لم يكن سهلا على أحد من العرب ومن ثم تفرع اثر طرح مثل هذه الأسئلة عدد كبير من الاستفسارات كان اشدها عمقا الاستفسار عن احتمالية كون هذه الدعوة تعبيرا عن صراع أمريكي اوروبي خفي، يشير إلى رفض الاتحاد الاوروبي الهيمنة المطلقة لامريكا على العالم. ومن المتفائلين العرب بأن الغرب ليس شعوبا بلا قلوب وانهم يرون ما يجري في الأرض الفلسطينية ويهتزون غضبا رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة اليرموك الأردنية الدكتور احمد نوفل الذي يؤكد ان جرائم شارون اصبحت جرائم دولية لا يمكن لأحد أن يغض الطرف عنها وان يعطيها صفة أخرى غير الصفة الدموية. ولدى الدكتور نوفل إشارات مؤكدة على سيناريوهات ثلاثة لمايجري، السيناريو الأول بأنها مجرد ورقة يلعبها الغرب لحفظ ماء وجهه أمام العالم، أما السيناريو الثاني فهو أن ما يجري حقيقي ولكن دعاة المحاكمة هم أناس لا يصنعون القرار الدولي، أما السناريو الثالث فهو القائل أن الغرب غير غافل عما يجري، وانه تحرك بالفعل، مشيرا إلى تجربتهم مع البوسنيين الذين لم يتحركوا لانقاذهم وقتا من الزمن ولكنهم في النهاية تحركوا وهم الآن يقاضون المجرم والمسبب لما تعرضوا له. إلا أن رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة اليرموك يعترف أن رفع الدعوى ضد شارون من الصعب القول عنها أنها جاءت فقط من خلال صحوة للرأي العام الغربي والصحافة العالمية على جرائم شارون بعد مرور كل هذا الوقت، ولكن ما يمكن الاقتناع به القول بأن الأسباب الداعية لرفع هذه الدعوة أن جزءاً من العالم الغربي يرى الآن أن شارون يعيد صياغة جريمة مثل مجزرة صبرا وشاتيلا وباللغة نفسها باعتباره الآن على رأس الهرم السياسي في إسرائيل. ولا يجد الدكتور أي تفسير حول السبب الذي دفع العالم الغربي ليصمت كل هذه الفترة على شارون إلى أن وصل السلطة، ولكنه يشير إلى احتمال أن شهية الرأي العام الغربي لمعاقبة مجرمي الحرب من خلال تجارب دولية مختلفة، انفتحت أيضا نحو الشرق الأوسط بعد نضج الظرف السياسي باعتلاء شارون للسلطة. نفس الممارسات والعقبة الوحيدة لدى الرأي العام الغربي في عدم استطاعته السكوت على شارون على حد قول الدكتور نوفل هي أنه الآن يرتكب الجرائم نفسها، وإن بصورة استنزافية في فلسطين، فالممارسات هي هي، واستنساخ تجربة (شارون صبرا وشاتيلا) أمر ثقيل على الغرب، ومن هنا بدأت الصحافة الغربية تشير إلى نوع من المقارنة بين المجازر السابقة التي ارتكبها شارون بحق الفلسطينيين وعن امكانية تكرار المجازر الان مع الفلسطينيين في الضفة والقطاع. فالمرآة الغربية كما يقول نوفل الذي عاش طويلا في الغرب لا يمكن أن تصبر طويلا على دمامة ما تراه أمامها من سكوتها على ما يجري، خصوصا وأنها لا تريد أن تسجل سابقة تعاب عليها، إلا انه في المقابل لا يستثني فكرة تشابك المصالح مع العدالة لتنتج ما يجري الآن.. وهذا جانب من الصورة ولكن ليس الصورة كاملة. ويرى الدكتور نوفل إن الساسة الغربيين اصبحوا يخافون على إسرائيل من نفسها، ويريدون حفظ مستقبلها في المنطقة، ولا يريدون لها الانزلاق نحو إعادة تجربتها مع العرب نحو المربع الأول. فهم أي هؤلاء الساسة لم يصدقوا أنفسهم عندما اصبحوا يرون كيف بدأت طلائع الإسرائيليين من التجار وغيرهم يسرحون ويمرحون في كثير من الدول العربية دون الحاجة إلى استعمال جوازات سفر غربية بل بالجواز الإسرائيلي المكتوب باللغتين العبرية والإنجليزية. وفي هذا الصدد يشدد الاكاديمي الأردني على أن معطيات وتوجهات الساسة الغربيين وتعاطي الغرب مع فكرة احقية الدولة العبرية في العيش دون اي تهديد عربي يذكر، يختلف جذريا عن المنطق الذي قامت عليه الفكرة الغربية بمحاكمة شارون فهذا شيء وذاك شيء مختلف، فالغرب يريد لدولة اسرائيل ان تقوم على اساس وبنيان مدعوم كليا وغير قابل للانزلاق ولكنه ايضا لا يريد تجبر «بتشديد الباء» هذه الدولة بمحيطها بالصورة التي تظهر عليها الآن. وهذا بالضبط ما يشير إليه نوفل في إمكانية تقديم شارون ككبش فداء لهذه المرحلة ثم تعود الأمور إلى سابق تفاؤلها وكما كانت عليه أثناء تصفيق العالم للمصافحات الأولى بين العرب والاسرائيليين أمام الكاميرات الغربية. ولكن هل سيدفع الإسرائيليون شارون إلى هذا المشهد وهل حقا شارون لا يعرف ماذا يجري حوله .. من هنا يبدأ سيناريو آخر بالتشكل وهو السيناريو الذي يؤكد أن من شأن هذه الأجواء أن تدفع شارون إلى ارتكاب اكثر من حماقة حتى يدفع يقلب الطاولة العالمية على رأس أصحابها فشارون ليس من السهل أن يغير جلده. ويشير د. نوفل في هذا الصدد إلى ما عرضه رئيس هيئة الاركان الاسرائيلي شاؤول موفاز على المجلس الوزاري المصغر في وقت سابق من خطة معدلة لاجتياح السلطة الفلسطينية تستند الى مشاركة 30 ألف جندي اسرائيلي، وتهدف الى تدمير السلطة الفلسطينية وتجريد كل الـ 40 ألفا من أفراد القوات الفلسطينية من السلاح. تلك الخطة التي ستبدأ كرد فعل على عملية استشهادية كبيرة، وقد تقضي على حياة مئات الإسرائيليين وآلاف الفلسطينيين، وما يعنيه ذلك من انهيار كامل ليس للعملية السلمية، وإنما للمصالح الغربية في المنطقة إن لم يكن كليا فجزيئا. وفي نفس الوقت، لايستبعد الاكاديمي الاردني ان يكون ما يجري تعبيرا عن صراع أمريكي أوروبي خفي، يشير إلى رفض الاتحاد الاوروبي الهيمنة المطلقة على العالم، الا انه يستدرك قائلا انه رغم أن موقف اوروبا اكثر صلابة وانتقادا لموقف شارون، وقد يكون الدعوة إلى محاكمة شارون شكلا وان بهت بلونه من أشكال هذا الصراع، ولكن في المقابل فإن العالم الغربي بولاياته المتحدة واتحاده الأوروبي ليس كتلة واحدة غير قابلة للتقسيم والطرح والاستثناء. عمان ـ لقمان اسكندر: