكثر من اتفاق غزة أريحا، وكانت الأداة السياسية لدينا تريد اختبار تقبل الجمهور الإسرائيلي تجاه الاتفاق الذي سيتم التوصل إليه، مع أنني كنت أدرك أن أي اتفاق يقوم على التنازل عن أراضي في قلب الارض التوراتية هو أصعب بكثير من الانسحاب من غزة. ـ بعد التوقيع على اتفاق الانسحاب من غزة وأريحا، هل تبلور موقف لدينا بمنح فترة زمنية لاختبار الالتزام الفلسطيني به؟ ـ الشعور العام كان يريد اختبار كيفية العيش مع هذا النموذج، والوسط اليهودي عموماً كان يرغب بالتخلص من غزة، حتى المصريين لم يرغبوا بها ضمن اتفاق كامب ديفيد. أما أريحا فقد تم كسر تابو معين بالتنازل عنها، لكن الصعوبة كانت تكمن في تجاوز هذا الاتفاق إلى اتفاق آخر مع الفلسطينيين أوسع نطاقاً. ولم أكن في تلك المرحلة آمل بالوصول إلى اتفاق مرحلي آخر يتضمن تنازلاً عن أراض أخرى. ـ ولكن لماذا الاتفاق المرحلي وتسليم الأراضي وهي الذخر الوحيد الذي نملكه من أجل المقايضة في مفاوضات التسوية - وفق ما يعتقده أصحاب مبدأ الأرض مقابل السلام- قبل تلخيص الأمر مع الفلسطينيين في المسائل المؤلمة لنا ولهم؟ ـ لأن هذا هو النمط الذي تحدد، كان هناك احتمالان الأول: محاولة توضيح جميع المسائل المختلف عليها معاً، وهذا ما لم يكن واقعياً في حينه، والثاني القيام بالأمر على نحو تدريجي «كما هو متّبع في الحمية الغذائية» واعتقد واضعو السياسة أنه سيسهل على الإسرائيليين تجرع الأمر على دفعات، والذي اتضح فيما بعد أنه ليس سهلاً هو الآخر. وازدادت حدة الانقسامات على ضوء التنازلات الإقليمية إلى أن وقع مقتل رابين. ـ من المؤسف أنك تضرب الأمثال الصحية المتعلقة بالحمية وغيرها على أرض إسرائيل، وهو أمر لا اقتنع به، واغتيال رابين كان بلا شك عملاً خسيساً، ولكن لا يوجد حتى الآن برهان على أن طرفكم هو الصادق في مسألة الانسحابات الكبرى، ورئيس الوزراء الأسبق اسحق شامير مثلاً اعتقد في حينه ولا يزال يعتقد بأنكم ارتكبتم خطأ فادحاً؟ ـ أريد أن أقول بهذا الصدد أن كل من أداروا المفاوضات لا يقل حبهم لأرض إسرائيل عن الآخرين، فأرض إسرائيل لها مكانة في قلب كل من يعتقد بأن الثورة الصهيونية كانت ضرورية لتقيم لهم دولة مستقلة في هذه البقعة من العالم تحديداً، ولكن هناك واقع يملي علينا حلولاً مؤلمة. وما دمنا قد بدأنا فلنمض قدماً. وأحب أن أقول هنا بأن الجرح الذي انفتح ليلة مقتل رابين لم يبرأ بعد. ـ أريد أن أفهم الشكل الذي تصورتم فيه الحل الدائم من خلال منظور شامل؟ ـ أقول أنه كان يتوجب القيام بتنازلات، كما أنه كانت هناك ضرورة لإحراز اتفاق شامل مع الفلسطينيين بشكل تدريجي بناء على إعلان المبادئ الذي لم يكن من الممكن دونه الوصول إلى حل شامل ومحو مائة عام من العداء بجرة قلم. وبسبب المشكلات الصعبة المتعلقة بالقدس وحق العودة، وعلى ضوء رغبة قادة إسرائيل السماح للفلسطينيين بإدارة شئونهم بأنفسهم كان لابد من تقديم تنازلات تدريجية للفلسطينيين ، وهذا هو نموذج الحمية . وأنا أعتقد بأن هذا هو الأسلوب الأمثل وبدونه ما كان يمكن للجمهور اليهودي تقبل الأمور ، كما أن هذا كان سبباً في الحيلولة دون وقوع اقتتال داخلي ، وعملية اغتيال رابين كانت صورة لبراعم هذه الحرب ، والذهول والخوف الذي أصاب الإسرائيليين بعد ذلك مخافة حدوث المزيد والانتخابات التي أوصلت نتانياهو الى سدة الحكم كانا سبباً في تبريد الأجواء وأحداث فاصل زمني أتاح للمتطرفين استيعاب صعوبة التحرر من الالتزامات الدولية. ـ يبدو من ذلك بوضوح أن القيادة السياسية التي كنت من العاملين فيها عملت على تضليل الشعب؟ ـ هذه عبارة عن سخافات ، فكل من تابع تطورات الأمور أدرك بأن أوسلو (أ) ليس اتفاق سلام بكل ما تحوي العبارة من معنى ، ولم يكن بالامكان جسر الفجوات بين العرب واليهود بقفزة واحدة. من هنا تم انشاء الممر الذي يطلق عليه التسوية المرحلية على طريق التسوية الدائمة ، ولا يساورني أي شك الآن بأن هذا كان الحل الصحيح ، واتفاق أوسلو (أ) كان بالنسبة لرابين وبيريز انطلاقة تاريخية. ولذلك استحقا جائزة نوبل للسلام، وكذلك عرفات . وتجدر الإشارة إلى أن خبر فوزهما بالجائزة 14 أكتوبر 1994 في اليوم الذي فشلت فيه محاولة تخليص الجندي نحشون فاكسمان وبعدها بخمسة أيام وقع الانفجار بالحافلة رقم 5 في تل أبيب والذي أدى إلى مقتل واحد وعشرين شخصاً وإصابة الكثيرين. ـ لم يكن سير الأمور مشجعاً خلال تلك الفترة؟ ـ على الإطلاق إذ كان الأمر بحاجة إلى قوة نفسية هائلة لمواصلة العمل الذي نؤمن به، وكمنسق لعمليات الحكومة كان مطلوباً مني تسليم ثماني صلاحيات مدنية للفلسطينيين وكان مفاوضي هو جميل الطريفي ، وكانت الصلاحيات معنية بالزراعة والصحة والاتصالات والاشغال العامة ، وطالب الفلسطينيون بصلاحيات في الضفة وليس في غزة فقط ، وقيل لي بأنهم لن يكتفوا بهذا وسيستمرون في مطالباتهم بتسليم الأراضي فعلياً ، وقد وقعنا الاتفاق في القاهرة في مايو 1995. وفي حينها طرح مفهوم جنين أولاً وكانت النية تقضي بتسليم أراض معينة في الطرف الشمالي للضفة الغربية ولم يكن معقولاً تسليم سبع مدن في آن واحد ، هذه صيغة تطورت فيما بعد وقمت بمعارضة ذلك. ـ واضح أنه لم تكن هناك رؤية شاملة للأمور كما لم يتم اتخاذ قرار استراتيجي في اطار هيئة سياسية دبلوماسية أمنية ، وكل ما كان يحدث هو من خلال عوامل الصدفة ودون تنظيم ، فهل هذه الصورة صحيحة؟. ـ أنا لا أوافق على الطريقة التي تعرض بها الأمور ، فقد كان هناك تطور منظم لكن الصعوبات كانت تعترض التطبيق كما واجهتنا صعوبة تمويل الطرق الالتفافية المقدرة بمئات ملايين الشواكل ، وبالمناسبة أقول أن جميع المحاور الالتفافية التي نعرفها هي من صنع رابين ، فقد كان هو صاحب فكرة تنقل اليهود في مستوطنات الضفة بأمان على طرق لا تمر بالمناطق الفلسطينية. وأعتقد بأن رابين هو الآخر راودته الشكوك إزاء كل ما يتعلق بتطبيق الاتفاقيات ميدانياً . ايلان بيران كان قائد المنطقة الوسطى وترأس قضية تعبيد هذه الطرق ، وفي نهاية الأمر ومع حلول يوليو 1995م حصلت العملية على زخم ، حيث تم لأول مرة طرح موضوع الانسحابات وقضية الخليل ، وقد عارضت الانسحابات اعتقاداً مني بارتباطها بالتسوية الدائمة أكثر مما هو بالتسويات المرحلية. ولكني كنت ضمن الأقلية ، وأعتقد بأنه بات واضحاً لي الآن من أن حجم ونوعية الانسحابات زادت من طموحات الفلسطينيين إلى جانب ارجاء التسوية الدائمة لكي يستنفذوا أقصى ما يمكن من الانسحابات في المرحلة المؤقتة . وهذا في تقديري هو السبب الرئيسي لفشل المفاوضات المرحلية ، كما اعتبرت الأمر بمثابة ضياع ورقة المساومة منا على طريق التسوية الدائمة ، وشاطرني رابين الرأي في حينه لكنه قبل في نهاية الأمر موقف كل من أوري سافير وعوزي دايان . ـ موضوع الانسحابات كله مثير للغضب ، فمن هو المسئول عن هذه البلاهة الفظيعة بتسليم الأراضي دون التسوية الدائمة ، والتي تذكرني إلى حد ما بالانسحاب من لبنان ؟ ـ أولاً ليس هناك من صلة بين الأمرين إلا إذا كنت تعتبر كل انسحاب هو عمل شيطاني حتى لو تم في مناطق ليست لنا فيها مطالب إقليمية، وقلت لك أن موضوع الانسحابات المرحلية اعترته أخطاء ناجمة عن عدم وجود تعريفات مرضية في هذا الشأن. والذي يمكن فهمه من إعلان المبادئ بعد نهاية العملية - أي بعد ثلاثة انسحابات أنه يصبح بيد الفلسطينيين كل ما هو ليس معرفاً كمنطقة أمنية أو استيطانية، ولكن الغموض إزاء هذا الموضوع كان كبيراً أيضاً، فمنطقة غور الأردن مثلاً منطقة عسكرية مغلقة خاصة بتدريبات الجيش الاسرائيلي، وكذلك لم يتم تحديد تعريفات دقيقة بالمستوطنات، أنا لا أصدق أنه كان هناك أساس للاعتقاد بأنهم سوف يحصلون على 90% من الأرض في إطار التسوية الدائمة. ـ ما هي النسبة التي اعتقدتها؟ ـ لكي أكون صادقاً فأنا لم أعتقد بأن النسبة ستتجاوز الخمسين بالمائة من الأرض تسلم للفلسطينيين حتى نهاية العملية. أي إنه وفي إطار التسوية الدائمة فإن مساحة الدولة الفلسطينية ينبغي ألا تزيد عن 60% من مساحة الضفة الغربية في تقديري، وأنا أعلم أنهم وعدوا بأكثر من ذلك في كامب ديفيد لكنني لا أدري كيف يمكن ضمان أمن إسرائيل دون المحافظة على المعايير التي ذكرتها سابقاً. ـ لقد تحدثت عن إمكانية قيام صدام حسين بالعمل ضدنا فماذا يعني هذا؟ ـ الأمر يتعلق «بقنبلة موقوتة» ويجب أن نأخذ في حساباتنا أن الرئيس العراقي سيبذل كل جهد من أجل الانضمام إلى كل من يفتح النار ضدنا، كما يجب أن نتوقع إمكانية نشوء مواجهة عسكرية مع سوريا، وعلى هذا الأساس من الممكن أن تنشأ علاقة سورية عراقية تتجاوز العداءات القاسية بين الطرفين، إضافة إلى أنه لا يزال هناك تأييد لصدام حسين في الأوساط الفلسطينية، ولا تزال مطبوعة في ذاكرتنا صورة البهجة التي كانوا عليها والصواريخ العراقية تضربنا. وقد عبر يوسي ساريد في حينه عن خيبة أمله من هذا السلوك الذي يتناقض مع توجهات المصالحة التي أخذت تتحرك وتنمو في أوساط اليسار الإسرائيلي، والآن هناك ظاهرة لافتة للنظر في أوساط العرب الفلسطينيين في إسرائيل من خلال تشجيعهم لحزب الله ورفعهم للأعلام الفلسطينية وحرق الاعلام الإسرائيلية، بل أن عضو الكنيست عزمي بشارة يتمادى في هذا الإتجاه. ـ ألا تعتقد بإمكانية قيام زعيم إيراني بالتعاون معنا لمواجهة أعدائه الإيرانيين؟ ـ هناك إمكانية من هذا النوع، وعلينا التذكر دائماً بأن الشرق الأوسط ملئ بالمفاجآت فأعداء الأمس يتحولون اليوم إلى حلفاء، والعكس أيضاً فالأتراك مثلاً هم اليوم أفضل أصدقائنا بينما كانوا في الماضي غاضبين منا لأننا قدمنا مساعدات للأكراد. ـ ما رأيك بفكرة التهجير «الترانسفير» وكيف تتعايش معها؟ ـ أعتقد أن هذا الموضوع في إطاره السياسي الدبلوماسي خرج عن مساره، إذ لم يتحدث أحد مرة واحدة عن مواطني دولة إسرائيل كما أنه لم يؤيد أحد عملية التهجير بالقوة للعرب في مناطق الضفة والقطاع وهذه الأفكار جميعها غير واقعية وينبغي علينا اليوم أن نتذكر بأنه لولا ترك أو فرار عرب 1948 البلاد لكان وجه الدولة اليهودية الآن مختلفاً كلياً وما كان بإمكانها أن تقوم لولا التقسيم. ـ إنك تتحدث عن حلم السلام مع العرب فكيف يتفق هذا مع القومية العربية التي تتزايد من حولنا وحتى في أوساطنا هنا؟ ـ ينبغي إعطاء رأينا فيها كما إنه بالإمكان وقف هذا التيار العكر الذي يتدفق داخل القرى والمدن العربية، لدينا القوة فقط إذا أوجدنا في الدولة اليهودية مكاناً لمن هم ليسوا يهوداً، في إعلان دولة إسرائيل ورد بأنها ستحرص على تطوير البلاد لمصلحة جميع سكانها ولتكون قائمة على أساس الحرية والعدل والسلام على ضوء نبوءات وأحلام أنبياء إسرائيل: أي تحقيق مساواة في الحقوق الاجتماعية والسياسية الكاملة لجميع مواطنيها، وينبغي علينا العمل وفق روح هذه المبادئ. ـ هل تعتقد بأن الفجوة بيننا وبين العرب يمكن أن تتقلص إذا قدمنا تنازلات بعيدة المدى؟ ـ الفجوة تتقلص أولاً لأنهم يملكون موارد أكثر بكثير مما نملك نحن، فمخزون الطاقات البشرية في الدول العربية يفوق ما عندنا بعشرات الأضعاف، وفي مواجهة هذه الحقيقة علينا مضاعفة القوى التكنولوجية داخل الجيش الاسرائيلي، وعلينا التحسب للقتال غير التقليدي كمسألة الصواريخ بعيدة المدى القادرة على إصابة الجبهة الداخلية الحساسة والمكشوفة في أي وقت. وأنا لا أتطرق إلى إمكانية قيام حرب نووية ولكن خلال سنوات قليلة سيكون لدى بعض أعدائنا مثل هذا الخيار،والتفكير في مثل هذا الموضوع يتسبب لنا بصدمة. ـ في ظل حروب كهذه يصبح ليس من الضرورة بمكان الاعتماد على نوعية الجندي الإسرائيلي في مواجهة الطرف الآخر على جبهات القتال، خاصة وأننا نسمع بضباط كبار يتسرحون من الجيش لمصلحة العمل في الصناعات التكنولوجية المتقدمة فماذا تقول؟ ـ الحرب التقليدية هي المتوقعة على المدى المنظور، وعلى هذا الأساس فان نوعية المقاتل وسلاحه مسائل هامة، أما في الحرب الأخرى كالصواريخ بعيدة المدى فإن عنصر نوعية المقاتل يتلاشى وشعرنا بذلك في حرب الخليج فقد وصلتنا الصواريخ من مسافات بعيدة جداً ولأجل اعتراضها في حال اتخاذ قرار بذلك كانت هناك ضرورة لاستخدام ذراع طويلة جداً، وفي الإمكانية الأخرى يجب تفعيل نفس أنواع الأسلحة والصواريخ والطائرات أو الوحدات المحمولة جداً، وهذا الأمر يحتاج إلى الكثير من الحذر فهو في حال الفشل يحدث خسائر فادحة ويوقع الكثير من الأسرى. ـ من هنا كان دور بعض الدول مثل إيران والعراق؟ ـ لا شك في ذلك. ويجب علينا أخذ الحيطة والحذر حتى عندما نفكر في كيفية إنهاء المفاوضات مع الفلسطينيين فالعراق وإيران على صلة بالموضوع بشكل أساسي إذا ما قاما بإطلاق صواريخ من مسافات بعيدة من شأنها المس قبل كل شيء بالمعنويات الوطنية، لا يمكن للصواريخ أن تحسم حروباً ولكن بإمكانها وقف عملية تجنيد الاحتياط، والأمر لا يحتاج إلى صواريخ متطورة أو من نوع دقيق ويكفي لإثارة الهلع التفكير في إمكانية حملها لرؤوس كيميائية أو بيولوجية، وسلاح الجو غير قادر على مواجهة مثل هذه التهديدات ولا توجد طريقة معروفة لضرب صاروخ في أثناء طيرانه نحو الهدف، ينبغي احتساب كل شيء، كما إنني لا أدعي أن إنهاء المفاوضات مع الفلسطينيين سيؤدي إلى تهدئة الجانبين العراقي والإيراني، ولكن الأمر قد يخلق ظروفاً أفضل من مثل توجه دول العالم المتقدم نحو تحديد الحدود ووضع النقاط الحمراء، كما فعلوا في السابق مع القذافي. ـ لماذا لا نكون جاهزين للمخاطر التي تتحدث عنها؟ ـ نحن جاهزون، بل هناك ما يمكن فعله، وإنشاء قيادة الجبهة الداخلية كان أحد الفعاليات التي قمنا بها بعد حرب الخليج، ولدينا الكثير تجاه تطوير أنظمة اعتراض الصواريخ والصناعات الأمنية، لكن الذي يقلقني فعلاً هو إمكانية امتلاك دول مثل العراق وإيران لأسلحة نووية. إذ أن امتلاك الرئيس العراقي أو الإيراني لقنبلة نووية من شأنه إبعاد النوم عن عيون قيادات الدولة في إسرائيل. وأنا لا أعتقد بأن هناك من يفكر في استخدام هذا النوع من السلاح، لكن التفكير في الاحتمالات مقلق للغاية وإذا كانت إسرائيل تمتلك مثل هذا السلاح فهذا معناه نشوء «توازن رعب» كما كان الأمر في السابق بين أمريكا وروسيا. ـ مع كل احترامي لقدراتك التحليلية إلا أنني أرى الأمر مختلفاً فسقوط قنبلة واحدة علينا لن يجعل ردود فعلنا موضوعية؟ ـ أنا لا أوافقك الرأي أبداً، ولأن الموضوع حساس فأنا لا أريد التعمق فيه.