عقد مكتب «البيان» في الخرطوم ندوة حول المبادرة المصرية ـ الليبية للوفاق في السودان شارك فيها عدد من قيادات المعارضة السودانية هم: حسن عبدالقادر هلال من الحزب الاتحادي الديمقراطي، ومحمد علي جادين من حزب البعث، ود. فاروق كدودة من الحزب الشيوعي السوداني، ود. مصطفى محمود من الحزب الاشتراكي العربي الناصري، ومحمد اسماعيل الازهري من الحزب الاتحادي الديمقراطي، ومحمد علي المحسي من الجبهة الوطنية الديمقراطية.وطرحت الندوة على المشاركين سؤالا وهو: ـ ماذا بعد مذكرة المبادرة المصرية الليبية المشتركة؟ ـ حسن عبدالقادر هلال: نحن نرى ان الامر يبدأ بتنقية الاجواء السياسية من شوائب الماضي ولتحقيق ذلك يجب اشاعة الديمقراطية والحريات السياسية في المقام الاول، لان مشاكل السودان متعدد الاديان والثقافات لايمكن ان تحل الا في اجواء تسودها الحرية والديمقراطية الحقة وليست المزيفة. ثم عدم استخدام الدين في الاستعلاء على الآخرين وعدم تصنيف الناس إلى اسلاميين وغير اسلاميين، ويجب ان نتخلص من جميع هذه الاوهام، ثانيا يجب ايقاف الهيمنة الاقتصادية التي تحولت إلى حرب شبيهة بالتي تجري في الجنوب، وننادي في هذا الاطار بايقاف عملية الخصخصة التي تتم في غياب الشعب السوداني، فهي تفضل لصالح بعض الناس، كل هذه الاشياء يجب ان توقف طالما اننا بدأنا فترة سلام. اهمال الزمن من ملاحظاتنا على الورقة نجد أنها اهملت مسألة تحديد الزمن ونخشى ان يتم اهدار الزمن لذلك نطالب بسقف محدد لتحقيق ما نصبو اليه لا ان نترك الامر هكذا، ثالثا نطالب باطلاق سراح المعتقلين السياسيين وعلى رأسهم سكرتارية التجمع الوطني وفورا لانه لا يمكن ان تفاوض التجمع وقادته موجودون بالسجن، كما ان هنالك عددا من القوانين التي يجب الغاؤها لكي يشرع الناس في التفاوض دون رعب أو خوف، أولها قانون الطواريء الذي يمنع التجمعات بكل انواعها السياسية والثقافية والاجتماعية حتى نتمكن من التعبير عن وجدان الشعب السوداني وايضا نطالب بالغاء كل القوانين المقيدة للحريات حتى يجد الناس حرية التعبير والعمل النقابي والسياسي، كذلك يجب الغاء قانون تنظيم الاحزاب الذي يحرم حزبا مثل الاتحادي الديمقراطي المعارض الذي تجاوز عمره اكثر من نصف قرن من ممارسة نشاطه ما لم يسجل، كذلك يجب تعديل قانون الامن الوطني الذي يعتقل الناس دون اتهام محدد وقضائي، وكذلك القوانين الاخرى المقيدة بكل مسمياتها، وبعد ان يتم تنفيذ ذلك فان على كل حزب ان يقدم تصوره حول فترة تحقيق السلام وايقاف التدهور الاقتصادي لان الانهيار الاقتصادي، وفقدان الفرد لاستقلاله الاقتصادي يعني فقدانه لحريته لذلك يجب ايقاف هذا التدهور بجانب الاهتمام بالمواطن السوداني الذي تحمل الحربين الاقتصادية والعسكرية. كنا ننادي في السابق برفع المعاناة عن المواطن السوداني، ولكن الآن ننادي برفع الظلم عنه لانه لا يمكن ان يتساوى انسان مظلوم مع اخر مميز. اهم شيء في تقديرنا هو بحث كيفية ادارة الفترة الانتقالية ديمقراطيا حتى لا تستخدم اجهزة السلطة لمصلحة حزب واحد دون بقية الاحزاب، اذا كيف ندخل في حكومة انتقالية مع حزب مهيمن ومسيطر على كل اجهزة الدولة والخدمة المدنية ونكون معه على قدم المساواة ونطرح رأينا دون ان نخشى ان يتغلب علينا هذا الحزب، لذلك ادارة الفترة الانتقالية ديمقراطيا تمثل صمام امان لكل هذا العمل، ودون ذلك لن تكون هنالك مرحلة انتقالية، ولن يكتب الاستمرار لهذا العمل اطلاقا، هذه الورقة دخلت في موضوع المؤتمر الدستوري ولم تحدد له وقتا أو مكانا أو تحدد عمر الفترة الانتقالية نفسها، نحن نرى ان لا تتجاوز هذه الفترة ثلاثة اعوام لانجاز عمل يعالج هذا الخراب الذي حدث في كافة المجالات، هذه الفترة تنتهي بايقاف الحرب واعادة تعمير الجنوب لاننا لا نستطيع ان نتحدث عن المواطن الجنوبي أو الوحدة الطوعية أو تقرير المصير دون ان نتحدث عن اعادة تعمير الجنوب ومعالجة ما خلفته الحرب وازالة التوتر من الشمال وتضميد الجراح حتى يقتنع المواطن الجنوبي ان الحل في ايدي شعبنا كما ذكرت الورقة، دون ذلك فان المواطن الجنوبي لن يختار الوحدة، فاذا ما اقتنع بأننا جادون في تعمير الجنوب ومد ايادينا نحوه فهو لن يختار الوحدة، ولكن اذا ما رأى جديتنا في كل ذلك فهو سيختار الوحدة لانه يعيش معنا في الشمال ويحس بأننا لا نكن له عداء على الاطلاق واننا لا نظلمه وان فعل ذلك بعض الحكام لذلك يجب التمييز بين الحاكم والمحكوم، لاننا كلنا مظلومون ونتساوى في الظلم، وان البديل اذا ما فشلنا في ذلك هو التدخل الشامل وفرض الحل بالقوة، وانه قد ترسم حدود وتقسيمات لا نرضى عنها كلنا في الشمال والجنوب. وعن مسألة العلمانية وفصل الدين عن الدولة نقول ان مؤتمر القضايا المصيرية لعام 1995 باسمرا تحدث عن عدم استغلال الدين في السياسة وعدم خداع الناس بالدين، وان الحديث الان عن المواطنة اغنانا عن ذلك لأن مصطلح العلمانية تعبير غربي، والعلمانية هناك تعني تقاسم السلطة بين الكنيسة والدولة، وليس معناها الالحاد بأي حال من الاحوال بالاديان السماوية، وهذا المصطلح لا يعنينا بأي حال من الاحوال لان الذي يعنينا الان هو الاحتكام على المواطنة بمفهومها الشامل. والمواطنة تعني ان السودانيين كلهم سواسية يأتي إلى القصر من يأتي ولايأتي من لا يوافق عليه الشعب وينتخبه. وحدة السودان والحفاظ على وحدة السودان واجب لانه اذا تمزق السودان فقد الاسلام الوعاء الذي يحتويه، اذن وحدة السودان يجب ان تكون اولا وقبل كل شيء، ونحن نحافظ على وحدة الامة بالتساوي والتعددية الحزبية والثقافية، ونحن في الحزب الاتحادي الديمقراطي المعارض دعاة للوحدة، وهذا خط وضعه ورسمه الزعيم اسماعيل الازهري ثم سار في دربه الآن الزعيم محمد عثمان الميرغني وهو يقود تجمع المعارضة بالتسامح وبالتعددية الحزبية وبالثقافة والتنوير والوعي وقبول الآخر وليس باقصائه، اما الاخرون فهم يسعون إلى تفكيك الامة بالقهر والتسلط. نحن مع هذه الورقة ولكن بعدها هنالك عمل كثير ونحن كذلك مع كل المواثيق التي وقعناها ولن ننكث بالعهد. آلية الاتفاق ـ د. فاروق كدودة: عندما يجلس السودانيون للحوار من السهل ان يصلوا إلى اتفاق، لكن من الصعب جدا ان يواصلوا الاتفاق، يمكن لأي سبب بسيط ان ينسف اتفاقهم، لذلك فان الاتفاق ليس هو الاهم، انما آلية تطوير ومتابعة ورفع الاحساس بالالتزام، في رأيي ان ما طرح من المبادرة المشتركة عبارة عن اطار عام لاجلاس السودانيين مع بعض، وطرح القضايا الخلافية في التاريخ، نحن نذكر بعض الاشياء التي اشار لها الناس مثل اتفاقية اديس ابابا التي وقعت بين نميري وحركة انانيا ولكن عندما غير نميري رأيه في بعض الالتزامات وكان في حالة نفسية محددة انهار هذا الجهد ورجعنا إلى المربع صفر. اعتقد ان الاشياء التي غذت النزاع في السودان هي نفس الاشياء التي اغفلتها اتفاقية الحكم الذاتي ابان العهد المايوي، وهذه المبادرة التي نحن بصددها بها العديد من الاشياء الايجابية ووجدت قبولا من كل الاطراف بما فيها الحكومة، وحدث اعتراف بان هنالك ازمة سودانية، فقبل شهر تحدث احمد عبدالرحمن المسئول البارز في الحزب الحاكم عن ان السودان ليس به مشاكل، وانا رددت عليه بسؤال هل يتحدث الاخ احمد عن سودان اخرى، ولكن بعد مجيء الورقة المصرية الليبية فان الحكومة اعترفت بهذه الورقة، ونحن نعتبر ذلك اعترافا ضمنيا بوجود مشكلة، على كل، هذه المبادرة تمت الموافقة عليها باعتبارها اطارا عاما تمهيدا لدفع الناس للجلوس، لذلك فهذه المرحلة اولية، وقبول المبادرة من جانب الجميع يؤكد بأنهم سئموا العيش في هذه الحالة من حرب وأزمة معيشية وسئموا كذلك كل انواع الانهيارات، لذلك فانهم تشبثوا بهذه المبادرة، لا اريد ان اكرر ما ذكره الاخوة المتحدثون ولكن المفاوضات المقبلة تختلف عن التي دخلنا فيها لان طبيعة النظام الذي حكم السودان اثني عشر عاما مختلفة، لانه كان يريد تغيير وجه الحياة في السودان في كل شيء، كانوا يريدون تغيير كل حياتنا متى نصحو ومتى نضحك ومتى نختلف مع زوجاتنا، فالانجليز عندما استعمروا السودان ما كانوا يريدون تنفيذ ذلك وانما كانوا يرغبون في حكم البلاد وان يأخذوا بعض الموارد ويذهبوا ولكن هذا النظام كان يريد اخذ كل شيء القطن والبترول وديننا واخلاقنا. لذلك فان طبيعة النظام مختلفة ويحكم البلاد بأساليب مختلفة لم يعهدها الشعب السوداني من قبل، فالترابي كان ينصح جماعته بألا يقتلوا السودانيين ولكن يعذبوهم فقط، لذلك فان المرحلة المقبلة مختلفة، والمبادرة فتحت مرحلة بها مزالق ومخاطر كبيرة من ضمنها ما ذكره البروفيسور ابراهيم احمد عمر الامين العام للحزب الحاكم قبلوا بالتسعة بنود فقط، وهذا يعني قفل الطريق وحصر الحوار والمناقشة. في حيز ضيق جدا لذلك نحن ندعو لمحاصرة مثل هذه العناصر، التي تمانع في الوصول إلى حل للازمة عن طريق عمل يقضي إلى اشراك كل الشعب السوداني في هذه المسألة، ونقترح من اجل انجاح هذه المفاوضات تكوين لجنة تنسيق من القوى المستنيرة في السودان من الاحزاب السياسية والتجمعات المدنية لكي تقوم بشرح الوضع القائم في السودان بعد قبول الاطراف للورقة عن طريق اقامة محاضرات بالجامعات والمدارس والوزارات ونستغل يوم الخدمة الذي ابتدعته الحكومة لتخريب عقول الناس، في شرح الاوضاع وابعاد الوضع، وهذا سيكون الضمان لتنفيذ هذه البنود التي نعتبرها غير جديدة، واخطر ما يقوله المسئولون في الحكومة ان هذه البنود مضمنة في الدستور، ولكنها لم تقدمنا خطوات إلى الامام بالرغم من وجودها في الدستور، لذلك هذا الدستور الذي ضمنت فيه هذه الاشياء يؤكد عدم المصداقية في تنفيذه والالتزام بما ورد فيه، ونتيجة لذلك انتهت اتفاقية الخرطوم للسلام، لذلك نحن نحتاج إلى تجربة جديدة مع مصداقية الدولة، ولتطوير ما توصلنا اليه الان نحتاج اولا إلى اعادة الحريات الامر الذي يسمح للاحزاب بامتلاك منابر في المليون ميل مربع لتشرح للناس ما توصلنا اليه لضمان تنوير كل قطاعات وشرائح المجتمع، وهذا المطلب يجب ان يلبى الان، لأن جلوس البشير والصادق والميرغني وقرنق من اجل حل المشكلة ودون مشاركة الشعب السوداني لن يجدي شيئا خاصة وان القضية لن تحل في اجتماعات في غرف مغلقة. ايضا قضايا تقرير المصير والدين والدولة يجب ان تناقش باستفاضة في كل المستويات، نعم يمكن مناقشة البندين على مستوى النخب ولكن قبل ذلك لابد من حصول وضوح حولها. ثالثا يجب ايقاف الاعتقال وان ترفع الرقابة من الصحف، وهذه هي الاشياء التي ستساعد على تعبئة الرأي العام. القفز فوق المراحل لا اتصور ان من المفيد ان نقفز فوق المراحل، ووقف اطلاق النار امنية لكل الناس، ولتحقيق ذلك يجب تهيئة الاشياء التي ذكرناها، وبعد ذلك نسعى لتكوين الحكومة الانتقالية التي يكون وقف اطلاق النار من اولى اجندتها، وبعد ذلك يمكن للاخوة من الجنوب والشمال أن يشعروا بطمأنينة، نحن استقبلنا كل الذي حدث بتفاؤل شديد، ووصلنا إلى تحديد القضايا الاساسية التي اهملت بكل اسف في اجندة الاتفاق ولذا لابد من تضمينها في بنود التفاوض اذا ما توحدت الفصائل السياسية. نؤكد بأن الورقة تهيء لنا الفرصة في الوصول إلى وجهة نظر وتعتبر بمثابة مرحلة اولية ونأمل ان يرتفع الاحساس بها في كل الاوساط، ونحن في المعارضة نحتاج إلى عمل غير اعطاء الناس الامل بان هنالك بديلا للامر الذي لا يمكن ان يحدث ما لم نتغلغل وسطهم، ولباد ان تكون البداية من خلال هذه الندوة ان نطالب برفع القوانين الاستثنائية والهجمة على الحريات وبالتالي تصبح اجهزة الاعلام المرئية والمسموعة والصحف حرة، اريد ان انبه هنا إلى ان الرؤى حول المذكرة لم تكتمل في كل الاحزاب والمؤسسات ولذلك فان بعض الآراء تعبر عن رؤية شخصية، مثلا الحزب الشيوعي لم يقترح قيام لجنة التنسيق، كذلك لم يقترح تنظيم يوم العمل في الندوات وكذلك المحاضرات في الجامعات، لذلك فانا اقول لماذا لا نفكر نحن في مثل هذه الاشياء، ولذلك فان الكثير من الحديث الذي اوردته يعبر عن رأيي الشخصي. القطيعة والمفاوضات ـ محمد علي المحسي: اخشى ان تنعكس القطيعة المتبادلة بين الصادق المهدي وجون قرنق والتي خلفت بعض المرارات على المفاوضات بما يمس مستقبل السودان. لقد قام التجمع الوطني بطباعة كتيب يحوي الرسائل المتبادلة بين المهدي وجون قرنق لمعالجة مثل هذه المسائل بحثا عن الوضوح والشفافية حتى لاتشغلنا المسائل الجانبية، ثم تناول المحسي موضوع الندوة، فقال: نرى ان هنالك بعض النقاط لم ترد في المبادرة المصرية الليبية المشتركة وقد تم التداول حولها عدة مرات حيث انها اهملت تقرير المصير بالرغم من ان الجميع متفقون في هذا الموضوع باعتباره حقا طبيعيا فليس هنالك مواطن يمكن اجباره بالعيش تحت نظام معين. كما اهملت المبادرة علاقة الدين بالدولة، وأيا كانت الصيغة التي يتفق عليها، فلابد ان يكون المقصود تعدد الاديان والاعراق ولا تفيدنا حجة اغلبية، واعتقد ان هذه نقطة جوهرية ويجب ان تناقش هذه المسألة بصورة مستفيضة، وليس هنالك اغلبية ولا اقلية في الاديان، والوطن الواحد يضم عدة اديان واعراق ويجب ان نتفق على وسائل معينة، كما ان المبادرة لم تشر إلى الدستور، ولابد للتصدي للدستور القائم الان، لان الدستور المطلوب هو الذي يقبله الجميع ويوافقون عليه، كما اشارت الورقة إلى الحكومة الانتقالية ولكنها لم تتطرق إلى تكوين الحكومة الانتقالية وهذا قد يشعل نيرانا كثيفة، ولذلك ارى ان يتم تحديد واضح لمسألة الحكومة الانتقالية ومن هم الذين سيشكلونها، ولدينا في التجمع رأي واضح حول القوى السياسية والنقابات والقوات النقابية، ويجب ان يكون الاتفاق من البداية على من هم الذين يشكلون الحكومة الانتقالية، وكل الهدف هو تمثيل كل الاطراف وليس عزل أية جهة ايا كانت لاننا نتحدث عن مستقبل السودان. والمطلوب منا كأحزاب بما فيه احزاب التجمع ان نشرح الموقف لكل جماهير الشعب السوداني وان نقوم بتعبئة الجماهير عبر شرح بنود الورقة والنقاط الاخرى التي نرى انها من الضرورة ان تضاف، وذلك حتى يكون الكل على علم تام بما تم الاتفاق عليه وما تم الخلاف حوله، ونحن في مرحلة دقيقة كهذه نريد ان تكون المسائل في منتهى الوضوح، وألا يكون هنالك مجال للمناورة، واعتقد ان هنالك جهات وبالذات في السلطة سوف تتآمر على هذه المبادرة وادعو الجميع لاخذ الحيطة والحذر ولكشف كل المخاطر التي قد تظهر في الساحة السياسية. اما الاضافات التي نتحدث عنها في مقدمتها فصل الدين عن الدولة وحق تقرير المصير، واعتقد انه بدل من الحديث عن مبادرتين منفصلتين، واذا استطعنا ان ندخل اجزاء من مبادرة الايجاد في المبادرة المشتركة وذلك باتفاق مع دولتي المبادرة، فان هذا يسهل الحل رغم ان بعض المسائل قد تحتاج إلى وقت. كما انه من الضرورة ان يكون لدينا وضوح تام حول المؤتمر الدستوري والذي يجب الا يعزل أي طرف مهما كان من التمثيل فيه، لان فشله يجدد المرارات ويكون بداية للمشاكل مرة اخرى ولابد من تمثيل واشراك الجميع في هذا المؤتمر الذي يجب ان يضم حتى المستقلين. واذا كانت هنالك نقطة لم تجد حظها في النقاش أو مسكوت عنها فستظل واحدة من البؤر التي تفجر المسائل كليا، يجب ان نفتح صدورنا حتى لا يكون هنالك اي شيء مسكوت عنه. وارى ان الحكومة الانتقالية امامها مهام جسيمة وجوهرية واساسية يجب ان نتطرق لها، فالنظام القانوني السائد الان ليس هو المتفق عليه، كما ان مسألة النظام الاقتصادي مختلف عليه لان النظام الاقتصادي الجاري الان خاصة مسألة الخصخصة ورفع يد الدولة عن الاقتصاد، هذه مسألة ضارة ولابد ان تعالجها الحكومة الانتقالية وان تضع الاسس الكفيلة بتصحيحها ولابد من ازالة التخريب الذي حدث في النظام المصرفي، ويجب ان نعمل على حماية المال العام في الدولة لأن الدمار المالي الذي حدث يجب الا نتجاهله والواقع والاحصاء يقول انما يحدث الان هو دمار وذلك بالارقام، فقد اصاب الدمار الزراعة والصناعة والتجارة، وبالرغم من ذلك هنالك من يتحدث عن تقدم تم احرازه ولكنهم يتحدثون عن اشياء وهمية، فالبترول الذي حقق 500 مليون دولار افقدنا ما يقارب المليار دولار من القطن والمحاصيل الاخرى. كما ان هنالك مسائل خاصة بالدستور والخدمة المدنية وهي عماد السودان منذ الاستقلال وأدت ادوارا عظيمة وللأسف اخطأنا كثيرا بتدميرها منذ اكتوبر 1964 ومرورا بالحكومات الاخرى، هذا خطأ نعترف به ويجب ان نصححه ويجب ان تعود للخدمة المدنية قوميتها إلى جانب عودة كل الذين تم فصلهم من الخدمة المدنية فصلا تعسفيا، كذلك القوات النظامية التي عانت من هذا الموقف وفصلت منها اعداد كبيرة جدا، ولابد من عودة قومية القوات المسلحة، إلى جانب الاتفاق على نظام الحكم، هل هو فيدرالي ام تقليص في الولايات خاصة فيما يخص جنوب البلاد الذي له خاصيته ويتطلب ان يكون له نظام خاص. مرحلة التداول ـ محمد علي جادين «حزب البعث»: ان كثرة المبادرات الخارجية المتعلقة بالازمة السودانية ليست دلالة عافية ولكنها تعني انها تسير للانهيار، وقال ان بعض الاحصائيات تشير إلى انها اكثر من عشرين مبادرة خارجية للسلام، عدا المبادرات الداخلية، وان كثرة هذه المبادرات من دولة لاخرى اقليمية أو دولية ليست دليل صحة ولكنها تعكس ان الازمة السودانية قد دخلت مرحلة خطيرة وهي مرحلة التدويل وقد ساهمت الحكومة في ذلك خلال العشر سنوات الماضية والتي سعت للعالم الخارجي بدءا باجتماعات اديس ابابا ونيروبي وابوجا وانتهاء بالايجاد عام 1994 ثم اصدقاء وشركاء الايجاد. وفي العام 1999 جاءت المبادرة المصرية الليبية المشتركة لتحقيق السلام والوفاق الوطني، وفي هذا الاطار طرحت دولتا المبادرة تسع نقاط للحوار لتهيئة المناخ وهذا يعتبر تطورا كبيرا في المبادرة، وبهذه الخطوة ادخلها في عمل مواز لمبادرة الايجاد والتي كانت تتميز عليها باعلان المباديء، والورقة التي امامنا حوت في مجملها اعلان مباديء الايجاد ولا تختلف عنها في الجوهر بالرغم من ان الورقة الاخيرة لم تنص على حق تقرير المصير بصورة دقيقة ولكنها لم تتجاهل الامر بشكل كامل حيث نجد ذلك داخل الموضوعات المطروحة وذلك عندما تتحدث الورقة بان الدولة تقوم على المواطنة كأساس للحقوق والواجبات فهذا يعني فصل الدين عن الدولة وان يكون الدستور ديمقراطيا وان تكون الدولة دولة مدنية ليست قائمة على الدين ولا على العرق ولا على أية انتماءات. واعتقد ان هنالك جدية من قبل دولتي المبادرة والدليل لقاء الرئيس المصري حسني مبارك مؤخرا بالقاهرة مع جون قرنق ويبدو ان هذا اللقاء قد عمل على حل بعض المشاكل المتعلقة بالتجمع الوطني الديمقراطي، كما برز هذا الاهتمام في زيارة عمرو موسى مؤخرا إلى الخرطوم حيث وضعت الزيارة المسئولين السودانيين في الصورة، وعمرو موسى هو ممثل للدبلوماسية المصرية من جهة ويمثل الجامعة العربية في الجانب الاخر، وهذه الزيارة تعكس الاهتمام العربي بالمشكل السوداني، فالقضية السودانية كما تم بحثها على النطاق الافريقي هي الان تعربت من خلال الجامعة العربية، ويؤكد على ذلك تصريح عمرو موسى الذي قال انه سيولي المشكلة السودانية اهتماما كما يعطي اولوية للمشكلة الفلسطينية. الفرصة الاخيرة ان ورقة المبادرة تركز على الحكومة الانتقالية التي تشارك فيها كل القوى السياسية وتركز على الانتقال الديمقراطي من دولة الحزب الواحد إلى الدولة المدنية الديمقراطية، كما ان الورقة حددت الاطراف المعنية بالحوار والمتمثلة في ثلاث طراق هي: التجمع الوطني الديمقراطي وحزب الامة والحكومة وهي الاطراف المعنية بالحوار وبتطبيق وتنفيذ المباديء المعلنة في الورقة، وقد اعلنت هذه الاطراف الثلاثة قبولها لورقة اعلان المباديء، فالحكومة قبلتها دون تحفظ فيما قام حزب الامة والتجمع باضافة بعض البنود والقضايا والتي اعتقد انها في مجملها متشابهة. والقراءة المتأنية للورقة تشير إلى انها محاولة لفتح الطريق لتسوية وطنية تاريخية شاملة في السودان وليست مصالحة جزئية مثلما حدث في اتفاقية اديس ابابا للسلام عام 1972 والتي وقعها الرئيس السابق جعفر نميري مع جوزيف لاقو، أو مثل المصالحة التي تمت عام 1977، ولكن المبادرة هي تسوية وطنية من نوع جديد، والسودان يحتاج فعلا إلى مثل هذا النوع من التسوية التي لم تحدث منذ الحكم الذاتي عام 1954 وطوال هذه السنوات، خاصة وان المشاكل تراكمت حتى اوصلت الازمة السودانية لمرحلة التدويل، وعلى الجميع الاتجاه إلى هذه التسوية وليست المصالحة الجزئية التي يشارك فيها حزبان أو ثلاثة احزاب للخروج باتفاقية شبيهة لاتفاقية السلام عام 1972 مع حركة التمرد الجنوبية، ونؤكد ان الورقة تفتح فرصة وبداية جديدة للسودان وليست مصالحة، خاصة وان البعض يسمونها الفرصة الاخيرة، وبالتالي على الجميع اغتنام هذه الفرصة والتعامل معها بجدية وان يعملوا كل ما في جهدهم على انجاحها وتجاوز كل المشاكل وان يحلوا كل العقبات التي تعترض طريقهم، وفي سبيل ذلك ولنجاح هذه الفرصة على كل الاطراف الاعتراف بان هنالك ازمة وطنية شاملة يعيشها السودان واذا لم نعترف بهذه المسألة ليس هنالك من داع لاعلان المباديء ولا داعي للوفاق الوطني والحل السياسي الشامل، فالمشكلة ليست مشكلة الجنوب والحرب الاهلية بل ان المشكلة اكبر من ذلك وتتعلق بمستقبل السودان نفسه هل يبقى أو لا يبقى، فالمطلوب على جناح السرعة ايقاف الانهيار الذي يجري في البلاد منذ عام 1978، حيث ان الجميع بدأوا يحسون بالانهيار الاقتصادي بالرغم من انتاج البترول الذي اضاف خمسمئة مليون دولار إلى خزينة الدولة، كما تتمثل الازمة الوطنية الشاملة في عدم الاستقرار السياسي وعلاقات السودان مع دول الجوار وهذه الازمة تحتاج إلى مشاركة الجميع وليست مشاركة ثلاثة زعامات أو شماليين مع جنوبيين أو حلول جزئية ايا كان شكلها، واعتقد ان من المهم الرجوع إلى مقررات طرابلس عام 1999 وبالتالي على الحكومة اتخاذ الاجراءات الخاصة لتهيئة المناخ ويشمل ذلك الغاء المحاكمات وتصفية المعتقلات وتعجيل الغاء القوانين المقيدة للحريات إلى آخر النقاط التسع التي وضعتها مقررات طرابلس 1999م وهذه المسألة ضرورية حتى يتمكن الجميع في المشاركة لوضع الحلول للمشكلة السودانية، حتى لا نحصر المشكلة في الحوار في غرف مغلقة بين مجموعات صغيرة، بل يجب ان نشرك كل القوى السياسية والاجتماعية وذلك عبر اشراك النقابات والشارع السوداني بشكل عام، وكل هذه الاجراءات تحتاج إلى جدية من الحكومة في اتجاه التحول الديمقراطي، فالازمة في حوجة لحل سياسي شامل وليس حلا جزئيا، وذلك بهدف خلق سودان ديمقراطي موحد وفاعل في محيطه العربي والافريقي، واعتقد ان هذا هو الهدف النهائي الذي يجب الوصول اليه، كما ان هنالك ضرورة ان يكون هنالك تنسيق بين المبادرة المصرية الليبية المشتركة وبين مبادرة الايجاد حتى تشكل المبادرتان منبرا عربيا وافريقيا موحدا يعبر بصورة حقيقية عن التركيبة السودانية، وحتى لا يترك في نفس الوقت تنافرا أو تنافسا بين مبادرة افريقية واخرى عربية، فالسودان ذو تركيبة عربية افريقية وترك احداها يعني ان الشماليين لم يقبلوا الايجاد كلية أو الجنوبيين لم يقبلوا المبادرة المصرية الليبية المشتركة على الاطلاق لانها لم تلب لهم مطالبهم، واقر ان هنالك صعوبات في التنسيق بين المبادرتين حيث ان التنسيق مطروح منذ عام 1999، ولكن اذا تحركت الاطراف الجادة المعنية في الحكومة والحركة الشعبية لتحرير السودان تساندهما القوى السياسية السودانية الاخرى فيمكن فرض التنسيق بين المبادرتين على الايجاد وعلى المبادرة المشتركة في نفس الوقت، وهذا هو خط الدفاع الاول بالنسبة للسودانيين من التدويل الشامل للأزمة السودانية، وان فشلنا في هذه النقطة يعني اننا نفتح الطريق بأيدينا لتدويل شامل. الطرف الثالث وعن موقف الاطراف المعنية الثلاثة وهي التجمع الوطني الديمقراطي والحكومة وحزب الامة، نجد ان التجمع بتركيبه يمثل تحالفا سياسيا واسعا يضم قوى سياسية شمالية وجنوبية واعتقد انه اوسع تحالف يمر على السودان في تاريخه الحديث أو على الاقل منذ الاستقلال وبالتالي فالتجمع يمثل غالبية القوى السياسية مع التقدير الكامل لكل القوى خارج التجمع. ونجد ان التجمع اهتم بمسألة الحل السياسي الشامل منذ فترة طويلة وعلى الاقل منذ عام 1998 بدءا بمذكرة تجمع الداخل إلى القصر الجمهوري في ديسمبر 1998، كما عنى التجمع بحل الازمة السودانية ولذلك نجد لديه وثائق ومقررات كثيرة منها مقررات مؤتمر نيروبي واسمرا ومصوع ومؤتمر طرابلس عام 1999 انتهاء بمقررات الاجتماعات الاخيرة للتجمع في القاهرة الشهر الماضي، لهذا فان التجمع موقفه التفاوضي واضح ويعرف ماذا يريد من الحكومة ولديه مشروع لسودان ديمقراطي موحد، وهذا المشروع واضح المعالم والقسمات والقضايا الاساسية المطروحة لديها حلول من قبل التجمع سواء من الحرب الاهلية والسلام أو الديمقراطية أو الدستور أو الفترة الانتقالية نفسها. اما عن موقف حزب الامة فقد كان جزءا من التجمع حتى مؤتمر مصوع وبالتالي فان حزب الامة لايزال متمسكا بكل الوثائق والمقررات الخاصة بالتجمع حتى مؤتمر مصوع بما في ذلك مقررات اسمرا، واعتقد انها هي الوثائق الاساسية الخاصة للتجمع، كما ان لدى حزب الامة وثائقه الخاصة مع الحكومة واهمها اعلان جيبوتي عام 1999 وبالتالي فان لدى حزب الامة قدرا من الوضوح في موقفه التفاوضي. وهنالك اشكالية سوف تواجه حزب الامة في المفاوضات فهل يقف مع التجمع ام مع صف الحكومة أو يقف في المنتصف كطرف ثالث، واعتقد ان وجود طرف ثالث في اي مفاوضات أو حوار هو عامل عرقلة، ولهذا فعلى حزب الامة ان يحدد موقفه بشكل دقيق، ويأخذ طريقه اما بالعودة إلى التجمع أو التنسيق معه في المرحلة المقبلة. اما الطرف الثالث أى الحكومة فقد كانت على الاقل منذ عام 1998 تتفهم الحل السياسي الشامل وذلك عبر السعي لمصالحة الحزبين الكبيرين في الشمال وبتوقيع اتفاقية للسلام مع الحركة الشعبية في الجنوب وذلك في اطار الركائز الاساسية للنظام القائم، أي ان الحكومة يهمها ان تدخل الناس في اطارها باتفاقيات جانبية والدليل على ذلك ما قاله نائب رئيس الجمهورية الشهر الماضي «ان الوفاق لا يعني انتحار الانقاذ» كما ان احد المسئولين قال معلقا على بنود ورقة تفعيل المبادرة، قائلا: «ان سبعة بنود من بنود الاعلان الثمانية موجودة في الدستور وفي اتفاقية الخرطوم»، وهذا يعني انه ليست هنالك مشكلة وبالتالي على الجميع العودة والدخول مع الحكومة بدستورها ونظامها الذي يمكن ان تستوعبهم، لكل هذه الاسباب ارى ان الحكومة لايزال موقفها التفاوضي غير واضح، والمطلوب منها بشكل سريع تحديد موقفها التفاوضي بطريقة محددة، حيث ان الوضوح في هذه المسألة يجعل الحوار مع الاطراف الاخرى سلسا ويقود إلى حلول مشتركة أو حلول وسط. من وجهة نظري هذا هو موقف الاطراف الثلاثة المعنية بالحوار في اطار المبادرة المصرية الليبية المشتركة ولكن هل يعني قبول الاطراف الثلاثة لبنود الورقة التسعة ان الطريق اصبح سالكا للوصول إلى النتيجة النهائية، اعتقد انه سوف تكون هنالك عقبات كثيرة جدا، وهناك فئات كثيرة لها مصالح تريد استمرار الوضع الراهن، كما هو، وقد ظهر ذلك جليا في الايام الاخيرة في بعض الصحف الموالية أو القريبة للحكومة متمثلة في الاخبار والمقالات التي تعكس الموقف الذي يضع العقبات امام المبادرة ومن بينها بيان نقابة المحامين السودانيين والذي يعبر عن رأي قطاع كبير داخل الاسلاميين في السلطة اضافة إلى مقال امين حسن عمر امس في صحيفة «الانباء» والذي عكس هذا التوجه والذي من الممكن ان يتضح ملامحه بصورة اوسع خلال الفترة المقبلة، والذي يحتاج إلى مجهود كبير لمقاومته من القوى المؤمنة بالتسوية داخل الحكومة ومن قوى التجمع الوطني الديمقراطي وحزب الامة والاخرين وكل الذين يؤمنون بالتسوية الوطنية الشاملة. ثلاث محطات ان التسوية الوطنية الشاملة ممكنة بعودة عملية لاسباب كثيرة منها اننا نعيش في حياتنا اليومية في ثقافتنا السودانية اشياء عدة تقوم على التسوية من المشاكل الاسرية وحتى الصراعات القبلية، كما ان هنالك سوابق للتسوية في تاريخ الحركة السياسية السودانية وحدث ذلك في اتفاقية الحكم الذاتي عام 1952 وفي الاستقلال، وفي اكتوبر 1964 وفي ابريل 1985 وحدثت ايضا عام 1989 بعد مذكرة الجيش وتكوين حكومة الجبهة الوطنية التي كان رئيسها الصادق المهدي، ولذلك فالتسوية مسألة ممكنة لان المشاكل السودانية الكبرى الاساسية وصلت إلى نقطة من الصعب الوقوف والتفرج عليها وعلى الجميع ان يجلسوا للحوار لحل هذه المشاكل، كما ان التسوية موجودة عالميا وحدثت في جنوب افريقيا حيث لم يجد النظام العنصري هنالك حلا غير التسوية الوطنية مع الاغلبية السوداء. بعد صدور ورقة المبادرة المشتركة وموافقة الاطراف الاساسية عليه، هنالك ثلاث محطات اساسية امامنا تحتاج إلى مجهود ووضوح، وتتمثل المحطة الاولى في الحوار بين الاطراف الثلاثة المعنية للوصول لاتفاق حول ايقاف الحرب والتحول الديمقراطي، كما يمكن تفصيل البنود العامة التي وردت في المذكرة حتى تصبح اتفاقا سياسيا وهذا الامر يتم تحت مظلة المبادرة المشتركة ومبادرة الايجاد ونجاح هذه المحطة يتوقف على النجاح في المحطتين المتبقيتين، بالرغم من ان هنالك احتمالا كبيرا ان تحدث مطاولة حول ذلك وتتحول مباديء اعلان المبادرة المشتركة أو الحوار حولها إلى نفس السيناريو الذي عشناه في مبادرة الايجاد وتستمر المفاوضات سبع سنوات وتتجمع الأطراف وتنفض دون التوصل الى شيء، وذلك من المهم ان يكون هناك وضوح من الاطراف المعنية والاسراع الى اتفاق طالما هناك اتفاق على المباديء الأساسية. وتتمثل المحطة الثانية في الفترة الانتقالية والتي اعتقد انها أهم نقطة في البنود الثمانية الواردة في الورقة وهي التي تقوم بانزال هذه المباديء لأرض الواقع، كما ان الفترة الانتقالية تحتاج الى أمور محددة تتمثل في دستور انتقالي ديمقراطي غير الدستور الحالي، دستور ديمقراطي تتفق عليه كل القوى المشاركة في الحوار. كما ان الفترة الانتقالية تحتاج الى برنامج حتى لا تتحول الى اقتسام غنائم تختلف حوله الاحزاب والنقابات كما حدث في فترات انتقالية سابقة. ويجب ان يركز برنامج الحكومة الانتقالية على أمور يتفق الجميع عليها مثل ايقاف الحرب وتحقيق السلام وتعزيز الوحدة الوطنية والتحول من نظام الحزب الواحد، واعادة الديمقراطية والتأكيد على قومية المؤسسات والاصلاح الاقتصادي، ويجب ان يعنى برنامج الحكومة الانتقالية بمسائل اعادة التعمير ما بعد الحرب سواء في الجنوب أو الغرب أو الشرق، الى جانب البحث عن كيفية توظيف وتوزيع الدعم الاقليمي والدولي علاوة على مسألة تكوين الحكومة الانتقالية نفسها وفترتها. وأرى ان من الأهمية بمكان ان تكون مدتها بين اربع الى خمس سنوات كما جاء في وثائق التجمع حتى تكون اول فترة انتقالية حقيقية يمارسها السودان منذ الاستقلال لحل مشاكله المتراكمة. في الفترات السابقة كانت هناك فترة انتقالية عام 1964 وكانت أقل من سنة وفي عام 1985 كانت لسنة واحدة، ولكن حكومات الفترة الانتقالية لم تعمل شيئا يذكر غير انها تسلمت السلطة من العساكر وسلمتها للأحزاب الكبيرة، وأدخلتنا مرة اخرى في دوامة فشل التجارب الديمقراطية وفشل التجارب العسكرية. لذلك يجب ان تكون مدتها طويلة نسبيا على ان تكون أهدافها محددة بشكل دقيق حتى تقوم بحل المشاكل الأساسية التي تراكمت منذ الاستقلال وحتى الآن وهي مشاكل الوحدة الوطنية والحرب الأهلية، كما ان المشاكل الاقتصادية تحتاج الى حلول، وان يكون ذلك بمشاركة واسعة في الحكومة نفسها أو مشاركة بأشكال مختلفة، أو ان تكون المشاركة من خلال مؤتمرات واسعة جدا مثل مؤتمر اقتصادي أو قانوني أو للخدمة العامة بمشاركة المتخصصين أو المثقفين السودانيين في المجالات المختلفة وهم قادرون على حل مشاكل هذا البلد بالحوار والنقاش وبخبرتهم وتجربتهم، واستشهد في هذا الأمر بالمؤتمر الاقتصادي الذي انعقد عام 1986 ولكن مشكلة ذلك المؤتمر انه عقد بعد انتهاء الحكومة أو الفترة الانتقالية. كما ان من متطلبات الفترة الانتقالية ضرورة قيام مجلس تشريعي من الاحزاب والنقابات وتنظيمات المجتمع المدني، وذلك حتى لا تكون هذه الحكومة الانتقالية معلقة في الهواء تفعل ما تريد، بل لديها مرجعية تشريعية من المفترض انها تمثل القوى السياسية في المجتمع. ويمكن للجميع التوصل الى اتفاق حول هذا الأمر عبر الحوار والنقاش. أما المحطة الثالثة والأخيرة اعتقد انه من المهم جدا ان يعقد في الفترة الانتقالية مؤتمر للاصلاح الحزبي لأن كل احزابنا تشكو من العيوب والمشاكل ونحتاج الى ان نناقش كيفية اجراء هذا الاصلاح الحزبي لفتح الطريق أمام الاحزاب حتى تتأهل وتقود تجربة ديمقراطية ناجحة كي لا تتكرر نفس السلبيات والمشاكل في تجارب الديمقراطية السابقة. ونحن نحتاج في هذا المؤتمر للوصول الى قانون انتخابات متوازن وفي الوقت نفسه قادر على ان يدير جمعية تشريعية تعبر عن كل القوى الموجودة في المجتمع. واعتقد ان فشل التجارب الديمقراطية السابقة يعزى الى قانون الانتخابات لأن طريقة الانتخابات المتبعة في البلاد تفرز قوى متخلفة وتهمش القوى الحديثة والقوى الحية في المجتمع التي تلعب دورا في العمل السياسي وتهمش ايضا المدن ولهذا تأتي الانقلابات العسكرية ليس لأن هناك ضباط متآمرين ولكن لأن التجارب الديمقراطية لا تلبي طموحات الناخبين ولا تلبي احتياجات الواقع. وفي ختام هذا السيناريو حسب تقدير التجمع وحسب تقديري الشخصي تأتي في آخر الفترة الانتقالية مشاكل الهوية وعلاقة الدين بالدولة والتنمية المتوازنة... الخ. وعلى ضوء ذلك وفي نهاية الفترة الانتقالية يتم اتخاذ اجراءات تقرير المصير للجنوب ونأمل ان تقود هذه المسيرة الى صالح الوحدة الطوعية. القبول التام ـ د. مصطفى محمود: شاركت في اجتماعات هيئة قيادة التجمع الوطني الديمقراطي التي عقدت بالقاهرة هذا الشهر وكان البند الاساسي في تلك الاجتماعات الورقة التي تقدمت بها مصر وليبيا، وسأتناول الاسئلة في اطارها المطروح من جانب ندوة صحيفة «البيان»، ثم ماذا يعني الورقة، في اعتقادي ان المذكرة وجدت في اطار الحل السياسي الشامل الذي يؤمن به التجمع المعارض، القبول التام من جانب كل الفصائل، باعتبار ان البلاد في مرحلة ازمة تقتضي الحل العاجل للأزمة، وهذا الحل يأتي بالجلوس لكل القوى السياسية المتنازعة في الساحة وحل مشكلة السودان وهي تبدأ بالديمقراطية وانهاء الحرب وتحقيق السلام. وفي هذا الاطار نحن في التجمع بقيادة محمد عثمان الميرغني لم نقبل المبادرة في اطار المناورة السياسية، بل من خلال مسئولية وطنية تجاه الشعب السوداني والازمة التي يعيش فيها، لكن اريد ان اقول إن قبول الحكومة للمبادرة تم في اطار المناورة السياسية وهذه المناورة تمت لان هنالك دولتين تربطهما علاقات جيدة ومتطورة مع السودان وهما مصر وليبيا، يبقى ان الحكومة قبلت المبادرة لضمان عدم تجيير مواقف هاتين الدولتين لصالح المعارضة، والدليل على ذلك استمرار سياسات القمع وقوانين الطواريء ومحاكمة قيادات سكرتارية التجمع المعتقلة، بالرغم من قبول الحكومة بالجلوس للمفاوضات مع التجمع، وهذه من الاشياء التي لا نجد لها تفسيرا غير انها بغض النظر عن التصريحات، تعني استمرار سياسة الاقصاء والهيمنة، بل تجد ان الكثير من تصريحات العديد من المسئولين تتم عن ان الحكومة تناور بقبول المبادرة وليست جادة. وكانت قمة المناورة بان الحكومة لجأت قبل شهور قليلة لاجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية رغم عودة حزب الامة المعارض ومصداقيته في التعامل الديمقراطي في اطار المعارضة مع الحكومة، نحن نعتبر ان عودة حزب الامة للوطن من بالونات الاختبار لتأكيد جدية ومصداقية الحكومة في حل المسألة، ولكن المسألة اوضحت بان الحكومة غير جادة في ذلك، لانها عندما تتعرض لأي ضغوط تقبل بأي شيء، واشير هنا إلى تصريح لاحد قيادات المؤتمر الوطني الحاكم للصحفيين بان الحكومة ستقبل بالورقة ولكنها ستأخذ عامين، أو ثلاثة اعوام في النقاش حول المقر والجهة المكونة بغرض كسب الوقت، وهذا يؤكد ان الحكومة تسعى إلى كسب الوقت وتقوم بنقض العهود فهي لم تحترم حتى حلفائهم في جبهة الانقاذ الديمقراطية الجنوبية، بينما نحن عندما قبلنا بالورقة رفعنا في الحال مذكرة لدولتي المبادرة أول بنودها توضيح موقف التجمع حول استقلال الدين في السياسة ورفضنا لذلك، ومطالبتنا بفصله عن الدولة، اما النقطة الثانية فهي مسألة تقرير المصير لجنوب السودان، هذه المسائل رفعت بتوضيحات محددة إلى دولتي المبادرة مما يؤكد جديتنا في قبول الورقة والسير في اتجاه الحل السياسي الشامل. في اعتقادي الشخصي ان فصل الدين عن السياسة يمكن ان يضمن عرضا لكن حق تقرير المصير لا يقبل هذا الحديث بأي صورة من الصور، ويجب ان نكون واضحين فيه طالما انه جزء من الاتفاق السياسي العام للشعب السوداني. هناك حقيقة لابد من الوقوف عندها وهي انه مهما كانت آمال دولتي المبادرة في وحدة السودان لكنهما لا تفهمان الازمة السودانية ولاتعيانها مثلما ندركها نحن تماما، لذلك المسألة بالنسبة لنا ليس عربا وافارقة وانما رؤية محددة، خاصة وان احد طرفي المبادرة وهي الجماهيرية العظمى اصبحت «افريقية» اكثر من بلد مانديلا، نحن عرب وشخصي يمثل حزبا اشتراكيا عربيا ومع هذا نصر على ان حق تقرير المصير يجب ان يكون في قمة اجندة المبادرات السياسية كلها وفي مقدمتها المشتركة. الفترة الانتقالية نريد ان نشير هنا إلى البند المتعلق بالفترة الانتقالية ونرغب ايضا في ان نفصل بين شيئين في الاجابة عن التساؤلات المطروحة وهي الفترة الانتقالية والمؤتمر الجامع، نحن نعتقد ان المؤتمر مسئولياته اكبر كثير جدا مقارنة بما يتم في فترة انتقالية من ترتيبات، ومن ضمن مسئوليات هذه الفترة الترتيب للمؤتمر الجامع الذي ستشارك فيه جميع القوى السياسية ومنظمات المؤتمر المدني وكل الاطراف السياسية القائمة الآن أو غدا، لان هذا المؤتمر يناقش كل قضايا السودان ويعتبر بمثابة مؤتمر دستوري ينطلق منه السودان إلى آفاق ارحب، اما الحكومة الانتقالية فاذا ما كنا جادين في اطار مفاوضات وحل سلمي للأزمة ولتعدد المواقع «حكومة ومعارضة» يجب ان تشمل المعارضة وهي التجمع والحكومة والجبهة الاسلامية والاتحادي الديمقراطي المسجل وجبهة الانقاذ الديمقراطية، وذلك لكي لا يحدث تعدد للمنابر في الفترة الانتقالية بالشكل الذي يحدث ربكة وصراعات جانبية تريدها الحكومة الحالية لذر الرماد في العيون، وبالنسبة لوضع حزب الامة فهو يتيح له بأن يكون في اي طرف من الاطراف فاذا ما كان يرغب في ان يكون في جانبنا فهو حر. واذا رأى بأن يكون في موقع اخر فهي ايضا مسألة تخصه، حقيقة هذه المسألة لا تحتمل في المفاوضات أكثر من طرفين على مائدة واحدة لحل ازمة السودان، وهذه هي رؤية التجمع التي نوقشت باستفاضة كبيرة، فاذا ما كنا نريد ان نناور كنا نادينا بأن يأتي كل من يريد، نحن نؤمن ايمانا قاطعا بالحل السلمي ونقول ان التجمع يمثل كل السودان احزابا جنوبية وأخرى شمالية وفصائل تحمل السلاح واخرى تناضل بطرق اخرى، كل الفصائل شمالا وجنوبا وشرقا وغربا اكدت على الحل السلمي الشامل ونعتبر ان حزب الامة بأفكاره وطرحه جزءا لا يتجزأ منا، نحن نعتبر الحل الشامل جزءا من اصل مبادئنا. ونطالب الحكومة اذا ما قبلت الورقة ان تطلق سراح قيادة التجمع بالداخل التي من المفترض ان تجري معها الحكومة التفاوض للوصول إلى اتفاق سياسي لحل الازمة السودانية. نريد دولة ديمقراطية ـ محمد اسماعيل الأزهري: في اطار الترتيب الجديد للأوضاع الذي يتم الآن جاءتنا هذه الورقة المكونة من تسعة بنود والتي يوافق عليها المجتمع السياسي للمرة الثانية بكل هيئاته، المرة الأولى كانت عند الاستقلال. هذا المتن يعتبر اطاراً عاماً، المطلوب فيه مراعاة ما هو متفق عليه، ولا أن يضم في متنه ما هو مختلف حوله، والا لما كانت هناك حكمة لتدخل جارتين شقيقتين في شئون السودان، لذا نؤكد بأنه لا يوجد جديد في هذه الورقة، هنالك الآن ما هو متفق عليه، كما يقول أهل السلطة ان سبعة أو تسعة من هذه البنود موجودة، إذاً لا خلاف، نحن في الحزب الاتحادي المعارض توافق الفهم الذي ورد في دستور الحكومة حول المواطنة ولا نتحدث عن الدين والدولة أو العلمانية نحن نريد دولة ديمقراطية تقر مبدأ المواطنة الذي أقره دستور السلطة الحالية، ونحن الاتحاديين سنوافق عليه في هذه الجزئية، وفصل الدين عن الدولة يستخدم الآن شعاراً سياسياً للتسخين من قبل هذا الطرف أو ذاك كما يستخدم للمقايضة مع بعض المواقف الأخرى، إذا دعونا نبحث عما متفق عليه لا أن نسلخ الناموسة، نحن الآن متفقون حول المواطنة كمبدأ أساسي لحل قضية الدين والدولة، وأيضاً على الفيدرالية كما اننا متفقون على ان هذا المركز لا يمكن أن يحكم كل هذا القطر مترامي الأطراف بصورة محكمة. القضية المحورية في البلاد ليست هي الحرب تحديداً لأن الحرب تأتي كنتاج لأسباب أخرى وتتحول بطول الزمن الى قضية ـ لذلك فهي ليست قضية وانما نتاج لقضايا أخرى، إذاً هنالك مجموعة من القضايا المتلازمة بصورة شاملة لذلك عندما لقول اننا نطالب بحل سياسي شامل فاننا نعني ذلك لان هنالك أزمة تستوجب الحل السياسي نحن لا يمكن أن نفضل قضية الديمقراطية عن الحرب كما لا يمكن أن نفصل قضية الحرب من السلام وهما قضيتان مختلفتان ومتلازمتان لابد أن يبحثا مع بعضهما البعض وهما أيضاً مترابطتان مع قضية الديمقراطية وتوزيع السلطة والثروة، كل هذا في اطار توزيع السلطة أكل «الكيكة». وهذا فهم عملي وواقعي لما يريده السودانيون في أطروحاتهم ولكنهم مطالبون أيضاً أن يبرروا ما يفعلون. ان هذه الورقة أوقعت الجميع في اطار الحصار، هذه البنود حاصرتنا جميعاً، وقد يكون عند البعض أخراجهم من ورطات، لكن هذا الحصار محبب الينا ونريده أن يستمر لذلك نحن الآن في الحزب الاتحادي الديمقراطي المعارض ندرس تكوين هيئة لدعم هذه المبادئ كيما تنقلنا الى عتبة أخرى في هذا الاتجاه الذي نريده عبره، وهذه رغبة داخلية شخصية ـ الاستفتاء عن كل المبادرات الخارجية، لأن الحل في أيدي السودانيين ولكن إذا ما كانت هنالك مبررات لمثل هذه التدخلات الحميدة كما يقول الصادق المهدي زعيم حزب الأمة المعارض لا نرفض ولكن لكي تساعدنا في أن تجلس نحن السودانيين مع بعضنا البعض لكي نحل قضايانا. اللقاء الذي عقده مولانا محمد عثمان الميرغني رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي المعارض مع ابراهيم أحمد عمر الأمين العام لحزب المؤتمر الوطني الحاكم وجد كثيراً من النقد ولعله وجد نقداً من بعض الجهات بعينها وهي جهات محسوبة على النظام كما أتتنا مذكرة من اتحاد المحامين ظل غائباً وهي مذكرة غريبة في مصدرها ومظهرها، هذا البيان تعبير لمثل هذه الانتقادات التي تدعو للقاء بين المعارضة والحكومة، وكان من المفترض أن تؤيد مثل هذه اللقاءات وأن تدفع الى الأمام وأن تؤدي الى تذويب الجليديين الفرقاء، لا أن تنتقد إذاً هنالك الكثير من المتاريس والألغام والقنابل الموقوتة في وجه هذه المبادرة، وهي قائمة من الذين أعلنوا انهم موافقون عليها «في الطرف الحكومي» والحكومة هي آخر من وافق عليها «الورقة» بل طلبت توضيحات، والمراقبون يصنفون الأوضاع القائمة في النظام الى ثلاث أولهما نائب رئيس الجمهورية ثانيهما بعض القوى المحسوبة على الأمن والتي قد لا تريد المحاسبة. هنالك جهات أخرى ستقف لعرقلة انفاذ ما تم الاتفاق عليه من بنود جاءت في ورقة المبادرة المشتركة، وهؤلاء المعارضون هم أعضاء غير أساسيين في «اللعبة» ولكن لديهم مصالح وقد يترددون كثيراً في التنازل عن هذه المصالح. كما ان هنالك من يعمل على اجهاض ما قمنا به من دور وذلك في خطوة لعرقلة هذا الخير العميم الذي أتى للشعب السوداني. ونؤكد ان هنالك فرصة تاريخية يندر أن تتكرر من جديد، وعلى كافة القوى السياسية السودانية سواء الساعية منها للانفصال أو المحافظين على وحدة السودان، أن تسعى لاغتنام هذه الفرصة لانها تخرجنا جميعاً في الحكومة والمعارضة على السواء من عنق الزجاجة خاصة وكل قضايانا قد انحصرت في هذا الاطار. وأرى ان