قبل الولوج في الخلفيات والأهداف التي أدت إلى إغلاق بيت الشرق في القدس الشرقية من قبل قوات الاحتلال، لا بد لنا من تبيان الحقيقة القائلة، بأن شارون قبل هذه الخطوة الجهنمية، كان يدرك بأن الاغتيالات السياسية المنظمة التي قادها ضد قيادات حركة المقاومة الإسلامية «حماس»، وكوادر حركة فتح، ستؤدي إلى ردود فعل كبيرة تفوق النتائج التي أسفرت عنها عمليتي حماس والجهاد الإسلامي في مدينتي، القدس وحيفا. ولعل الترتيبات الأمنية الكبيرة جداً كانت بفعل التوقعات الإسرائيلية، التي، وبعيداً عن المغالاة تفوق توقعاتنا، ولا تزال هذه التوقعات عند اسرائيل قائمة، رغم بروز موقف وزير الخارجية شيمون بيريز، الذي يحاول جاهداً تهدئة أو تأجيل ما قد يدفعه الإسرائيليون من ما يسمى بضريبة الدم قبالة ما ازهق من الدم الفلسطيني، بسبب حسابات حزبية وشخصية ضيقة لاسباب انتخابية قادمة، لسنا بصدد تعدادها في هذا المقام. لكن المهم بالأمر هو أن شارون، رغم الضريبة الكبرى التي سيدفعها جيشه ومستوطنوه، جاد في تنفيذ خططه القديمة الجديدة، والتي كانت في مقدمتها احتلال بيت الشرق الفلسطيني في مدينة القدس الشرقية، والسيطرة على مؤسسات السلطة الفلسطينية في قرية أبو ديس المجاورة لمدينة القدس، واعتبار هذه الخطوة في أهدافها ومراميها، مرحلة ثانية مكملة لنكسة حزيران عام 1967، التي لم تستطع اسرائيل في حينها تهويد المدينة المقدسة ومحيطها، وبقي الأمر متمثلاً في فرض الاحتلال القسري عليها جغرافياً، مع الاعتراف بحقيقة بعض النجاحات التي حققها الاحتلال في بعض أحياء القدس. لكن هذه الانتصارات المحدودة لم تثن شارون وغيره من قادة اليمين الإسرائيلي وغيره عن القناعة القائلة، بأن القدس هي المدينة التي غذت الحضارة اليهودية «هذا إذا كانت ثمة حضارة يهودية تذكر في هذه الأرض» طوال ألفي عام والتي استمد منها اليهود وحي حياتهم الروحية خلال الألفي عام. ولهذا قال شارون: «اننا لن نعدل أبداً عن حقنا في بسط السيادة عليها». أما في ما يتعلق بيهودا والسامرة أي مناطق الضفة الغربية، يعتبرهما شارون أنهما مهد الشعب اليهودي لا بل جوهر أمتنا نفسه، وأننا نصر على حق اليهود في أن يقيموا في هاتين المنطقتين وفي الدفاع عنهما مهما بلغت التضحيات». أهداف بعيدة وقد يكون التفسير الوحيد لخطوات شارون في القدس وأبو ديس نابعة من الرؤية الإسرائيلية لمستقبل القدس والضفة الغربية، بأنهما جزء من دولة اسرائيل، وأن ما يسمى بالحكم الذاتي الفلسطيني، ليس بالضرورة إعلان الاستقلال الكامل للفلسطينيين في هذه البقعة الجغرافية، أو منح هؤلاء السكان، الفلسطينيين، السيادة التامة لهم، واعتبار أن الإدارة المدنية الإسرائيلية هي وحدها التي تمثل قوة القانون، حتى وإن سحبت اسرائيل قواتها من هذه الأراضي وأعطت حكماً ذاتياً مجوفاً للمناطق ذات الاكتظاظ السكاني الفلسطيني. وبصرف النظر عن هذه الرؤى، ثمة سؤال يفرض نفسه علينا بقوة الأشياء، وتلاحق الأحداث، عن ماهية الأسباب الكامنة خلف مثل هذه الإجراءات الاحتلالية، على الصعيد الداخلي الإسرائيلي من جهة، والفلسطيني والعربي من جهة أخرى؟ فعلى الصعيد الإسرائيلي الداخلي، وبعد أن اشتدت أزمة شارون مع اليمين الإسرائيلي بسبب فشله في إخماد نار الانتفاضة المتأججة في فلسطين، اثر تجاوز المئة يوم التي حددها لنفسه، والذي بنى تحالفه اليميني المتطرف على أساسه، لجأ إلى ما يسميه البعض سلاح القدس، باعتباره السلاح الأمضى والأحد من كل الإجراءات، بما فيها التصفيات التي قام بها ضد كوادر ونشطاء الانتفاضة. على الرغم مما أحدثته التصفيات الجسدية من تحولات شعبية على أرض الواقع، لمصلحة شارون وحكومته، خاصة في صفوف ناخبي اليمين، الذين بدأوا يرنون بأبصارهم نحو بنيامين نتانياهو، مع العلم أنه لا يزال يتفوق على شارون لكن بعد التصفيات بدأ يتقلص الفارق بشكل ملحوظ حول استطلاعات الرأي. وبما أن شارون يدرك هذا الفارق بحيث لم يجد أمامه سوى اقتحام بيت الشرق، باعتبارها ليست المناورة الكبرى كما ادعت بعض وسائل الإعلام الغربية والإسرائيلية وحتى بعض وسائل الإعلام العربية، بل كمقدمة فعلية لاحتلال الحرم القدسي الشريف. وهذا ما توضح جلياً من خلال التصريحات الإسرائيلية، التي اعتبرت احتلال بيت الشرق كمؤسسة وطنية فلسطينية، وكأنه بمثابة إعادة احتلال القدس، بمعزل عن أن هذه العملية جاءت لتصب في إناء اللعبة الداخلية، إلا انها جاءت، بالإضافة لذلك، تلبية لاهداف ومرامي وغايات سياسية بأبعاد أيديولوجية، قومية ودينية بذات الوقت، أي أنها، جاءت في لحظة تطابق الأهداف الداخلية مع السياسية - الاعتقادية. بكلام آخر أن ما عجز عن تحقيقه منافسه المتعجرف بعض الشيء، نتانياهو، عندما كان في قمة الهرم السياسي الإسرائيلي، استطاع فعله شارون، وأن ما يحاوله نتانياهو وغيره بتسويق شعارات وهمية وحسب، قادر على فعله شارون على أرض الواقع، فبيت الشرق وأبو ديس، وبعض المناطق التي اقتحمتها الدبابات والجرافات ووضع حجر الأساس للهيكل اليهودي الثالث في باحة الحرم القدسي الشريف، شواهد حية على قدرته الفائقة في تحقيق أحلامه، باعتبارها أحلاما يهودية عامة. دولة غزة أما من الجهة الأخرى، فقد بدأ جموع ما يسمى باليسار واليمين في اسرائيل، تردد أن مقولة الأمن أصبحت تعيش خطراً حقيقياً، وأنه لا يمكن إعادة الاعتبار لهذه المقولة من دون خطوات إجرائية احتلالية على الأرض، فقد حاول اليسار بانتهازيته كالعادة التضحية بشارون، وهو الأقدر على فعل ذلك، بعد عملية ملهى الدلافين وفي غمرة التهديد والوعيد، على المصادقة من قبل وزراء حزب العمل بالإجماع على احتلال بيت الشرق، ليتراجعوا بعد ذلك في مجلس الوزراء المصغر، وهم بهذه العملية كمن يصيد السمكة مرتين مرة لتظليل خطوات شارون، ومرة أخرى لاقناع الرأي العام العالمي، بما في ذلك يهود الولايات المتحدة، بأن اسرائيل واحة الديمقراطية، وأن ما جرى من اغتيالات وما تبعها من إجراءات في القدس ومحيطها، هي حاجة أمنية ملحة لهذه الواحة. بموازاة ذلك جاء هذا الموقف كمحاولة عمالية مرنة، كمن يدس السم بالدسم، بهدف إقناع العرب بمن فيهم الفلسطينيون، بأنهم لا يزالون شركاء في صنع السلام، مع قناعتهم التامة بالضرورات الأمنية ذاتها التي ينطلق منها شارون وغيره في صفوف اليمين، وبقاء القدس موحدة تحت الاحتلال الإسرائيلي، باعتبارها عاصمة أبدية لدولة اسرائيل. دون أن نسقط من حساباتنا، أن هذه الخطوة جاءت لترمم الوضع الداخلي الإسرائيلي بشكل عام، خاصة بعد أن بدأت الهجرة المعاكسة بالتزايد الغير متوقع، بحيث أن اسرائيل لم تشهد منذ قيامها هجرة معاكسة بهذا الحجم، إلا في عام 1973 في حرب اكتوبر، وتعالي صيحات المستوطنين المطالبة بضرورة إخلاء المستوطنات في الضفة وغزة، والتفكير بالعودة إلى داخل الخط الأخضر، بسبب عجز الجيش الإسرائيلي عن حمايتهم. أما فيما يخص الجهة المقابلة، وأعني بذلك الفلسطينيين، فقد حاول شارون ومن لف لفيفه، يساراً ويميناً ووسطاً، إفهام الفلسطينيين أنه ليس من إمكانيات للتفاوض على القدس، وعلى الاستيطان والطرق الالتفافية، والاستقلال الفلسطيني في الضفة الغربية، يهودا والسامرة، وأن ذلك يعتبر أمراً مستحيلاً وما على الفلسطينيين،إذا ما أرادوا كياناً لهم، سوى الإسراع وبأقصر وقت ممكن بإعلان دولتهم في غزة، شريطة أن من يتبقى في الضفة الغربية من الفلسطينيين بإطار الكثافة السكانية هو مواطن تابع لدولة فلسطين الغزاوية و أن يراعي المتطلبات الأمنية للدولة المضيفة، أي أنه سيتبع إدارياً لدولته الام، أعني غزة، وأمنياً للإدارة العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية. سيناريوهات المواجهة لكن بمعزل عن ما يخطط له شارون وحلفاؤه في اسرائيل، يبقى السؤال أين سيقف العرب والفلسطينيون من كل تلك المخططات الجهنمية ؟ وما هي السيناريوهات المعدة والكفيلة بتمريرها ؟ بعيداً عن الإجابات المدرسية المقيتة التي تأخذ طابع الشكل الامتحاني، فإن ما يجري على الأرض الفلسطينية يعتبر تحدياً وتعدياً، ليس على الحق العربي، بل وتهميشاً حقيقياً للأمن القومي العربي، وللدور الإقليمي، الذي من المفترض أن يناط بالعرب وحدهم دون غيرهم، وأن عامل الانتظار والتسويف الذي يمارس عربياً، لن يؤدي إلا إلى المزيد من التعديات وخيبات الأمل، التي بدأنا نستشعرها رسميين وشعبيين. وأنه إذا ما بقينا على ذات المواقف، فسندفع شارون دفعاً ليس لاقتحام بيت الشرق بل إلى القيام بعملية تهجير واسعة هذه المرة، تطال الفلسطينيين في الضفة وقطاع غزة على حد سواء، وسيرفع من سوية مخططاته، بحيث تمتد يده إلى أبعد من ذلك بكثير، وأعني أنه سيعيد قضية الوطن البديل إلى الواجهة باعتبارها الحل الأمثل للتخلص مما يسمى بالصراع العربي - الإسرائيلي، وبعد ذلك سننصاع إلى ما يسمى بسياسة الأمر الواقع كما تعودناها دائماً، وتعود عليها أعداؤنا. إن المطلوب بات يقتضي بكل وضوح وقف كل اللقاءات مع الإسرائيليين، وتجميد كل الاتفاقيات الموقعة مع هذا الكيان على كل الجبهات العربية، بعيداً عن الأعذار التي لا تجد ما يبررها على أرض الواقع، والعودة إلى سلاح المقاطعة العربية، ليس على المستوى الشعبي رغم تأثيره، بل على المستوى الرسمي القادر على إحداث شرخ حقيقي في المواقف السياسية بين اسرائيل والغرب وخاصة الولايات المتحدة، والعودة مرة أخرى إلى رفع وتأجيج المطالب السياسية العربية، بمواجهة حالة التخفيض الدائمة التي تسعى اسرائيل إلى فرضها. بمقابل ذلك الإسراع في رفع الحصار عن العراق واعادة دمجه في الواقع العربي، دمجاً كلياً، لانه يبقى العمق الاستراتيجي للامة، ودون ذلك سنؤكل كما أكل الثور الأبيض. وهنا ليس من قبيل التهويل، بأن حرباً اسرائيلية تعد، ضد لبنان وسوريا، ولا أغالي إذا ما قلت أنها كانت ستقع قبل اقتحام بيت الشرق، وهي الآن بحكم المؤجلة، لكنها بالتأكيد قادمة لا ريب. خاصة إذا ما علمنا أن الواقع الداخلي الإسرائيلي المتشظي، لا يمكن أن يرمم كما تريده المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية، إلا بعملية عسكرية خارج حدود الاحتلال، من أجل إعادة المنطقة ربع قرن إلى الوراء، لتفرغ اسرائيل لتهويد ما وقعت يدها عليه، وليفرغ العرب مرة أخرى لترميم ما دمرته الحرب.. والسؤال الأهم من كل هذا هو تلك الصيحة، هل من مجيب والحرب أصبحت على الأبواب؟ بقلم: عبد الكريم محمد ـ كاتب فلسطيني