مضى اكثر من عشر سنوات على تحرير الكويت من براثن الغزو العراقي لكن تبقى مأساة الاسرى والمرتهنين حاضرة بشكل يومي وتأخذ طابعا دراميا في كل ذكرى حيث تتفتح اوجاع الاهالي الذين ألحق بهم الغزو الاذى في مختلف جوانب حياتهم لاسيما النفسية منها. وما يزيد من المرارة استمرار تجاهل العراق لكل الجهود العربية والدولية الساعية للاعتراف بالاسرى الـ 605 واطلاق سراحهم اضافة الى مقاطعته منذ 1998 اجتماعات اللجنة الدولية الثلاثية الخاصة بهذه القضية والتي تعمل تحت اشراف الصليب الاحمر الدولي. ومن 605 أسرى هناك 572 كويتيا و14 سعوديا و5 مصريين و4 ايرانيين و4 سوريين و3 لبنانيين وأسير بحريني واخر عماني والاخير اردني. وكانت اللجنة قد عقدت منذ تشكيلها بموجب قرار مجلس الامن رقم 684 الصادر في 2 مارس 1991 ما مجموعه 27 اجتماعاً اضافة الى 36 اجتماعاً للجنة الفنية المتفرعة منها، غير ان العراق توقف عن الحضور منذ 9 سبتمبر 1998. وقد أعربت اللجنة الدولية للصليب الأحمر عدة مرات عن قلقها ازاء النتائج غير المرضية التي تحققها اللجنة الفنية الفرعية. وتحمل السلطات الكويتية العراق المسئولية الكاملة وراء هذا الاخفاق. وبالنسبة لتعجيل عملية البحث فقد قدم العراق ردوداً كاملة عن 112 ملفا فرديا في الفترة بين أغسطس 1994 ويوليو 1995، ورغم ذلك ومنذ نقل مقر انعقاد اللجنة الفرعية الى الحدود لم يتم استلام سوى 14 رداً فقط حول هذه الملفات كان اخرها منذ اربع سنوات مضت، ليصبح اجمالي الردود حتى الآن 126 رداً. علاوة على ذلك، لم يقدم العراق أية معلومات إضافية حول هذه الملفات دون اي اعتبار للمطالبات الكويتية المتكررة في هذا الشأن. وفي واقع الامر، فإن المعلومات المتوفرة حتى الآن هي معلومات ليست على درجة كبيرة من الوضوح بحيث تسمح للجنة الفرعية ان تقرر مصير أي أسير، ورغم ذلك يؤكد العراق اعتقال وترحيل هؤلاء الأسرى خلال فترة الاحتلال. وتؤكد الكويت ان نقص الردود على المطالبات المتكررة بتقديم المزيد من المعلومات حول 479 ملفا اخر لم يتم النظر بشأنها هو مثال اخر على عدم تعاون العراق فيما يتعلق بتبادل المعلومات وتنفيذ عمليات المتابعة الحاسمة لهذه الملفات، كما يواجه الوفد السعودي ايضا نفس الموقف المتعنت فيما يتعلق بمطالبه المستمرة للحصول على اجابات واضحة حول مصير 17 ملفاً فردياً قامت المملكة العربية السعودية بتقديمها. وتطالب السلطات الكويتية بأن يكشف العراق فوراً عن أسماء الاشخاص الاحياء من بين الاسرى الكويتيين ورعايا الدول الأخرى لجلب الراحة لقلوب عائلاتهم وبأن يسمح للمنظمات الانسانية مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر بزيارة الاسرى الأحياء وان يقدم الدليل المتعلق بوفاة الاخرين الى جانب الاماكن المحددة لمواقع دفنهم. كما تدعو العراق للتعامل بجدية وبشكل فوري مع كافة الحالات والملفات التي قدمتها دولة الكويت وبالسماح للجنة الدولية للصليب الأحمر بالقيام بمهامها داخل السجون العراقية وباقي اماكن الاحتجاز الأخرى بما يتماشى مع معاهدات جنيف ووفقا لأساليب العمل المعمول بها في هذه المنظمة. وعند كل ذكرى سنوية للغزو العراقي يشتد الضغط الانساني من خلال شهادات ابناء وذوي الاسرى. وتقول «أم بدر» زوجة الاسير خليفة مجبل الجدعي قبل ان ننهي كلامنا معها لشرح مهمتنا «كنت ابث التفاؤل والامل في نفوس أولادي من خلال جوابي على سؤالهم بأن اباهم سيرجع قريبا.. لكن جوابي الذي تكرر على مدار عشر سنوات لم يتحقق حتى الآن.. لم يعد بوسعي الجواب على اسئلتهم حول مصير والدهم.. حاليا التزم الصمت عند سماع السؤال والأمل الذي طالما سمعوه فيّ لم يتحقق.. فأبوهم حتى الآن لم يرجع.. فمتى سيرجع؟». وتتابع أم بدر حديثها باكية وقائلة: ماذا سأقول.. الجرح عميق.. ويتعمق أكثر فأكثر بدلا من ان يتماثل الى الشفاء.. لقد فقدت الاسرة رب الاسرة الذي كان يرعى جميع افرادها.. كبيرا، صغيرا». كان «زوجي خليفة» يقف بجانب اولاده في دراستهم.. يساعدني في رعايتهم.. وكان بمثابة الاب، والزوج، والاخ.. وبفقدانه وبعده عن الاولاد تضاعفت مسئولياتي.. وها هي تتضاعف أكثر وأكثر مع مرور الأيام، والاشهر والسنوات. نعم.. ها انا اتحمل هذه المسئوليات الجمة بغياب «خليفة» وهذا واجبي كأم وكزوجة في غياب زوجها.. لكن الأولاد كبروا بحاجة لوجود والدهم الى جانبهم.. اولادي صاروا شبابا «بدر» 20 سنة، و«نواف» 18 سنة بحاجة جدا لوالدهم بجانبهما. كما ان احمد «15 سنة» والابنة الصغيرة دلال التي لا تعرف اباها حتى الآن لأنها كانت جنيناً في بطني عندما اعتقل ابوها اثناء فترة الغزو فهما الاخرين بحاجة والدهما الى جوارهما. وتروي «أم بدر» كيفية بدء معاناتها دون ان نطرح عليها اسئلة اخرى... وكانت تتحدث والدموع في عينيها، والحزن الاليم باد على وجهها. هذه المعاناة بدأت منذ تاريخ 12 اغسطس 1990، عندما أفكر فيما حدث بهذا التاريخ والذي وافق فيه يوم الثلاثاء.. ينتابني الشعور بالحزن العميق، والالم.. اتصور انه حدث الآن كنت اجلس بجانبه في السيارة عندما أوقفنا حاجز تفتيش للقوات العراقية في منطقة الفردوس حيث مقر منزل اختي التي كنا متوجهين اليها لمساعدتها بعد اتصالها بنا واعلامنا بان «آلام المخاض» بدأت تتزايد بقوة عليها دون وجود احد في منزلها، كنا على وشك ان نستمر في سيرنا بعد تفتيشنا الاول لولا ان ضابطا من الحاجز الثاني الموازي للحاجز الواقفين بجانبه جاء قادما ومسرعا نحونا وهو يصرخ «قف».. وقف زوجي خليفة، وتقدم الملازم وبدأ بالتفتيش ثانية بعد ان فتح باب السيارة من جانب زوجي وبعد ان انزله بقوة الى خارج السيارة.. ورفع فرشة مقعد السيارة الموازية للمقود واخذ السلاح الموجود داخله وكان مسدسا من نوع «مغنم» وعندها اخذوا زوجي «خليفة» وقادوه مشيا على الاقدام الى مخفر الفردوس الواقع مقابل حاجز التفتيش .استفزوه بالكلام.. كانوا وهم يدفعونه بسلاحهم يقولون له «تبي تحرير الكويت» يصرخون وهم يضربونه بقولهم (الكويت هي العراق ما تفتهم). كنت جالسة داخل السيارة انتظر مصير زوجي بخوف عندما جاء جندي بعد نصف ساعة من دخول خليفة الى داخل المخفر.. تقدم الجندي العراقي نحو السيارة واقتادها الى جانب باب المخفر بعد ان حركها بوحشية وانفعال.. ثم طلب مني الخروج من السيارة والتوجه معه الى داخل المخفر.. قادوني الى غرفة التحقيق، ووجهوا الي تهمة حيازة السلاح بعد محاولتهم اقناعي بأن زوجي «خليفة» الذي أكد لهم ذلك. التزمت الصمت لأني كنت ادري اساليبهم، الذائعة الصيت انداك.. وكما فكرت في لحظتها كان صحيحا.. لقد قالوا له ايضا نفس الكلام بأني بلغت عنه.. وعلمت ايضا بأنه التزم الصمت بالرغم من كل العذاب الذي تعرض له اثناء التحقيق حتى يجيب عن اسئلتهم.. لقد بدا واضحا من خلال استجوابهم لي بأن زوجي خليفة لم يبح لهم بشيء.. وجهوا لي اهانات بذيئة.. وصفعني احدهم على وجهي صفعات قاسية.. لكن التزمت الصمت. واستمر التحقيق معي لمدة اربع ساعات تقريبا يرافقه الاهانات التي يخجل نطقها ابن الشارع.. ومع ذلك استمريت بالتزام الصمت... عندها قالوا لي اذهبي وانسي وجود زوجك عندنا... بعد خروجي من المخفر توجهت فورا الى «بدر وهو شقيق زوجي استنجدته، وشرحت له ما حصل معنا.. وبدأ «بدر» يسأل عن أخوه لكنه لم يلق الجواب.. عندها مكث «بدر» في احد الاماكن القريبة للمخفر لمراقبة مصير شقيقه حتى يعرف الى اين سيقتادوه فلعله عند مشاهدته له يتقرب من احد الجنود العراقيين ويدفع له فلوسا كما كان سائداً فيفرجوا عن «خليفة».. لكن هذه المراقبة التي استمرت يوما كاملا وهو اليوم الثاني من اعتقاله.. اي الاربعاء الموافق «13» اغسطس.. لم تسفر عن نتيجة.. عند ذلك توجه «بدر» ثانية الى المخفر وسألهم عن مصير شقيقه.. قالوا له انه غير موجود لديهم.. وانهم رحلوه الى مخفر الفروانية.. توجه «بدر» الى مخفر الفروانية وكنت برفقته لمشاهدة «خليفة» وفعلا شاهدناه بأم أعيننا داخل المخفر، ولكن على مسافة امتار من غرفة المسئول العراقي الذي سأله بدر عن شقيقه بعد ان وضح له اسم خليفة الكامل.. لكن الجواب كان.. (ما عندنا هذا الاسم).. عندها اجابه «بدر» انا شاهدته، وما ان لفظ هذه الكلمة بدأت لكمات هذا المسئول العراقي تتوجه الى وجه «بدر» صارخا (انا قلت لك ما عندنا ها الاسم).. حاول بدر بجميع الوسائل التحري عن مصير اخيه.. لكنه لم يصل الى نتيجة تذكر.. ذهب الى العراق بعد اسابيع قليلة.. ايضا لم تسفر هذه الرحلة عن نتيجة.. ومنذ ذلك الحين ونحن ننتظر مجيء زوجي «ابوالعيال» خليفة انا وأولادي.. فهل يعقل استمرار هذه المأساة؟ في مقر اللجنة الوطنية للأسرى في الكويت حيث تتوافد بشكل دائم عائلاتهم وتلتقي مع الوفود العربية والاجنبية الزائرة.. كل شيء يشير الى ان المأساة مستمرة وبازدياد! الكويت ـ أنور الياسين: