شكلت المنتديات الثقافية التي نشطت خلال الاشهر الستة الأولى من ولاية الرئيس السوري الدكتور بشار الأسد نوعاً من منابر سياسية للرأي العام السوري في ظل غياب أي تغيير مؤسسي مستقل عن الدولة عنه. من هنا كان طبيعياً ان يتصدرها الممارسون السياسيون المعارضون، الذين أملوا ان يتحول انتقال السلطة إلى انتقال من النظام شبه الشمولي إلى النظام التعددي الديمقراطي. ولعل هذا مايفسر ان هذه المنتديات قد شكلت تعويضاً عن الغياب المؤسسي العلني للعمل الحزبي المعارض في سوريا. وقد وجد بعض متصدري هذه المنتديات في حماية الرئيس لها من اية مضايقات امنية، فرصة سانحة للضغط على النظام في شكل ضغط على ماسمي بالحرس القديم، من اجل انتزاع اصلاحات ديمقراطية جدية. واذا كان صحيحاً ان بعض المبادرين قد حاولوا في ضوء قراءة خاطئة لترنح قصر الشتاء، ان يبرزوا الاصلاحات في شكل تبدو فيه منتزعة عن طريق الضغط وليس عن التفاعل مع الارادة الاصلاحية للرئيس الذي بدر خطاب الاصلاح اساساً عنه وليس عن ضغط داخلي أو خارجي، فإن الاكثر صحة ان الأجهزة السورية قد بالغت كثيراً بتأثير هؤلاء او ما يسمى بلغة تلك الاجهزة «خطورتهم»، وأكاد متيقناً من ان هذه الاجهزة قد هولت «الخطورة» وحرمان الشرائح الحيوية من النخب السورية من منابر الرأي هذه، التي كان الاجدر بالنظام ان يستخدمها للتأكيد على صدقية الخطاب الاصلاحي الذي اطلقه الرئيس في خطاب القسم، واتاحته بالفعل نوعاً من منابر للرأي الاخر تشكل مدخلاً اولياً لكنه اساسي للتعددية الحزبية. ومن هنا كان طبيعياً ان يشعر بعض مفاصل العملية الاصلاحية بما وصفه احدهم بالتسرع في الاجراءات ضد المنتديات، وقد يكون صحيحاً ان نقدر أن ما تم هو من قبيل خطوتين إلى الوراء من اجل خطوة إلى الامام، غير ان هذه الخطوة تأخرت كثيراً، أو انها تسير في احسن التقديرات ببطء شديد يدفع للتشاؤم اكثر مما يدفع للتفاؤل. لكن الجديد فيها هو التسامح غير المسبوق في سوريا منذ اكثر من نصف قرن مع المعايير المعارضة، اذ لم تعرقل السلطات التظاهرات أو الاجتماعات الجماهيرية العلنية العديدة التي نظمها التجمع دون اذن مسبق من السلطة، كما استمر منتدى الاتاسي الذي يمثل الواجهة العلنية للتجمع الوطني الديمقراطي المعارض بالنشاط بحرية واسعة، بل تحرص الدوائر المقربة من الرئيس في رسالة ايجابية على التأكيد ان طلب الترخيص القانوني قد رد ولم يرفض، وان الناطق الرسمي باسم التجمع الاستاذ حسن اسماعيل «عبدالعظيم» له رصيد احترام كبير لدى الرئيس، ولقد كانت محاضرة المعارض السوري البارز رياض الترك الامين الأول للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوري المعروف تحت اسم المكتب السياسي، عن مستقبل الديمقراطية في سوريا، بصمة حساسة في نشاطاته، كما ان لجان الدفاع عن حقوق الانسان التي يتصدرها المكافح اكثم نعيسة قد اخذت تعمل بأسلوب غض النظر، وتصدر مجلتها «امارجي» وتقريرها علنياً، مما يعبر عن اعتراف غير مباشر بها. من هنا وفي ضوء هذا الانفراج الملموس مع انه لم يتأسس حتى الآن قانونياً، غضت السلطات النظر عن اجتماع علني حضره حوالي 43 شخصية من الشخصيات المعبرة عن الرأي العام، وتم فيه انتخاب مجلس إدارة لجمعية حقوق الإنسان في سوريا برئاسة المحامي البارز هيثم المالح، الذي ربما يتحول مستقبلاً إلى فرع سوري للمنظمة العربية لحقوق الانسان، يمكن لهذه الجمعية ان تعمل منذ اليوم سواء حصلت على الترخيص أم لا، وذلك اسوة بالمنظمة المصرية التي لم تحصل على حكم قضائي بترخيصها الا منذ أسابيع فقط، لاسيما وانها تضم في مجلس إدارتها عدداً من النشطاء الديناميكيين والمحترمين، ولا يعني ذلك أبداً ان تتنازل الجمعية عن حقها في الاشهار القانوني، غير ان هذا يتوقف عليها نفسها، وعلى مدى قدرتها على تكريس استقلاليتها عن السلطة والتنظيمات السياسية المعارضة أو الجمهورية، ولانذيع سراً ضيقاً إذا ما أشرنا إلى أن فكرة تشكيل لجنة وطنية دفاعية عن حقوق الإنسان في سوريا، في سوريا، قد حظيت على اهتمام الرئيس الذي كان على ما يبدو من اكثر المؤكدين على استقلاليتها بالاسم وبالفعل كضمان لصدقيتها، ويجب ان نضع عدم الممانعة الرسمية الظاهرة بتشكيل هذه الجمعية في سياق الانفراج العام المحقق، مع ان النوايا وحدها لا تضمن حمايتها من النزوات السلطوية، فالحيز العام أو المجتمع المدني شبه فارغ، أو انه خاضع لتضييقات كثيرة، ومازالت دفاعاته الذاتية أو قدرته على انتاج ذاته بمعزل عن تحكم السلطة ضعيفة. ان الانفراج حقيقي الآن في سوريا لكن كمناخ وليس كمؤسسات. الا ان هذا الانفراج لن يكون مثمراً اذا لم تتم ترجمته مؤسسياً على أساس المعايير العصرية لدولة الحق والقانون.