كان خطأ استراتيجيا فادحا أن يوافق ياسر عرفات في اتفاق أوسلو - 1 المبرم في 13 سبتمبر عام 1993 على إرجاء مسائل القدس واللاجئين وحدود الدولة الفلسطينية والمستوطنات إلى مرحلة مفاوضات التسوية النهائية دون تضمين إعلان المبادئ الفلسطيني الإسرائيلي أية قواعد أو أسس مرجعية لحل هذه المسائل بالغة التعقيد. واكتفى عرفات باقتراح وزير خارجية النرويج بشأن تعهد إسرائيل بالحفاظ على الوجود الفلسطيني في قصر أسرة الحسيني الشهير ببيت الشرق، وفي المكاتب الاقتصادية والاجتماعية والإعلامية للفلسطينيين في القدس الشرقية، وقد حرر شيمون بيريز وزير خارجية إسرائيل آنذاك كتابا بهذا النص موجها إلى نظيره النرويجي. وتكرر الخطأ الاستراتيجي الفلسطيني الخطير في اتفاقية أوسلو - 2 المبرمة في القاهرة في 4 مايو 1994، إذ استمر تجاهل قضية القدس الشرقية على الرغم من استمرار مخطط تهويد المدينة، وخطة فصل القدس الكبرى عن الضفة الغربية لنهر الأردن، مع أن القدس كانت وستظل جوهر القضية الفلسطينية، بل والمحور الرئيسي للاهتمام العربي والإسلامي في مسارات الصراع العربي ـ الإسرائيلي. التسويف الصهيوني وفي شهري مايو ويونيو 2000 تمت جولة مفاوضات سرية في ستوكهولم، أصر فيها الإسرائيليون على رفض مناقشة قضية القدس قبل الاتفاق على مسائل حدود الدولة الفلسطينية، وأمنها، والمستوطنات والمياه والتعاون الاقتصادي، كما حاولوا بقيادة شلومو بن عامي التركيز على وثيقة بيلين - أبو مازن التي صيغت في نهاية عهد رئيس الوزراء القتيل إسحاق رابين، والتي نصت مسودتها على توسيع حدود القدس لتضم قرى أبو ديس، والعيزرية والسواحرة الشرقية، والرام، والزعيم الفلسطينية، وكذا مستوطنات معليه أدوميم، وجيفات زئيف، وجيفون الإسرائيلية، والاكتفاء مرحليا بحكم ذاتي فلسطيني في القدس الشرقية تحت السيادة الصهيونية. وفي كامب ديفيد طالبت إسرائيل بالسيادة على الحرم الشريف الذي تسميه بجبل الهيكل، وبحق اليهود في الصلاة في أرجائه مع تفويض الفلسطينيين بإدارته، ومنحهم ممرات إليه من خارج القدس يمتد أحدها من قرية أبو ديس إلى المسجد الأقصى. وفي المقابل، تمسك عرفات في كامب ديفيد الثانية بالسيادة الفلسطينية على القدس الشرقية بكاملها، وعرض الإدارة الإسرائيلية للحي اليهودي والحائط الغربي للمسجد الأقصى مع استمرارهما تحت السيادة الفلسطينية. واقترح عرفات أن تكون القدس مدينة مفتوحة وأن يكون هناك تعاون إسرائيلي فلسطيني في الشئون البلدية للمدينة. كذلك طلب أن تدخل المستعمرات الاستيطانية المقامة حول القدس الشرقية بعد عام 1967 ضمن مخطط تبادل الأراضي بين إسرائيل والدولة الفلسطينية. وطالب الرئيس الفلسطيني الإسرائيليين بتقديم مقترحات مكتوبة بشأن القدس وغيرها من موضوعات التفاوض إلا أنهم لم يستجيبوا لمطلبه، وقدموا ورقة وحيدة مختصرة عن العودة الرمزية لبعض اللاجئين إلى إسرائيل. وفي طابا جرت مباحثات النزع الأخير لايهود باراك مع السلطة الفلسطينية، وخلالها راوغ الإسرائيليون في مسألة اعتبار القدس الشرقية أرضا محتلة ينطبق عليها مبدأ عدم جواز الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة طبقا لقرار مجلس الأمن رقم 242 /67، ورفضوا وقف الاستيطان في القدس الشرقية، والتعديلات التي يدخلونها على حدود المدينة، وكرروا تمسكهم بوحدة شطري القدس الغربي والشرقي بما يتفق مع الموقف الأمريكي في مبادرة الرئيس ريجان في سبتمبر 1982، التي دعت إلى بقاء القدس دون تقسيم على أن يتقرر مصيرها في المفاوضات النهائية. وألمح الإسرائيليون في كامب ديفيد وفي طابا إلى قرار الكونجرس الأمريكي الذي صدر في مارس 1995 بالاعتراف بالقدس عاصمة موحدة وأبدية لإسرائيل، وإلى قرب انتقال السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس. القدس والانتفاضة الثانية اشتعلت الانتفاضة الفلسطينية في 28 سبتمبر 2000 حين انتهك آرييل شارون قدسية المسجد الأقصى، وشهدت المدينة القديمة داخل الأسوار مواجهات متكررة بين الفلسطينيين وقوات الاحتلال الإسرائيلي التي استمرت في الاعتداء على الحرم الشريف والمصلين في رحابه طوال الفترة المنقضية من عمر الانتفاضة. ولم يتأثر الاستيطان في القدس الشرقية في عهد إيهود باراك أو خلفه شارون بأحداث الانتفاضة، وصادر الرجلان 130 فدانا من أراضي المدينة، وأعطى الأخير دفعة قوية لمخطط القدس الكبرى التي تضم 15% من مساحة الضفة الغربية لنهر الأردن، وبدأ بناء ثلاثة آلاف وحدة سكنية قرب مستعمرة هارحوما على جبل أبو غنيم، ويوسع حاليا مستعمرة معاليه أدوميم على جبل أبو ديس شرق القدس مع أن مساحتها زادت عن مساحة تل أبيب ووصل عدد سكانها إلى 24000 مستعمر، كما يستكمل شارون بسرعة غير مألوفة شق الأنفاق التي تربط 60 مستعمرة إسرائيلية بشطري القدس. واليوم تملك إسرائيل وتغتصب 61% من أراضي الضفة الغربية، ونحو 5% من أراضي القدس القديمة داخل الأسوار. ولقد حدد شارون بوضوح هدفه خلال العام الحالي 2001 وهو إجهاض الانتفاضة الثانية دون أي مقابل سياسي مكتفيا بقبوله تنفيذ بعض التزامات المرحلة الانتقالية التي كان يجب أن تكتمل في مايو 1999، والتي وردت في اتفاق شرم الشيخ المبرم في سبتمبر 1999 الذي صدق عليه الكنيست الإسرائيلي ولم يلتزم به باراك جزئيا، ونقضه شارون تماما. ويعيق شارون تنفيذ تفاهمات جورج تينيت مدير وكالة المخابرات الأمريكية، ويرفض استقبال مراقبين دوليين في فلسطين المحتلة، ولا يتيح استتباب وقف إطلاق النار الذي يسمح ببداية فترة تهدئة وبناء ثقة متبادلة تتيح تنفيذ توصيات لجنة تقصي الحقائق برئاسة السناتور الأمريكي السابق جورج ميتشيل. وقد اطمأن شارون إلى تخويله من جانب واشنطن سلطة تحديد توقيت سريان واستقرار وقف إطلاق النار بإرادته المنفردة. وعندما استكمل الإرهابي العتيد آرييل شارون خطة المائة يوم لقمع الانتفاضة الفلسطينية في 18 يونيو الماضي، وتلاها بمزيج من الخطط الفرعية لإخماد الانتفاضة، أذكر منها خطة «أورانيم » أو جهنم لضرب مراكز القيادة والسيطرة والاتصالات واغتيال القيادات النشطة للمقاومة الفلسطينية في صفوف حماس والجهاد وفتح والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وخطة «الباب الدوار» لتقسيم أراضي المنطقة «أ» التي سلمت للفلسطينيين إلى ثمانية ألوية تمهيدا لتعيين إدارات محلية لها، موالية لإسرائيل، إذا نجح مخطط ضرب واقتلاع السلطة الفلسطينية وأجهزتها من المناطق أ، ب في الضفة الغربية وغزة. اغتصاب بيت الشرق في الوقت الذي يغتال فيه شارون مقاتلي المقاومة الفلسطينية وقادتهم، فإنه يجيد استغلال العمليات الاستشهادية في فلسطين المحتلة لتبرير ضرباته المخططة لكيان السلطة الفلسطينية، ونقض الالتزامات الإسرائيلية في مسيرة أوسلو من جانب واحد. ولم يكن الاستيلاء على بيت الشرق، والمقار التسعة لمنظمة التحرير الفلسطينية في القدس الشرقية، وقرية أبو ديس مجرد رد فعل قوي لعملية استشهادية، بل تم في إطار خطة حظر جميع أنشطة السلطة الفلسطينية في القدس الشرقية خلال مرحلة الاتفاقيات الانتقالية القادمة التي يقبلها شارون مع الفلسطينيين، ويريد لها أن تمتد حتى عام 2010، ويدعي شارون أن احتلال بيت الشرق يتفق مع القانون الذي أصدره الكنيست في 30 يوليو 1980 باعتبار القدس الموحدة عاصمة أبدية لإسرائيل، والذي لا ينظر إليها كمنطقة محتلة تخضع لنصوص القانون الدولي الذي ينظم حقوق والتزامات دولة الاحتلال، ويمنع إحداث تغييرات في القوانين وأساليب الادارة والأوضاع القائمة على أراضيها. ومن الواضح أن شارون لن يستجيب لنداءات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وبعض دول المنطقة العربية لاخلاء بيت الشرق والمقار الفلسطينية في القدس خلال فترة وجيزة يتحقق خلالها وقف اطلاق النار طبقا لتفاهمات تينيت. ولا يوجد ضغط أمريكي حقيقي على شارون في هذا الصدد، وبخاصة في ضوء ردود الفعل العربية المحدودة للاستفزازات الاسرائيلية في القدس الشرقية، وبطء حركة لجنة القدس برئاسة المغرب لممارسة ضغط سياسي ودبلوماسي من جانب منظمة المؤتمر الاسلامي ضد اسرائيل لوقف مخطط تهويد القدس الذي يمضي على قدم وساق دون احترام لمشاعر ومصالح العالمين العربي والاسلامي في بيت المقدس. ولن يتمكن العرب من تغيير هذا الواقع الخطير إلا من خلال موقف عربي منسق يسحب الاعتراف بحكومة شارون فهي عصابة من القتلة الارهابيين ويقطع الاتصالات بها، ويدعو الى استئناف المقاطعة الاقتصادية من الدرجة الثانية لاسرائيل بعد عشر سنوات من تجميدها، ثم الوفاء بكافة التزامات الدعم العربي للانتفاضة التي تقررت في قمتي القاهرة وعمان دون تقاعس أو إبطاء، وكذا قطع الاتصال بحركات السلام في اسرائيل مثل كتلة السلام أو حركة السلام الآن أو غيرها من أدوات تخدير الرأي العام العربي، وتضليله، واختراق المنظمات غير الحكومية فيه. ومن جهة أخرى فإن حماية المناطق «أ» في الضفة الغربية لنهر الأردن من خطر الاجتياح الاسرائيلي الشامل في الخريف القادم تتطلب أن يدخل تطور نوعي سريع على تسليح فصائل المقاومة الفلسطينية وبخاصة حماس وفتح والجهاد يشمل المقذوفات الموجهة المضادة للدبابات وللطيران المنخفض من النوع الخفيف الذي يحمل على الكتف. إن تاريخ الكفاح الوطني ضد الاحتلال الأجنبي في العالم الثالث، يؤكد أن العصى والحجارة والأسلحة الصغيرة لا تكفي لمقاومة المحتل وإضعافه، والعمليات الاستشهادية وحدها لا تحمي المواطنين الأبرياء من بطش وقهر قوة الاحتلال، ولابد أن نتعلم من دروس المقاومة الاسلامية في جنوب لبنان، والمقاومة الأفغانية ضد السوفييت، ومن نجاحات استخدام المقذوفات الموجهة الخفيفة في تكتيكات حرب العصابات. وأرجو الله أن تنهض دول الطوق العربية بمسئولياتها التاريخية في دعم المقاومة الفلسطينية بالمال والسلاح والخبرات التدريبية والقتالية، وأن تعود دولا للمواجهة كما كانت في أيام حرب أكتوبر المجيدة. ويتحمل الأردن مسئولية خاصة في أن يكون عمقا حقيقيا للمقاومة في ضوء تركيبته السكانية وارتباطه المصيري والأبدي بفلسطين الصامدة. إن استمرار الانتفاضة ودعمها هو الخيار الأنسب لمستقبل فلسطين، ولأمن دول الطوق العربية، ولمواجهة الخطر الصهيوني على العرب جميعا، والمخطط اليهودي للقضاء على عروبة القدس، وسيحكم التاريخ على جيلنا حكما صادقا يعتمد على صلابتنا وقبولنا للتحدي الاستعماري الصهيوني. بقلم اللواء أ. ح/ صلاح الدين سليم محمد ـ الأستاذ الزائر بأكاديمية ناصر العسكرية العليا