يأتي الاجتياح الإسرائيلي لبيت الشرق والمؤسسات الفلسطينية الأخرى في القدس وأبو ديس في إطار المخطط الإسرائيلي لتهويد القدس وتحويلها إلى عاصمة للدولة العبرية، وقد سبق هذا الاجتياح الاحتفال الرمزي الذي أقيم بالقرب من ساحة المسجد الأقصى لاقامة الهيكل اليهودي المزعوم. والواقع أن مثل هذه الأعمال العدوانية المخالفة لأحكام القانون الدولي والشرعية الدولية لا تغير من الوضع القانوني للقدس باعتبارها أرضاً محتلة، بل انها توفر المزيد من الشرعية القانونية لأعمال المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الإسرائيلي، كما أنها تعفى السلطة الوطنية الفلسطينية من أية التزامات بصدد الأمن الإسرائيلي، حيث أن هذه الأعمال بحد ذاتها تعد خرقا للإتفاقات المبرمة بين إسرائيل والسلطة الوطنية الفلسطينية برعاية وضمان الولايات المتحدة الأمريكية، ومن ثم فهذا الخرق الإسرائيلي لهذه الاتفاقيات يجعل أي اعتراض أمريكي على أعمال المقاومة الفلسطينية أمرا غير مقبول ويفتقد إلى المصداقية أو إلى مسوغ سياسي أو قانوني، بل ويحرج الولايات المتحدة ذاتها لأنه يعني عدم الوثوق في أي ضمانة تقدمها في المستقبل. ولعل اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة قد استشعر هذا الحرج الأمريكي فحاول من خلال توم لانتوس نائب الحزب الديمقراطي عن ولاية كاليفورنيا في مجلس النواب الأمريكي أن يقدم مبرراً للخرق اليهودي لهذه الاتفاقات من خلال حديثه أمام اللوبي اليهودي عن خرق المسلمين لصلح الحديبية وتطاوله على مقام الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الأمر الذي أدى إلى إثارة المسلمين الإمريكيين وهو ما جعله يقدم اعتذارا رسميا إلى مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية، وان كان المجلس لم يقبل بهذا الاعتذار لأنه لم يسحب تصريحاته حول مقاصد الرسول الكريم من صلح الحديبية بشكل كامل، والأمر يحتاج إلى دراسة قانونية حول مدى خرق هذا النائب الأمريكي للقانون الأمريكي الذي يحظر الإساءة إلى الأديان. إلا أن الأمر يستدعى من ناحية أخرى التأمل لأنه يوضح إلى أي حد يحاول اليهود استخدام كافة الوسائل الممكنة للتأثير على الرأي العام الأمريكي مستفيدين من جهل المجتمع الأمريكي بحقائق التاريخ الإسلامي، كما أنه يوضح السعي اليهودي الدؤوب لتحويل الصراع العربي الإسرائيلي إلى دائرة أكثر تعقيدا، وفي دائرة الصراع الديني. أهداف ودلالات هذه السلسلة من الأحداث المترابطة تقودنا إلى إبراز الدلالات والأبعاد السياسية للاجتياح الإسرائيلي لبيت الشرق، ويمكن تحديدها على النحو التالي: ـ أن أرييل شارون الذي يواجه موقفا متأزما نتيجة فشل سياسته التي وعد بها الشعب الإسرائيلي وبأنها ستؤدي إلى اخماد الانتفاضة والقضاء عليها وتحقيق الأمن، يحاول أن يقلل للرأي العام الإسرائيلي حدة فشله باتخاذ مثل هذه الإجراءات، ردا على عمليات المقاومة التي بدأت تدخل إلى العمق الإسرائيلي، خاصة وأن مثل هذه الإجراءات لا تضيف جديدا لإسرائيل من الناحية الواقعية حيث أن سيطرتها قائمة على المناطق التي تقع بها هذه المؤسسات الفلسطينية كما أن الجانب الرمزي الذي تمثله هذه المؤسسات للسيادة الفلسطينية على القدس لا تلغيها مثل هذه الأعمال العدوانية المخالفة لأحكام القانون الدول بل تؤكدها، لأن هذه السيادة لو لم تكن قائمة لما احتاج شارون إلى القيام بهذه الأعمال، فحقوق السيادة الفلسطينية على القدس حقوق مؤكدة لا تسقط بالتقادم مهما حاول الكيان الصهيوني والعصابة الحاكمة إثبات عكس ذلك. ـ أن مثل هذه الإجراءات تقوم على فهم شارون لمدى حساسية موضوع القدس بالنسبة للدول العربية والإسلامية، ومن ثم فهو يسعى من خلالهما إلى تحريك الضغوط الشعبية على النظم العربية الأمر الذي قد يؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار السياسي في الدول العربية ويخلق مشكلات أمنية داخلية فيها وبالتالي تقلل من اهتمامها بما يحدث في الأراضي الفلسطينية، كما يحاول شارون من خلال هذه الإجراءات المحافظة على تأييد القوى الدينية اليهودية المتطرفة من الداخل بما يتيح له مواجهة أي محاولة من جانب المعارضة لاثنائه عن الاستمرار في سياسته الفاشلة. ـ من ناحية أخرى تأتي هذه الإجراءات في إطار تحويل الصراع إلى دائرة بالغة التعقيد وهي دائرة الصراع الديني، وليست دائرة الصراع السياسي التي بات واضحا مدى تأزم الموقف الإسرائيلي فيها، حيث تواجه السياسة الإسرائيلية بانتقادات حادة من جانب العديد من دول العالم، حيث أن السياسة الإسرائيلية قد أدت بالفعل إلى ضرب عملية التسوية السلمية واعادتها إلى المربع رقم واحد بالرغم من الجهود الدولية الكبيرة التي بذلت على مدى العشر سنوات الماضية، كما أن هذه السياسة أبرزت الوجه الحقيقي لإسرائيل ككيان عنصري استيطاني لا يرغب في العيش في سلام مع جيرانه. ـ يدرك شارون جيدا أن مثل هذه الإجراءات سوف تدفع قوى المقاومة الإسلامية الفلسطينية التي تخرج عن نطاق سيطرة السلطة الوطنية الفلسطينية إلى القيام بعمليات استشهادية، تتيح له الفرصة بتوجيه الاتهامات للرئيس عرفات والسلطة الوطنية وتبرز عدم قدرته على السيطرة على القوى السياسية الفلسطينية، وبذلك يسعى إلى تحقيق أمرين، الأول خلق خلافات داخل الجبهة الداخلية الفلسطينية، خاصة وأن هناك دعوة لاقامة حكومة وحدة وطنية فلسطينية تشارك فيها القوى الإسلامية وكافة الفصائل الفلسطينية، والثاني التمهيد لمخططه الداعي إلى إعادة احتلال أراضي السلطة وتدميرها وهو ما تعارضه الولايات المتحدة حتى الآن. ـ وأخيرا تستهدف هذه الإجراءات خلق حالة من اليأس التام من أي محاولة للتسوية السلمية، بهدف جر المنطقة إلى حرب اقليمية لا تتوافر لدى الأطراف العربية الاستعدادات اللازمة لها وفي ظل ظروف مواتية للجانب الإسرائيلي بما يساعد على خلق واقع جديد تفرض من خلاله إسرائيل سلامها على المنطقة، وذلك وفقا للتصورات التي من الواضح أن شارون يبني على أساسها تقديره للموقف. هذه هي أهم الدلالات السياسية التي يمكن استخلاصها من الإجراءات الإسرائيلية الأخيرة في بيت الشرق. سبل المواجهة ان السؤال الذي يفرض نفسه بعد هذا التحليل هو كيف يمكن التعامل مع هذه السياسة الإسرائيلية التي تنذر بأخطار شديدة على المنطقة وعلى كافة الدول العربية ؟ يمكن في هذا الصدد أن نقدم اجتهادا قابلا للنقاش والتطور والمراجعة وذلك على النحو التالي: أولا: على المستوى الفلسطيني، لابد من تكوين حكومة وحدة وطنية تضم كافة القوى السياسية الفلسطينية على الساحة، بحيث تلتف حول قيادتها الشرعية الممثلة في الرئيس ياسر عرفات خاصة وأن القيود التي كانت موضع انتقاد من جانب المعارضة الفلسطينية والتي كانت تعرقل حركة عرفات نتيجة اتفاقات أوسلو وغيرها قد تآكلت، ومن ثم فبناء تحالف وطنى فلسطيني قوي يساعد السلطة الوطنية الفلسطينية في اتخاذ مواقف قوية نسبيا في إدارتها للصراع القائم ويمكنها من إضفاء الشرعية الدولية على أعمال المقاومة، وفي هذا الإطار لابد من استمرار أعمال المقاومة على أن تكون مؤثرة وفي موضعها بحيث ترفع تكلفة السياسة الإسرائيلية الشارونية وتؤكد عجزها عن اخماد الانتفاضة وتحقيق الأمن الداخلى للمواطن الإسرائيلي العادي، والاستفادة من سقوط حاجز الخوف من المواجهة مع قوات الاحتلال والمستوطنين، وذلك من خلال استخدام كافة الوسائل الممكنة للتصدي لهؤلاء المستوطنين بصفة خاصة وعدم إتاحة الفرصة لهم لإثارة الخوف والفزع لدى الإنسان الفلسطيني. ثانياً: على المستوى العربي، البدء بحملة عربية ودولية لتقديم وسائل الإغاثة الإنسانية للشعب الفلسطين وإتاحة الفرصة لقوى المجتمع الأهلي غير الحكومي للقيام بدورها في هذا المجال، وعلى المستوى الرسمي لابد من القيام بعمل دراسة لتقدير الموقف تسعى إلى تحديد وسائل جديدة للضغط على الولايات المتحدة والمجتمع الدولي من أجل دفعها لممارسة الضغط على الجانب الإسرائيلي وفي هذا الإطار يمكن اتخاذ بعض الإجراءات بصدد المقاطعة العربية لإسرائيل على أن تكون على أسس جديدة مؤثرة تتوافق ومتطلبات العصر، فأساليب المقاطعة السابقة لم تعد تتلاءم مع هذا العصر الجديد بمتغيراته، وفي هذا الصدد نطرح فكرة المقاطعة الذكية التي تقوم على مقاطعة موجهة إلى قطاع معين لمدى زمني محدود، يعقبها مقاطعة لقطاع آخر وهكذا، الأمر الذي يؤدي إلى حدوث حالة من عدم الاستقرار لمتخذي القرارات الاقتصادية في إسرائيل والدول المتعاونة معها. وعلى ذات المستوى لابد من اعداد إستراتيجية اعلامية جديدة توجه للعالم خطابا عربيا متوازنا يقدم الحقيقة ويزيل الزيف والأوهام التي تروج لها أجهزة الاعلام الصهيونية. وأخيرا لا بد من الاستعداد لاسوأ السيناريوهات، فتبني السلام كخيار استراتيجي لا يلغي إمكانية اللجوء إلى خيارات اخرى عند الضرورة، وذلك بشرط القيام بالاستعدادات اللازمة لتبني هذه الخيارات وتنفيذها في المكان والزمان الذي نحدده وليس في المكان والزمان الذي يحاول أن يفرضه العدو. ويبقى أن نشير في هذا الصدد الى أن الجهاد فريضة إسلامية تتوافر الآن شروطها الفقهية بدرجة واضحة وملموسة، والمطلوب هو دراسة الأساليب الفعالة للجهاد في الواقع المعاصر، فالجهاد وسيلة لتحقيق هدف وليس هدفا بحد ذاته، ومن ثم فالاجتهاد المبني على هذا الأساس أمر مطلوب في هذه الظروف، بحيث يتم التوصل إلى آليات فعالة لإعمال الجهاد هذه الفريضة الإسلامية الهامة، فإن كان شارون يفتح مراكز التطوع للجهاد اليهودي، فإن الأمر بالنسبة للمسلمين يحتاج إلى إجراء مناسب لردع هذه المحاولات التي يقوم بها الإرهابيون في دولة إسرائيل، الذين لا يقاتلون المؤمنين إلا من خلف حجاب. ثالثا: على المستوى الدولي، لابد من تحرك عربي دبلوماسي مدروس لتحريك الأمم المتحدة كي تقوم بمسئولياتها التي حددها ميثاقها، لاتخاذ الإجراءات المناسبة لوقف العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني والمقدسات الإسلامية والمسيحية، كذلك لابد من استمرار الاتصال بالإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي وروسيا الاتحادية والصين، من أجل التخفيف من حدة الإنحياز الأمريكي لإسرائيل وايضاح الخسائر التي ستلحق بالمصالح الأمريكية نتيجة لذلك، وتشجيع القوى الكبرى الأخرى المؤيدة للحقوق العربية كروسيا والصين على تبني المواقف العربية في مجلس الأمن والمحافل الدولية. وقد يكون المردود على هذا المستوى محدودا إلا أن هذا لا يعني إغفاله أو عدم الاهتمام به. ويبقى أخيرا أن نشير إلى ضرور إعادة بناء عناصر القوة العربية، وتعبئة الموارد العربية لأن الظروف الموضوعية القائمة تؤكد على أن القضية الفلسطينية قضية عربية تمس كل الدول العربية دون استثناء، ولايمكن حل هذه القضية في ظل حالة من الضعف العربي، وعلى الجميع أن يتذكر أن العواطف الجياشة والانفعالات العاطفية والاحاديث التلفزيونية لا تصنع سياسة فعالة ولا تدير صراعا بحجم الصراع العربي الإسرائيلي. بقلم: أ. د. محمد سعد أبو عامود ـ استاذ العلوم السياسية في جامعة حلوان