اذا عدنا إلى الارقام المتوفرة عن عدد الطلاب الذين يدرسون في الخارج ـ حسب احصائية مديرية الاشراف في وزارة التعليم العالي ـ نجد انه يصل إلى 20 ألف طالب منهم 13532 طالباً تحت الاشراف. إلا ان الدلائل تشير إلى ان عدد الطلاب السوريين الدارسين في الخارج هو اكثر بكثير من الأرقام المعلنة مما يتطلب وجود جامعات لاستيعاب العدد المتزايد من الطلاب السوريين. فاذا كان عدد الدارسين في الخارج كما هو معلن يمكن استيعابهم ببساطة في الجامعات الرسمية من خلال تعديل قانون الاستيعاب. واذا اعتبرنا ان تكلفة الطالب الواحد لا تقل عن 10 آلاف دولار سنويا ما بين اقساط جامعية ونفقات معيشة فيبقى السؤال لماذا تخسر سوريا هذا الحجم الكبير من القطع الاجنبي وتعرض ابناءها لمشاكل اجتماعية ونفسية نتيجة وجودهم في بيئة ثقافية واجتماعية تختلف جذريا عن بيئتهم المحلية؟. واضافة إلى كل ما يمكن ان تتجنبه سوريا من عواقب الدراسة في الخارج هناك جانب آخر لا يقل أهمية عن الجوانب التي ذكرناها وهو استقطاب عدد من الاساتذة الذين يعملون خارج سوريا ودعوتهم للعودة إلى الوطن لممارسة مهمتهم التعليمية. وللوقوف على حيثيات هذا الموضوع رصدنا بعضا من آراء المختصين: يقول د. هاني الخوري مدير مركز الرضا للكمبيوتر: الجامعات الخاصة يجب ان تكون موجودة منذ زمن بعيد فنحن في عصر تتفجر المعارف فيه وتتطور التكنولوجيا ويتعرض الإنسان لسيل متنوع من المعلومات فالعصر يتطلب استثماراً مركزاً للموارد البشرية بحيث لا يمكن الاكتفاء بتعليم ذي اتجاه واحد أو عام لان تنويع مصادر التعليم ورفع درجة التقنية فيه سيؤدي إلى تنافس تعليمي وإلى تطوير المنظومة التعليمية ككل وعندها فقط نبني الانسان المهني والعلمي الذي يمتلك خبرة في اختصاصات علمية مطلوبة تشكل مرونة في التوجه للتخصصات الجامعية. ويضيف د. الخوري ان اقامة جامعات خاصة هو توجه مكمل لتوجهات مرافقة مثل حماية الملكية الفكرية مما سيؤثر في انعاش الصناعة المعرفية والفكرية والثقافية على أسس نوعية يتدرج فيها الاجر حسب الرغبة والاختصاص ويوجه لثقافة جديدة تحترم العمل الفكري عندها سنجد سلعا معرفية بكافة أنواعها أي بداية التوجه لبناء التعليم والخبرات العامة التي فقدت كثيراً من مصداقيتها. ويكفينا كمثال ان 67 بالمئة من قيمة الناتج العالمي اليوم هو حصيلة صناعة معرفية وفكرية والباقي بشكل قيمة السلع المادية التقليدية وهذا الاتجاه بتنام كبير يجعلنا نفكر بأن لا نبقى نصدر سلعاً اولية دون ان نحصل على القيمة المضافة من تصنيعها. الخوري بالسؤال: لكن هل سنلحق بركب الدول التي تهتم بقيمة السلع المعرفية؟ فأجاب: تعود المواطن السوري ان يحصل على خدمات تعليمية عالية وبمجانية كبيرة مما سبب حالة ثقافية وحالة في سوق العمل تجعل أصحاب العمل يأملون بالحصول على نخبة المتعلمين المتخصصين مجانا وبأجور رمزية الأمر الذي كرس لدى الناس ضعف التوجه نحو التدريب المستمر وعدم الاهتمام بتطوير خبراتهم ومعلوماتهم. ويبقى السؤال هل الدخول للجامعات الخاصة سيكون من اجل المعرفة ام للحصول على شهادة فقط يقول د. توفيق داوود «علم اجتماع»: الجامعات الخاصة يجب ان تدفع الجامعات العامة باتجاه تغيير العديد من الأسس التي تعمل عليها وان ترفع من سويتها والا هناك مشكلة غاية في الخطورة. ويؤكد د. داوود انه لابد من تحسين اوضاع الهيئة التدريسية في الجامعات العامة لان هؤلاء يشكلون الاداة العامة ففي حال افتتاح جامعات خاصة ستتجه اعداد كبيرة للعمل فيها على حساب الجامعات العامة وحتى المناهج المقررة في الجامعات الخاصة يجب ان تكون متماشية مع الثقافة العامة للمجتمع «ثقافة المجتمع الانسانية» التي تحافظ على كل ما هو ايجابي في حياتنا بصورة او باخرى فنحن مع جامعات خاصة هدفها تحقيق مصلحة مشتركة لأصحاب الجامعات من جهة وللمجتمع بنظمه وقيمه وثقافته من جهة ثانية. ويرى د. داوود ضرورة افتتاح جامعات خاصة شريطة تحديد اهدافها ومنهجها وخطتها بالتالي ان تكون قائمة على اساس البحث العلمي وان تكون مشروعية عملها وعائديتها القانونية منبثقة من وزارة التعليم العالي فالطرف المتوجب اخذ مصلحته بعين الاعتبار بالدرجة الأولى هو المجتمع بابنائه. ترى د. هزار الجندي مدرسة في جامعة دمشق ـ قسم الصحافة ـ ان الانجاز الحقيقي والأهم لحزب البعث العربي الاشتراكي هو ديمقراطية التعليم ومجانيته للجميع فجميعنا يدخل جامعات عامة دون تمييز ومع وجود جامعات خاصة سنرى تمييزا طبقيا واضحا وصريحا. تقول د. الجندي انا ارفض رفضا قاطعا الخصخصة خاصة فيما يتعلق بالتعليم فمن يستطيع دفع القسط هم أصحاب المال ابناء الناس العاديين لن يدخلوا هذه الجامعات بالتالي لن يكون هناك تكافؤ بالفرص وسيسلب العمل من خريجي الجامعات العامة وتجربة الجامعات الخاصة في معظم البلدان العربية تثبت ذلك ففي لبنان مثلا خريجو الجامعة الامريكية مطلوبون اكثر من خريجي الجامعات العامة عدا عن استنزاف العقول المهمة من الجامعة العامة مما يؤثر سلبا على طلابنا. وتعتقد د. الجندي انه كان من الأفضل تغيير شروط القبول بالجامعات العامة عن طريق وضع معايير اخرى للقبول تسبر قدرات الطالب بالاختصاص الذي يريده أو عن طريق وجود جامعات مأجورة. بينما يقول د. داوود: ان رفض الحقيقة لا يعني عدم وجودها فالبعض يمكنهم ان يتوجهوا للدراسة حتى ولو كانت في محطة ميره واستشهدت منذ فترة ليست بعيدة بالتالي لتكن تلك الجامعات في بعض جوانبها تؤدي خدمة لبعض الفئات الاجتماعية داخل المجتمع ولتنفق بعضاً من مدخراتها في المجتمع لا بل ليكن ابناؤنا في جامعاتنا وعلى مرأى من اعيننا. المهم ان تحافظ تلك الجامعات على ثقافة مجتمعنا الانسانية. يبدو ان الاجراءات التنفيذية لاقامة جامعات خاصة لا تزال تحتاج إلى وقت بينما حاجة ملحة اقتصادية واجتماعية تستدعي الاسراع في تنفيذ قرار القيادة.