في الاسبوع المنصرم طغى في لبنان موضوع الاعتقالات في صفوف انصار «القوات اللبنانية» و«التيار العوني» على ما سواه من المواضيع الضاغطة، وفي طليعتها الأزمة الاقتصادية الحادة التي تمسك بخناق اللبنانيين بشكل لم يعد يطاق. وبرزت نظريتان حول الأسباب الحقيقية الكامنة وراء هذه الاعتقالات. تقول النظرية الأولى ان ما حدث هو نتيجة الصراع الذي بات مكشوفاً بين السلطة السياسية والسلطة العسكرية وتحديداً ما يسمى بالأجهزة الامنية. وترى هذه النظرية التي تنادي بها المعارضة ان طرفي الصراع الحقيقيين هما: رئيس الجمهورية اميل لحود ورئيس الحكومة رفيق الحريري. وتتخوف المعارضة من خطر «عسكرة» النظام وتلتقي تلقائياً حول السؤال الذي طرحه رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط وهو: من يحكم لبنان؟ وتربط النظرية الثانية احداث الاسبوع المنصرم بحركة يعد لها «القواتيون» و«العونيون» لمقاومة ما يطلقون عليه تسمية «الاحتلال السوري» واسقاط «الحكم العميل» التابع له في لبنان، والدعوة إلى انشاء نظام كونفدرالي بديل عن النظام اللبناني الحالي. ويبدو ان «العونيين» هم الاكثر تطرفاً في مقاومة سوريا، و«القواتيين» هم الاكثر تمسكاً بالنظام الفدرالي. ويذهب اصحاب هذه النظرية، وجلهم من أهل الحكم، إلى التحذير من مخاطر اندلاع حرب اهلية جديدة ودفع لبنان إلى مخططات التقسيم والتوطين التي تسببت في الماضي القريب بحرب مدمرة ما زال اللبنانيون يرزحون تحت اوزارها. بالطبع النظرية الاولى التي تعيد الأحداث إلى أسباب محلية ـ اذا ما صحت ـ هي الاسهل للمعالجة. فعلى الرغم من اختلاف النظرة بين اميل لحود ورفيق الحريري حول العديد من الأمور، فإن الخطر الاقتصادي الداهم يحملهما مضطرين على تجميد خلافاتهما خشية ان يتعرض لبنان لانهيار اقتصادي يطال الجميع من دون استثناء. وقد رأينا اميل لحود يسلم بكل خطوات رفيق الحريري ومشاريعه على المستوى الاقتصادي ولو لم يكن موافقاً عليها كل الموافقة، ورفيق الحريري يتضامن مع اميل لحود في مواقفه السياسية والاجراءات الامنية، ولو لم يكن مقتنعاً بها كل الاقتناع. المساكنة بين اميل لحود ورفيق الحريري ضرورة لا مفر لاحدهما منها، وهي ممكنة لوعي كل منهما خطورة الوضع الداخلي. وقد اظهرت الاشهر الماضية ان رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة تغلبا على الكثير من الخلافات بفضل اصرار كل منهما على التعاون مع الآخر. وقد بان هذا الامر خلال جلسة مجلس الوزراء التي انعقدت اثر الاعتقالات الأخيرة وانتهت إلى الاشادة بالدور الذي قام به الجيش والأجهزة على الرغم من المشادات العاصفة التي شهدتها تلك الجلسة. واذا صحت النظرية الثانية ذات الطابع الاقليمي والانقلابي، فالأمور مرشحة لان تأخذ في المستقبل المنظور اشكالاً مغايرة. فالاعتقالات التي تمت تكون جزءاً من عملية وقائية ستستمر اياً تكن الاعتراضات الداخلية والضغوطات الخارجية. وقد وصلت الاعتراضات الداخلية إلى اوجها في حين شددت واشنطن وباريس على تعلقهما بالحريات العامة ودولة القانون في لبنان. واشارتا إلى ان ما يجري لا يخدم مصلحة البلد ولا الاوضاع الاقتصادية فيه. لكن معرفتي برئيس الجمهورية، المقتنع كل الاقتناع بالنظرية الثانية، تحملني على الاعتقاد انه مهتم بالأمن والاستقرار قبل كل شيء، وانه لن يرضخ لقوى الضغط الداخلية والخارجية لثنيه عن خياراته الداخلية وتحالفه الاستراتيجي مع سوريا. واخلص إلى نتيجة واضحة وهي ان العملية الوقائية مستمرة حتى تحقيق كل أهدافها. والواقع انه لا يمكن حكم لبنان بالنظريات أو بالشكوك. والمطلوب تطمين اللبنانيين إلى الحفاظ على الحريات، ومنع الداخل والخارج من العبث بالأمن والاستقرار. ان علة العلل هو الاستمرار في حالة الالتباس. فإذا كانت المشكلة نتيجة الصراع على السلطة، فإن الحل متوافر في تطبيق الدستور والنظام والقانون، واذا كان الأمر متأتياً من الصراع الاقليمي، فإن الحل موجود في الوحدة الوطنية. وأياً تكن النظريات والمعطيات، لا تتركوا لبنان في مهب الرياح العاتية!