لمن لا يعلم ـ إن كان هناك حقا من يجهل ذلك ـ فاز الإرهابي شارون في سباق الانتخابات على رئاسة وزراء الكيان الصهيوني بنسبة 62 في المئة من الأصوات على منافسه من حزب العمل ايهود باراك، وخلال وطيس المعركة الانتخابية لجأ مناصرو حزب العمل إلى نشر ملصق انتخابي يشهر بتورط شارون في مجزرة مخيمي صبرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين في بيروت، وفي محاولة لكسب أصوات عرب الناصرة نشر الملصق باسم حزب العمل في مجلة «الميدان» التي تصدر باللغة العربية في الناصرة، ويحوي الملصق صورا لضحايا المجزرة مع عبارة «تعلمون من هو شارون»، وقال وزير العدل الإسرائيلي السابق «يوسي بيلين» تعليقا على ذلك انه «ليس هناك ما يدعو إلى إخفاء الجوانب الرهيبة للمسيرة العسكرية لأرييل شارون»، وإن كان شارون نفسه أكد أن معاوني باراك اتصلوا به وقدموا اعتذارهم عن نشر الملصق. بيد أن الانتخابات انتهت ـ رغم ذلك بفوز ذلك الإرهابي ـ بما يعني أن أغلبية الشعب الإسرائيلي لايهمها أصلا فداحة الفظائع والمجازر الوحشية التي ارتكبت ضد العرب، فقد ارتقى الإرهابي سدة الحكم مستندا على وعوده بوقف الانتفاضة الفلسطينية خلال مئة يوم، ويعلم الصهاينة تماما أن شارون لم يكن ينوي أن يقضي هذه الايام المئة في إقناع الفلسطينيين مثلا بوقف انتفاضتهم، أو منحهم حقوقهم التي انتفضوا من أجلها، فالواقع يؤكد أن الإسرائيليين لم تكن تهمهم الوسائل أبدا في سبيل تحقيق غايات النهب والسلب واحتلال الأرض وقمع أصحابها الذين يذودون عنها. ومن هنا تبدو مشروعية التساؤل عما إذا كان شارون، ومن لف لفه من المسئولين، هم وحدهم مجرمو الحرب في الكيان الصهيوني؟ أم أن غالبية الصهاينة من مسئولين ومستوطنين يمكن توجيه تهمة ارتكاب جرائم الحرب والانتهاكات ضد الإنسانية إليهم؟ والمعروف ان سجلات التاريخ الفلسطيني تحفل بالعشرات من المجازر التي تماثل مجزرة صبرا وشاتيلا، وربما يفوقها في الشناعة بعض هذه المجازر. لسان غير عربي لكننا أمام دعوى قضائية رفعت بالفعل ـ كما يعلم الجميع ـ أمام القضاء البلجيكي تطالب بمعاقبة شارون بتهمة ارتكاب جريمة حرب فيما يتعلق بمجزرة صبرا وشاتيلا التي ارتكبتها قوات الكتائب اللبنانية بدعم وإشراف بل وتسهيلات من قوات الجيش الإسرائيلي. وتطرح إقامة هذه الدعوى عدة نقاط للتأمل: أولها: أن لجنة تحقيق برلمانية إسرائيلية عرفت باسم لجنة كاهان هي التي حملت شارون المسئولية عن هذه المجزرة التي استمرت ثلاثة ايام في منتصف سبتمبر 1982 باعتباره كان يشغل منصب وزير الدفاع في ذلك الوقت، وأرغمه تقرير اللجنة على تقديم استقالته، وثانيها: ان الدعوة لمحاسبة المسئولين عن هذه المجازر ارتفعت منذ وقوعها قبل تسعة عشر عاما، كما ارتفعت عدة دعاوى لملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين تزايدت مع اندلاع الانتفاضة الحالية، وكان أبرز صورها حملة المليون توقيع التي تولتها في مصر اللجنة الشعبية لمناصرة الانتفاضة الفلسطينية، بهدف جمع مليون توقيع لإرسالها إلى أمين عام الأمم المتحدة لملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين، والدعوة التي تبناها اتحاد المحامين العرب، وقبلها دعوة عدد من المحامين المصريين لمحاكمة المسئولين عن دفن الأسرى المصريين أحياء في صحراء سيناء عام 1967، غير أن هذه الأصوات بالطبع لم يسمع لها صدى مثل الدعوى الأخيرة التي تبنتها «الرابطة العربية الأوروبية»، وكأن الحق لايمكن أن يسمع له صوت إلا إذا تحدث طالبه بلغة غير العربية. ولعل رفع الدعوى من محام بلجيكي ـ مع كامل احترامنا وتقديرنا للمحامي اللبناني شبلي ملاط وغيره من المحامين العرب ـ هو الذي وهبها المصداقية لدى آذان الغرب، أضف إلى ذلك البرنامج الوثائقي الذي أذاعته هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي1» بعنوان «من المتهم؟» والذي أثار تساؤلا عن إمكانية محاكمة شارون بصفته مجرم حرب بسبب المجازر التي اسفرت عن مقتل نحو 1500 فلسطيني حسب متوسط التقديرات الغربية. ناهيك عن دعوة منظمة «مراقبة حقوق الإنسان» (هيومان رايتس ووتش) الأمريكية في بيان لها إلى إجراء تحقيق جنائي في دور شارون في المجزرة، بل أن المنظمة الأمريكية دعت في يونيو المنصرم الرئيس الأمريكي جورج بوش إلى إثارة الأمر مع شارون وحثه على التعاون مع أي تحقيق يتعلق بالمجزرة. ولعل ذلك الاهتمام الغربي بالتحديد هو ما منح القضية تلك الجدية التي اكتسبتها وكان السبب وراء الضغوط التي مورست على الحكومة البلجيكية لتعديل القانون الذي يتيح لقضاء بلجيكا محاكمة مجرمي حرب من أي دولة في العالم، وهو أيضا السبب وراء اهتمام شارون باختيار محام وكله لمتابعة الدعوى في بلجيكا، وما تردد عن مخاوف عدد من المسئولين العسكريين الصهاينة من احتمال ملاحقتهم أو إلقاء القبض عليهم في حال تواجدهم بأي دولة أوروبية لمحاكمتهم بتهمة ارتكاب جرائم حرب. الجانب القانوني وإذا كان المحامي البلجيكي لوك والين الذي تولى رفع الدعوى أمام القضاء البلجيكي قد نصح منظمات العمل المدني العربية بعدم الإعلاء من الخطاب السياسي للدعوى باعتبارها دعوى قانونية ذات أركان جنائية محددة رأى أنه يتعين قصر معالجتها على الزاوية القانونية فحسب. ومع إيماننا الكامل بضرورة إعطاء الجانب القانوني حقه الكامل من العناية في هذه القضية؛ الأمر الذي يتطلب تكاتف جميع الجهود من الخبراء القانونيين والمختصين في جميع الدول العربية والتنسيق داخل اتحاد المحامين العرب وبين منظمات حقوق الإنسان المختلفة العربية والدولية، كما يتطلب أيضا بروز دور فعال لجامعة الدول العربية ودخولها الدعوى كطرف أساسي إلى جانب المجني عليهم باعتبارهم رعايا دولة تابعة للجامعة، على أن تحشد لهذه القضية كافة الخبرات القانونية التي تزخر بها بلادنا العربية وتفخر. 13 مذبحة بل أنه وربما تعين على هؤلاء المتخصصين أن يلحقوا بهذه القضية وثائق مذابح أخرى مازالت يدا الإرهابي شارون ملطخة بدماء ضحاياها، تحددها منظمة التضامن الدولي لحقوق الإنسان ـ فلسطين، بثلاث عشرة مذبحة بداية من مشاركته في مذبحتي دير ياسين واللد في 1948 وحتى صبرا وشاتيلا مرورا بمذابح في قرى البريج وقطنة وقلقيلية وكفر قاسم وخان يونس ورفح، ولعل من أبرز جرائم الحرب التي ارتكبها عندما أجبر 300 أسير مصري على الانبطاح أرضا لتسير المدرعات فوقهم ويستشهدوا جميعا. ولا ننسى أيضا واحدة من أبشع المجازر التي كان مسئولا عنها في صدر شبابه الدامي وهي مذبحة قرية قبية في 1953 على أيدي القوة 101 التي كونها إرييل شارون من المجرمين والمحكوم عليهم في جرائم قتل جنائية؛ وكانوا يمضون أحكاما طويلة في السجون الإسرائيلية فتفتق ذهن الإرهابي المتهم عن تكوين قوة منهم لترويع أهالي القرى الحدودية وطردهم من الأراضي المحتلة، ويمكن هنا الاستعانة بتقرير الجنرال «فان بيكه» كبير مراقبي الأمم المتحدة ـ في ذلك الوقت ـ الذي قدمه إلى اجتماع مجلس الأمن بخصوص هذه المذبحة، وقال فيه «ان الهجوم كان مدبرا ونفذته قوات نظامية إسرائيلية»، وقامت هذه القوات بهدم منازل القرية على رؤوس أهلها الفقراء، ثم قتلت كل من بقي حيا بعد القصف المدفعي، وكانت حصيلة ذلك هدم 65 منزلا ومسجد القرية ومدرستها وخزان المياه واستشهاد 67 شهيدا كما أصيب المئات. حالة حرب وربما يتعين أيضا البدء في إعداد أوراق دعاوى قانونية أخرى لمحاكمة المسئولين الإسرائيليين وعلى رأسهم السفاح شارون بارتكاب جرائم حرب جديدة وعديدة منذ بدء الانتفاضة الفلسطينية الحالية؛ فقد ادعى المسئولون الصهاينة بأنهم يواجهون حالة حرب بالفعل في الأراضي الفلسطينية، وقال رئيس حكومتهم السابق «ايهود باراك» أمام لجنة الخارجية والأمن في الكنيست الإسرائيلي تعليقا على الانتفاضة «إن إسرائيل تواجه حالة من الحرب ولا توجد أي طرق أخرى لمواجهة الإرهاب»؛ الأمر الذي يتطلب التزام الدولة الصهيونية بما أقرته قواعد القانون الدولي من مبادئ تتعلق بحالات الحروب، ومنها الالتزام بعدم استخدام أنواع الأسلحة المحرمة دوليا مثل الغازات السامة والمواد الكيماوية والمقذوفات المعبئة بمواد متفجرة، كما يتعين عليها أن تعامل من يقع في أيدي قواتها من الفلسطينيين معاملة أسرى الحرب، كما تلزم قواعد القانون الدولي الدول المتحاربة بتجنب مهاجمة التجمعات السكنية المدنية أو القيام بأي تصرف من شأنه وضع المدنيين في ظروف معيشية صعبة قد تؤدي إلى إبادتهم أو نزوحهم أو تشردهم، ولاشك أن لدى العرب من الخبراء القانونيين من يمكنهم جمع الأدلة القوية والبراهين على أن جرائم القوات الإسرائيلية بحق السكان المدنيين في فلسطين لاتقل فظاعة عما يحاكم بسببه رئيس يوغسلافيا السابق ميلوسيفيتش من قتل وتشريد وإبادة وهدم منازل للمدنيين واستخدام قنابل الغاز ضدهم وتسميم مياه الشرب، وقصف التجمعات المدنية بالصواريخ. ولا شك أن خبراء القانون يستطيعون أيضا إعداد دعاوى قانونية لمحاكمة سلطات الاحتلال بسبب انتهاكها لمبادئ القانون الدولي المنظمة لحالات الأراضي الواقعة تحت الاحتلال، وذلك بتوقيعها العقوبات الجماعية وعمليات القتل العمد والإعدام خارج نطاق القانون والقضاء، فضلا عن عمليات التعذيب التي يتعرض لها المعتقلون ومن بينهم أحداث دون السن القانونية التي تسمح بالاحتجاز والاعتقال، وجميعها انتهاكات للمبادئ التي أقرتها القوانين الدولية وخاصة ميثاق اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949. كما أن الأمر يستحق أيضا بذل تحرك مكثف لملاحقة بقية مجرمي الحرب الصهاينة ومحاكمتهم عن الجرائم والمجازر التي ارتكبت طوال أكثر من نصف قرن، سيما وأن جرائم الحرب لا تسقط بالتقادم. ولسنا هنا بالطبع في مجال استعراض القوانين والاتفاقيات الدولية التي يستطيع المتخصصون من أهل القانون الدولي الاستناد إليها في إعداد حيثيات إدانة المسئولين الإسرائيليين بارتكاب جرائم حرب واعتداءات ضد الإنسانية، غير أن مجرد نظرة سريعة تؤكد على ان العمليات العسكرية المتعمدة ضد السكان المدنيين وقصف القرى والمدن المسالمة، اعتبرت من اخطر الجرائم العسكرية في اعلان سان بطرسبرج لعام 1868، كما ان المادة 25 من البروتوكول الملحق باتفاقية لاهاي لعام 1907 تحظر الهجوم على المدن المفتوحة. وبناء على الفقرة (ب) من المادة السادسة للمحكمة العسكرية الدولية في نورمبرج، فإن الجريمة العسكرية تعتبر انتهاكا لقواعد واعراف الحرب، وهي تتضمن القتل والتعذيب والخطف بحجة الرق او لاهداف أخرى بحق السكان المدنيين في الاراضي المحتلة، والقتل او تعذيب الاسرى العسكريين او الاشخاص الموجودين في البحر، وقتل الرهائن، وسرقة الممتلكات الخاصة او العامة، وتدمير القرى والمدن، ويعلم المهتمون أيضا ان الجمعية العمومية للامم المتحدة كانت قد اتخذت قرارين، الاول يحمل الرقم 2444، والثاني الرقم 2675 ويمنعان القيام بعمليات عسكرية ضد السكان المدنيين. كما يرى قانونيون أن الانتهاكات الصهيونية يمكن أن تطبق عليها أحكام التجريم الواردة في العديد من المستندات والوثائق القانونية الدولية مثل اعلان سان بطرسبرج السابق الإشارة إليه، واتفاقية لاهاي لقواعد الحرب البرية لعام 1907، وميثاق المحكمة العسكرية الدولية في نورمبرج لعام 1945، وبرتوكول جنيف الذي يحرم استعمال الاسلحة الكيميائية لعام 1925، وميثاق بريان كيلوج لعام 1928، والاتفاقية التي تحظر من الابادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، واتفاقية جنيف الخاصة بحماية ضحايا الحروب لعام 1949، والبروتوكول الاول الملحق بها لعام 1977، وتعريف العدوان لعام 1974، ومشروع المحكمة الجنائية الدولية لعام 1997، وغيرها من المستندات القانونية الدولية. الدور العربي الرسمي بيد أن التركيز على الجوانب القانونية لاينبغي أن يغفل الجانب السياسي في الأمر، ورغم أهمية التحركات الشعبية ومنظمات العمل المدني إلا أن غياب الدور العربي الرسمي في هذه القضية حتى الآن يطرح تساؤلات ويحتاج لتفسير، فهاهي قضية بدأت تحظى بقدر من التعاطف النسبي حتى بين دوائر رأي عام غربية، بل حتى لدى بعض الدوائر الأمريكية، ورغم ماهو معروف من تحيز الولايات المتحدة لإسرائيل إلا أن شارون بالذات بدأ يشكل نوعا من الحرج حتى لمسئولين أمريكيين، لدرجة أن كولين باول وزير الخارجية لم يتردد في انتقاد استخدام طائرات الأباتشي المروحية في قصف مناطق مدنية، ومن الواضح أن الولايات المتحدة لن تمانع، بل ربما ترى من مصلحتها زوال شارون ـ بما يمثله من حرج لها ـ عن الساحة الأمر الذي باتت احتمالاته تتزايد، فما الذي يؤخر الاستفادة من هذه القضية ودعمها وتوظيفها إعلاميا وسياسيا على المستوى الرسمي العربي، وبوجه خاص المستوى الجمعي المتمثل في جامعة الدول العربية. لقد ظهرت بالفعل مبادرات من بعض المنظمات الأهلية العربية، وعقدت مؤتمرات شعبية في عدد من العواصم العربية، آخرها المؤتمر الذي عقد في القاهرة اواخر الشهر الماضي وشارك فيه 75 منظمة محلية وإقليمية ودولية لحقوق الإنسان بهدف تشكيل جبهة موحدة ضد العنصرية، وأثيرت في هذا المؤتمر قضية الممارسات العنصرية الإسرائيلية، كما تبنت بعض المواقع العربية على شبكة الإنترنت الدعوة لمساندة الدعوى المرفوعة ضد شارون، إلا أنها في النهاية مبادرات فردية لن تحقق الأثر القوي المطلوب، فعلى سبيل المثال هناك موقع عنوانه ٍُك.مَيٌََُُييمِ.:ِو لجمع التوقيعات على التماس مقدم إلى ماري روبنسون رئيسة المفوضية العليا لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة وذلك لمحاكمة الإرهابي شارون وفقا لمبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم260 و2391و3074 وقرار مجلس الأمن رقم 1296بشأن ضحايا مخيمي صبرا وشاتيلا ؛ إلا أن عدد التوقيعات على الالتماس لم يتجاوز حتى كتابة هذا الموضوع 31626 توقيعا، ولا شك أن مثل هذه المبادرات الفردية لن تستطيع الصمود طويلا أمام سطوة اللوبي الصهيوني في المجتمعات الغربية المتوقع الذي بدأ ينشط بالفعل منذ بث برنامج هيئة الإذاعة البريطانية بل أن هناك من لم يتورع عن وصف القائمين على البرنامج بمعاداة السامية، ومن هنا تتضح ضرورة القيام بتحركات عربية رسمية، ولو عن طريق التنسيق بين السفارات العربية المختلفة في كل من عواصم العالم لشرح القضية وحشد التأييد لها وربطها بسياقها السياسي المتعلق بقضية الصراع العربي الإسرائيلي. ولا شك أن إثارة القضية من بلجيكا بالتحديد سيكون له مردوده الفعال ـ إن أمكن معالجة القضية بما تتطلبه من جدية ـ حيث تضم العاصمة البلجيكية بروكسل مقر المفوضية العامة للاتحاد الأوروبي. قرصة أذن فحسب وبالرغم من أن بعض الدوائر الأمريكية ربما ترى ضرورة التخلص من سفاح صفيق مثل شارون لايبذل أدنى جهد في البحث عن غطاء زائف يستر أفعاله، ويباهي بما يقترفه من جرائم ووحشية في حق شعب لم يعد يطالب إلا بالحد الأدنى من حقوق الآدميين، إلا أن واشنطن لن تقبل بالقطع المضي في هذا الطريق إلى حد توجيه إدانة لربيبتها إسرائيل، ربما تقبل فكرة تغيير الأوجه، ولا تمانع في قرصة أذن لحزب الليكود بعد أن تكون الحكومة الحالية قد أدت مهمتها في هد قوى الفلسطينيين وتجويعهم وتقويض اقتصادهم الوليد، وبعده يمكن لشارون أن يرحل في انتخابات مقبلة باتت وشيكة، لتعود الأمور مع المفاوض الفلسطيني إلى المربع الأول ليبدأ من واقع جديد يفرض سقفا أكثر انخفاضا على مطالبه. الأمر المؤكد أن الولايات المتحدة حتى وإن تغاضت قليلا عن الجهود والدعوات التي انطلق بعضها من بين جمعيات مدنية أمريكية لمحاكمة السفاح شارون، إلا أنها ستسعى بلا ريب إلى قطع الطريق على أي محاولة ولو لتوجيه اللوم إلى الكيان الصهيوني، وأقرب دليل على ذلك تهديدها بعدم حضور مؤتمر دربان المقبل لبحث قضايا التمييز العنصري إذا تطرق جدول الأعمال لمناقشة الصهيونية باعتبارها دعوى عنصرية، الأمر الذي كان مفترضا أن يصبح من المسلمات في إطار الشرعية الدولية بعد صدور قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة باعتبار الصهيونية دعوى عنصرية.إلا أن الشرعية الدولية ـ كما هو غني عن البيان ـ تدرك تماما أن لها حدودا يجب أن تقف عندها ولا تجرؤ على تجاوزها عندما يتعلق الأمر بواشنطن وحلفائها (ألم تمنح جائزة نوبل للسلام إلى مناحم بيجن سفاح مجزرة دير ياسين الذي ظل يباهي بها ويعتبرها من أهم الدعائم التي قامت عليها دولة الصهاينة؟) ومن ثم فلا نعتقد أن هناك ساذج في العالم يصدق أن يد العدالة الدولية ستطول شارون على نحو يصل إلى حد إصدار أحكام ضده وتنفيذها، فمن المؤكد أن أوراقا ما ستظهر على الساحة في الوقت المناسب لتوقف سير الدعوى المرفوعة ضده بعد أن فشلت المحاولات الأولى للضغط على الحكومة البلجيكية. لكنها على أي حال فرصة لا ينبغي بأي حال تضييعها دون أن نحقق أقصى ما يمكننا تحقيقه من توظيفها. بقلم: إكرام يوسف