ليس أغبى من شارون السفاح إلا شارون السياسي.. أو الذي يحاول أن يكون سياسيا، لأنه في الحالتين يعكس الوجه الحقيقي للصهيونية كحركة عنصرية تتفوق على النازية في سفالتها وانحدارها الأخلاقي. شارون الذي تتغنى الولايات المتحدة باعتداله(!!) كان يتصور أن هجوماً شاملاً على أراضي السلطة الفلسطينية سوف ينهي المشكلة، ولكنه أدرك أن العالم ـ رغم صمته المخزي ـ لن يسمح بذلك، وأمريكا ـ رغم تواطؤها المشين ـ تدرك العواقب السيئة لهذه العملية. وجاء الحل على يد داعية السلام وممثل اليسار الاسرائيلي شيمون بيريز(!!) الذي أفتى بأن الأفضل لاسرائيل أن يتم ما يريده شارون وجنرالاته النازيين بالقطاعي.. فيتم تدمير المؤسسات الفلسطينية واحدة بعد أخرى، ويتم اغتيال قيادات المقاومة تباعاً، ويتم تفكيك السلطة الفلسطينية أو ما تبقى منها باجراءات متوالية وليس بضربة واحدة كما كان يريد شارون. وبرر بيريز خطته بأنها ستحقق الغرض دون أن تضع أمريكا في حرج، ودون أن تثير الرأي العام الدولي، ودون أن تجبر الحكام العرب على اتخاذ موقف حاسم، ودون أن يشتعل الشارع العربي لأنه سيكون في النهاية قد تعود على المشهد اليومي الذي يتضمن بعض الاغتيالات، وشيئاً من القصف الجوي والبري، وكثيراً من الحصار والتجويع والإهانة للفلسطينيين وقياداتهم. واقتنع شارون وجنرالاته بخطة أكثر السياسيين الاسرائيليين انتهازية، وبدأ التنفيذ الذي تصور الجميع أنه يحقق نجاحاً يفوق الحدود.. فالاغتيالات تتصاعد، والقصف مستمر، والسلطة تستنجد بالعرب والعالم ولا مجيب، وشارون يتصور أنه قد أصبح البطل الذي يحقق أمن اسرائيل، وبيريز يتصور أنه نجح في تحقيق المعادلة الصعبة.. فأعطى شارون وجنرالاته ما يطلبون، واحتفظ بصورته رمزا للاعتدال الاسرائيلي(!!) وفي الوقت المناسب تأتي عملية تل أبيب الاستشهادية لتثبت لكل السفاحين أنهم يعيشون في وهم، وأن أمنهم لا يمكن أن يتحقق في ظل اغتصابهم للأرض وتدنيسهم للقدس، ويختار شارون وحكومته أن يكون الرد في القدس، فيستولون على «بيت الشرق» رمز القيادة العربية في المدينة الأسيرة ويقتحمون باقي المؤسسات العربية ويرفعون علم اسرائيل عليها، ويتصورون أنهم بذلك قد أتموا المهمة وأخذوا المدينة الأسيرة الى الأبد. إنها أوهام السفاحين. فكل ما فعلوه أن أعادوا تذكير العرب والمسلمين بأن لهم قدساً تدنسها أقدام الصهاينة، وأنها لابد أن تتحرر، وبدون ذلك لا أمن ولا سلام ولا استقرار. والمهم الآن أن يصمد شعبنا البطل في فلسطين، وأن تستمر الانتفاضة، وأن تتصاعد المقاومة، وأن ينتقل الرعب الى كل بيت في اسرائيل. أما القدس فلها رب يحميها، ومئات الملايين من العرب والمسلمين لن يهدأ لهم بال حتى يستعيدوا الأقصى ويحرروا القدس. جلال عارف