تسعى حكومة الجمهورية اليمنية إلى اصدار قانون جديد للانتخابات تحت مبرر ان القانون الساري لم يعد متكافئا مع المتغيرات التي جدت على الساحة اليمنية بما فيها الانتخابات الرئاسية والانتخابات المحلية. وقد كشفت التجارب الانتخابية السابقة عن ثغرات تفرض اعادة النظر في القانون.. أحزاب اللقاء المشترك للمعارضة الذي يضم التجمع اليمني للاصلاح، والتنظيم السبتمبري إلى جانب أحزاب مجلس التنسيق الأعلى للمعارضة الذي يضم الحزب الاشتراكي اليمني، التنظيم الوحدوي الشيعي الناصري حزب البعث العربي الاشتراكي القومي، حزب الحق، اتحاد القوى الشعبية.. ترى ان ليس هناك ضرورة للتعديل في هذه المرحلة واذا كان ولابد من التعديل فيجب ان يكون في الاتجاه الذي يرسخ النهج الديمقراطي ويدعم حرية ونزاهة وتكافؤ الانتخابات البرلمانية، والرئاسية، والمحلية، المشروع المطروح ـ في رأي هذه الأحزاب التي تشكل مجتمعة المعارضة الأساسية في الساحة اليمنية ـ ليس أكثر من محاولة لتحقيق المزيد من هيمنة النخبة الحاكمة على مجريات الانتخابات، واستكمالاً للتعديلات الدستورية التراجعية بهدف العودة إلى الحكم الشمولي الكامل وتحت شعار ديمقراطي زائف. ازاء موقف المعارضة المنضوية تحت جناح الحزب الحاكم إلى الحوار حول مشروع قانون الانتخابات الذي أعدته. وقد استجابت أحزاب المعارضة للدعوة منطلقة من قناعتها ان الحوار هو أحد مقتضيات النهج الديمقراطي بصرف النظر عن التجارب المريرة السابقة. وفي اللقاءات التي تمت طرحت المعارضة تصورها لأرضية الحوار التي يجب ان تنطلق من تقييم موضوعي شامل للمناخ الذي يحقق انتخابات حرة ونزيهة ومتكافئة ابتداء من ضمان حيادية مؤسسات الدولة وامكانياتها وايجاد الآليات التي تضمن ذلك وصولاً إلى ضمان حيادية اللجنة العليا للانتخابات واللجان التابعة لها وتصحيح الاجراءات الانتخابية ابتداء من تقسيم الدوائر وتصحيح السجلات وحتى الفرز وإعلان النتائج وبالتلازم مع وجود قضاء مستقل وكفء وقادر على البت السريع في قضايا الطعون. ولتكن المرجعية في الحوار هو الدستور أولاً، والقوانين المنبثقة عنه ولا تتعارض معه ثانيا، وافتراض حس النوايا ثالثاً وأخيراً. لقد جاءت أحزاب اللقاء المشترك للمعارضة ـ في سبيل انجاح الحوار ـ ان تتجاهل عند اللقاء الطابع السلطوي لمناخ الحوار بما في ذلك استخدام الإعلام العام في نقل وقائع اللقاء بشكل غير متكافيء، كما حاولت المعارضة ان تتجاهل الطابع التفاوضي للقاء بدلاً عن الطابع الحواري على أمل ان تسوى هذه القضايا من خلال الحوار نفسه وبعد ان يذوب الجليد، وتنهار المتارس، وتتعمق الثقة، ويسود الاحساس بالشراكة لقوى سياسية تبحث جميعها عن أفضل السبل لترسيخ النهج الديمقراطي، وتجاوز مراحل العنف، وتنمية مسيرة العمل السلمي والانتقال من التكتيكات السياسية في القضايا الوطنية العليا إلى التعاضد الصادق والأمين. وفي ظل هذه اللقاءات التي ينقل التلفزيون صوراً حميمية لأصحابها إلى الجماهير تصدر الحكومة ودون مقدمات أو حتى احاطة للقوى السياسية جرعاتها القاتلة التي تزيد الفقير فقراً وتزيد الغني غنى. تصدر هذه الجرع رغم علم الحكومة ان للمعارضة وجهة نظر تؤكد ان جباية أموال الشعب واختلاس ما بقى من مدخراته وتسليمها إلى يد جهاز إداري عاجز وفاسد ليس أكثر من استلاب للشعب في سبيل تغطية تكاليف النخبة المستفيدة التي اوصلت ما يقرب من 60% من أبناء الشعب إلى تحت خط الفقر. اعتبرت المعارضة هذا الاجراء جزءاً من تكتيك سياسي غير مسئول هدفه اظهار المعارضة للشعب وكأنها مع هذه الجرع المسمومة ورداً على تكتيك الحكومة أعلنت المعارضة تجميد الحوار وأكدت للشعب موقفها من هذه الجرع. وبما ان الحوار لا علاقة له بالجرعة الحكومية القاتلة فان التجميد للحوار لم يعن المقاطعة وانما هو رد فعل مقابل فعل. ولا تجد المعارضة بعد ان اوضحت موقفها من الجرع القاتلة حرجاً من الاستجابة لدعوة المؤتمر الشعبي العام لاستئناف الحوار حول المناخ العام لقيام انتخابات حرة ونزيهة ومتكافئة وحول مشروع قانون يجسد هذا الهدف الوطني الذي قدم شعبنا في سبيله دماء زكية ابتداء من عام 1948 وحتى اليوم. أما السؤال الذي يطرح نفسه فهو هل ما سوف تقوم به المعارضة والمؤتمر الشعبي ممثلا برئيس الوزراء هو حوار أم مفاوضة؟ البعض يرى ان ما يتم بين المعارضة وحكومة المؤتمر الشعبي هو مفاوضة لا حوار، واخرون لا يرون ان هناك فارقاً جوهرياً بين التفاوض والحوار. والحقيقة ان هناك فارقاً كبيراً بين التفاوض والحوار فالتفاوض يعني ان كل طرف لديه مصلحة خاصة به يسعى على ان يحصل على أعلى نصيب منها فهو يساوم على النصيب الذي يحتفظ به لنفسه والنصيب الذي يعطيه للطرف الآخر. التفاوض في مثل هذه الحالة محكوم بتوازن القوى.. أما الحوار فينطلق من قضية عامة هدف الطرفين فيها واحد وهو تحقيق المصلحة العامة. الطرفان في الحوار يقران ان هناك مشكلة لكنهما يختلفان في وجهة النظر حول الحل الأسلم لها.. الحوار في مثل هذه الحالة لا يكون محكوماً بتوازن القوى وانما يحكمه المنطق الاسلم الذي يحقق المصلحة العامة التي هي هدف الطرفين. التفاوض اقتسام غنيمة والحوار بحث عن حل سليم للمشكلة.. المفاوضة ترتكز على المساومة والتمترس في سبيل الحصول على أكبر قسط من الغنيمة، أما الحوار فيرتكز على خلق فهم مشترك لطبيعة المشكلة وأفضل السبل لتجاوزها. في الحوار الحكومة والمعارضة توقعان شعاراً واحداً هو نزاهة الانتخابات وحريتها وتكافؤها، وعليه فاللقاء المنتظر هو حوار بين طرفين متفقان على الهدف ومختلفان في الوسيلة التي تحقق هذا الهدف. والحوار وحده هو الذي سوف يكشف طبيعة اللقاء هل هو حوار ام تفاوض؟ هل دعوة حكومة المؤتمر الشعبي دعوة وطنية صادقة بهدف البحث عن حل وطني لمشكلة وطنية أم هو تكتيك للالهاء وحتى يتم ابتلاع فضيحة التعديلات الدستورية التراجعية، ونكبة الجرعات الاقتصادية القاتلة ثم تمضي قافلة النخبة الحاكمة في طريق العودة إلى الشمولية التي افصحت عنها ورقة رئيس الحكومة التقييمية للقاء، ان غداً لناظره لقريب ولكن على أحزاب اللقاء المشترك للمعارضة ان تحاور صادقة وبحسن نية من جهة، وان تستعد للأسوأ من جهة أخرى متمثلة قول شاعرنا العربي. ولا خير في حلم اذا لم تكن له بوادر تحمي صفوه ان يكدر محمد عبدالملك المتوكل