احتفلت ألمانيا أمس بذكرى مرور 40 عاما على بناء سور برلين الذي سقط في عام 1989 ايذانا باعادة توحيد شطري ألمانيا في العام التالي. واستغل الساسة المحافظون في ألمانيا هذه المناسبة لمهاجمة تحالف الحزب الديمقراطي الاشتراكي بزعامة المستشار جيرهارد شرويدر مع حزب الاشتراكية الديمقراطية الذي خلف الحزب الشيوعي الألماني الشرقي الذي امر ببناء سور برلين. ويستعد شرويدر على ما يبدو لتشكيل ائتلاف في العاصمة الألمانية مع حزب الاشتراكية الديمقراطية بعد الانتخابات التي تجري لرئاسة بلدية برلين في اكتوبر. وقال ادموند ستويبر رئيس بلدية بافاريا المحافظ عند معبر تشارلي الذي كان مشهورا كنقطة عبور بين الشرق والغرب وقت الحرب الباردة ان «حزب الاشتراكية الديمقراطية مازال يبني جدارا بين الحرية والاشتراكية». وأضاف «واي شخص يشكل ائتلافا مع حزب الاشتراكية الديمقراطية يمارس اشتراكية شيوعي ألمانيا الشرقية». وتضمنت الاحتفالات وضع اكاليل من الزهور احياء لذكري نحو 800 شخص قتلهم الحرس اثناء محاولتهم الهروب عبر سور برلين. وكان سور حائط برلين الشهير شكل جذور الفرقة السياسية بين الشرق والغرب إبان الحرب الباردة، كما شكل حاجزا أيديولوجيا وستارا حديديا يفصل بين أبناء الشعب الواحد بل وأفراد أسرة واحدة، بل ترتبت مآس إنسانية على هذا الفصل عندما كان بعض مواطني برلين الشرقية يريدون عبور الحائط إلى برلين الغربية للعلاج. فلقد تسبب هذه الستار الحديدي الشيوعي في فصل شطري ألمانيا لثلاثة عقود متصلة وأصبح رمزا لاوروبا المقسمة في أعقاب الحرب العالمية الثانية وذروة الحرب الباردة بين الشرق والغرب. وحدث في ما كان يعرف ببرلين الشرقية أن دفع الحائط حفنة من أولئك الذين كانوا يتوقون إلى الهرب من الحكم الشيوعي آنذاك إلى محاولة القفز من خلال نوافذ المباني المطلة عليه إلى الشطر الغربي من المدينة الألمانية العريقة. بل وذهب الامر بالبعض منهم إلى المجازفة بشق نفق سري أسفل الحائط للهروب عبره من جحيم الشرق. ولم تمض ستة أيام على بدء تشييد حائط برلين في 13 أغسطس 1961 حتى وقع أول ضحاياه عندما لقي رجل كان يحاول تسلقه من مبنى بشارع شتراوس مصرعه في الحال. وكانت المباني الواقعة في هذا الشارع مسرحا للعديد من الحوادث المأساوية الانسانية في الشطر السوفييتي من المدينة المقسمة. وسرعان ما فطنت السلطات في الشطر الشرقي إلى محاولات الهروب عبر الحائط إلى الجانب الغربي، فقامت بسد النوافذ وانتهى بها الحال إلى تدمير المباني المطلة على السور بهدف توفير رؤية واضحة أمام الحراس المسلحين المكلفين بحراسة خط التقسيم. وفي الفترة بين يناير ويونيو 1961، قام نحو 160 ألفا من الألمان «بالتصويت بأقدامهم»، بحسب وصف الصحافة الألمانية في ذلك الوقت، وفروا من الشيوعية. وكانت الغالبية العظمى من الهاربين قد نجحوا في عبور خط التقسيم الذي كان يفصل شطري برلين اللذين كان كل منهما يخضع للسيطرة من جانب القوات الحليفة المختلفة. وهكذا كان الشطر الغربي من برلين خاضع لسيطرة قوات الحلفاء بقيادة الولايات المتحدة بينما الشطر الشرقي يخضع لسيطرة قوات حلف وارسو بقيادة الاتحاد السوفييتي سابقا. وكان الفارون من الشطر الشرقي يستخدمون المواصلات العامة ثم يطلبون العون في مركز مارينفيلد لاستقبال اللاجئين قبل السفر جوا بالطائرة إلى ألمانيا الغربية سابقا. لكن فجأة أغلق الحائط طريق الهروب الطارئ. والحقيقة أن بناء هذا الحائط تسبب في اعتراض 32 خطا للترام وثمانية خطوط لمترو الانفاق وأربعة خطوط للتلفريك وثلاثة طرق سريعة للسيارات فضلا عن اعتراض طريق فروع مختلفة للانهار والقنوات. وكانت الزوارق السريعة تحمل حراس المواقع الامامية في دوريات على طول المسالك النهرية الموازية لحائط برلين حيث أقامت السلطات الشيوعية شبكات من المعدن تحت تلك الطرق المائية لمنع أي عملية هروب باستخدام معدات الغوص إلى الشطر الغربي. والحقيقة أن الايام الثلاثة عشرة من أغسطس 1961 والتي شهدت بداية إنشاء حائط برلين وجهت أيضا لطمة اقتصادية هائلة لنحو 60 ألف عامل ممن كانوا يعبرون من قبل وبصفة يومية منتظمة برلين الشرقية إلى الغربية طمعا في أجر أكبر في «جنة الرأسمالية» التي أقيمت وسط الاراضي الشيوعية. وخلق الحائط أوضاعا تفوق الخيال على غرار أي أحداث مثيرة للغرابة والمفارقات التي قد لاتصدق في أي من أفلام الجاسوسية. وفي واقع الامر، فإن برلين أصبحت آنذاك نقطة التقاء هائلة لافواج من الجواسيس الذين كانت تجذبهم الادارات العسكرية الاربع للمدينة. ومنذ أن ارتفع الحائط عدة أمتار خلف خط التقسيم، ظهرت مؤشرات في الجانب الغربي نبهت المواطنين إلى حقيقة مفادها أنهم على وشك مغادرة القطاع الامريكي أو البريطاني أو الفرنسي من المدينة. ومن ثم كان اقتراب أي شخص من الحائط يعني أنه أصبح بالفعل «في الجانب الاخر» منه وفي خطر من الوقوع في الاعتقال باعتباره «عميلاً» في نظر الجنود الشيوعيين الذين كانوا يظهرون فجأة في أي وقت عبر أبواب حديدية سرية داخل هيكل الحائط نفسه. واعتبارا من 23 أغسطس 1961، أصبح محظورا على مليوني نسمة تقريبا كانوا يمثلون في ذلك الوقت تعداد سكان برلين الغربية القيام بزيارة الشطر الشرقي من المدينة. وهكذا على حين غرة، عزل سكان برلين الغربية عن ذويهم وأصدقائهم وأحبابهم وزملائهم في الدراسة والالعاب الرياضية رغم أنه لم يكن يفصل بين الجانبين سوى بضع كيلومترات فقط. وفي كثير من الحالات، تعين على أصحابها الانتظار 28 عاما كاملة قبل أن يصبح في مقدورهم جمع الشمل مرة أخرى.وتشير تقديرات إلى أن 270 شخصا على الاقل قتلوا أثناء محاولاتهم عبور حائط برلين في الفترة بين عامي 1961 و1989 عندما تم البدء في تحطيمه أو هذا الرمز البغيض للستار الحديدي للشيوعية. وأدى تدمير سور برلين إلى تحقيق أعظم إنجاز في التاريخ الألماني المعاصر وهو توحيد ألمانيا مرة أخرى في عام 1990. ولا يمكن في هذا السياق إنكار الدور التاريخي الذي لعبه المستشار الألماني السابق هيلموت كول في تحقيق هذا الانجاز، وبالرغم من كل شيء. د.ب.ا ـ رويترز
