لا أدري بالضبط هل نشعر كعرب حكاما وشعوبا بأن هناك مخططا مكتمل الأركان يجري اعداده في وضح النهار وأمام عيوننا يشبه تماما ما حدث في يونيو 1967 أو ما حدث أثناء كارثة حرب الخليج الثانية عام 1991. ولمن لا يبصر فإن اسرائيل الآن تحت قيادة الليكود والعمل «لا فرق بينهما» تخطط لعمل استراتيجي بعيد الأمد، في حين نتعامل نحن مع الأمر بالتجزئة. القضية لم تكن ولن تكون اغلاق أو احتلال بيت الشرق، أو قصف غزة أو احتلال جنين، أو هدم منازل الفلسطينيين وتجريف زراعاتهم، أو حتى تدنيس الأقصى ... القضية يا سادة أخطر بكثير مما نتصور أو كما نحاول أن نوهم أنفسنا. العدو يدرك ان ثمة موقفا عربيا شعبيا وشبه رسمي يتبلور باتجاه ضرورة التحرك لنجدة الفلسطينيين، وبالتالي فهو يتعامل مع الأمر باعتباره خطرا حقيقيا يتهدده، ولذلك يعد عدته للتعامل مع الأمر كما ينبغي أن يكون، وقد لا يكون الأمر مفاجأة حينما نستيقظ فجأة ـ كما يحدث عادة ـ لنراه لم يكتف فقط باعادة احتلال كل الضفة وغزة، بل بخروج جيشه مرة أخرى إلى خارج فلسطين التاريخية. مشكلة اسرائيل الحالية كما أوضحتها الانتفاضة لا تتمثل كما نعتقد في احتلال جنين أو غزة أو أي من المدن الفلسطينية المزدحمة، فقد ثبت باليقين بعد درس أوسلو ان جل همها كان الخروج من هذه الورطة، ولا ننسى قول اسحق رابين حينما تمنى أن يستيقظ ذات صباح ليجد غزة وقد ابتلعها البحر!، وها هو بيريز يعيد طرح الانسحاب تماما من غزة شريطة وقف الانتفاضة. مأزق إسرائيل المركب والمعقد وغير المسبوق يتمثل في اعتقادها الكاذب ان الفلسطينيين بعد أوسلو قد تم تدجينهم للأبد، وسيقبلون بأي عرض في اطار استمرار الاحتلال تحت مسميات أخرى، لكن المفاجأة التي أربكت اسرائيل كما يقول بحق الكاتب البريطاني، روبرت فيسك هي ان الفلسطينيين لم يعودوا يعرفون شيئا اسمه الخوف، لا شيء يخسرونه، وتجربة حزب الله الباسلة علمتهم ان عدوهم يمكن هزيمته، ولم يعودوا وحدهم يتألمون، ويشيعون شهداءهم، العدو أيضا يبكي ويشيع كل يوم قتلاه. هذا المأزق الاسرائيلي يبحث عن طريقة للخلاص، وهدفه هو كسر ارادة الانتفاضة معنويا، بعد أن فشلت كل أساليبه العدوانية من قتل وتدمير واغتيال، ولذلك فقد يلجأ إلى عدوان شامل يصيب كل الأمة في مقتل، مراهنا على دعم وتآمر أمريكي لا يكلف نفسه عناء مداراة انحيازه ... ازاء ذلك ماذا أعددنا كعرب لمواجهة هذا المخطط؟ الانتفاضة من جهتها أدت ما عليها وأكثر، وضربت نظرية شارون الأمنية في مقتل، لكن مشكلتها الجوهرية تظل انها بلا غطاء أو ظهر عربي يحميها، ولذلك فان الاسرائيليين يراهنون على ان رد فعلنا العربي لن يخرج عن طريقتنا التقليدية التي نمارسها الآن ببلاهة منقطعة النظير. المؤامرة تحاك أمام أعيننا ولم نكلف أنفسنا حتى عناء سؤال ماذا أعددنا لمواجهة خطة جهنم الصهيونية؟! عماد الدين حسين