قبل أربعين عاماً، وفي سرية تامة، أقامت ألمانيا الشرقية حائط برلين الشهير، الذي كان شاهدا على الحرب الباردة، لكن هذا الحائط الذي جسد الفرقة بين أبناء الشعب الألماني الواحد، لم يقو على الصمود، وتعود قصة الحائط الذي تحتفل ألمانيا اليوم الاثنين بمرور أربعين عاماً على بنائه إلى أمر الرئيس الألماني الشرقي آنذاك ولتر اولبريخت، ببناء هذا الحائط لانهاء عملية الاستنزاف واسعة النطاق للعقول إلى الغرب. فقد فر حوالي 2.7 مليون شخص إلى ألمانيا الغربية في الفترة ما بين 1945 و1961. وكان تعداد سكان ألمانيا الشرقية آنذاك حوالي 16 مليون نسمة فقط في الوقت الذي أصابت مشكلة نقص العمالة البلاد بالشلل. وقال زعيم الاتحاد السوفييتي في ذلك الوقت نيكيتا خروتشوف، في وقت لاحق لسفير ألمانيا الغربية لدى موسكو «أنني أدرك أن الحائط أمر بغيض.. لكن ماذا يمكنني أن أفعل؟.. وليس من الصعب معرفة كم من الوقت سيمضي قبل انهيار اقتصاد ألمانيا الشرقية، ما لم (نتخذ).. إجراء فوريا في مواجهة هذه الهجرة الجماعية». وقد تمت عملية التخطيط لبناء الحائط، والتي سميت «بالعملية الوردية» في سرية بالغة وسبق ذلك إنكار علني شائن من جانب اولبريخت. وأعلن اولبريخت بصوته الهزيل قبل شهرين فقط من شروع قواته في بناء الثكنات ونشر الاسلاك الشائكة حول برلين «لا يوجد لدى أحد النية لبناء حائط». وبين عشية وضحاها تم عزل سكان برلين الغربية الذين بلغ عددهم 2.2 مليون نسمة مقارنة بحوالي 1.1 مليون نسمة الذين يعيشون في الشرق. وكانت هناك مشاهد درامية حيث كان المواطنون في الشرق يقفزون من أعلى نوافذ المنازل على الحدود الجديدة للوصول إلى الغرب بينما قامت قوات ألمانيا الشرقية الشرسة بإغلاق النوافذ السفلى بالقرميد. وخاطر البعض الاخر بحفر نفق طويل تحت الحائط لتحقيق حلم العبور إلى الغرب. ووصف فيلي برانت الغاضب، الذي أصبح مستشارا لالمانيا الغربية فيما بعد والذي كان عمدة لبرلين الغربية آنذاك الحائط بأنه «انتهاك فاضح» وقارنه بمعسكرات الاعتقال. فقد كان حائط برلين المحصن بحوالي 300 برج حراسة للجنود المسلحين بالمدافع الرشاشة، وبقطاع عريض مصير من يصادفه الموت وبدوريات الحراسة من جانب الكلاب الشرسة، يشبه معسكرات الرايخ الثالث. ولم تتأكد بالدقة مطلقا حصيلة من لقوا حتفهم عند حائط برلين خلال محاولة العبور. وقد دفع 270 شخصا على الاقل حياتهم أثناء محاولتهم الهرب إلى برلين الغربية. وتقدر آخر الاحصاءات إجمالي عدد الاشخاص الذين قتلوا أثناء محاولتهم الفرار من ألمانيا الشرقية، بما في ذلك من غرقوا في بحر البلطيق أو انتحروا بدلا من إلقاء القبض عليهم بحوالي ألف شخص. وكان حائط برلين أثناء الحرب الباردة يمثل رمزا وتجسيدا لمخاطر الشيوعية حيث استخدمه قادة الغرب مرارا كمادة خصبة لبياناتهم السياسية المناهضة لها. فقبل اغتيال الرئيس الامريكي جون كيندي بفترة وجيزة زار برلين الغربية وبعد أن شاهد الحائط أدلى بخطابه الشهير الذي أنهاه بكلمات حازمة عن تضامنه من اجل المدينة حيث قال بالالمانية «إنني برليني الهوية». وفي عام 1987، وقف الرئيس الامريكي رونالد ريجان عند الحائط ودعا الزعيم السوفييتي ميخائيل جورباتشوف إلى تدميره. وظلت ألمانيا الشرقية رغم ذلك متمسكة بتحديها حتى جاءت النهاية المريرة حتى من خلال الثورة السلمية لشعب ألمانيا الشرقية عام 1989 والتي أطاحت بنظام الحكم الشيوعي فيها بلا رجعة. وقال زعيم ألمانيا الشرقية اريك هونيكر في يناير «سيظل الحائط قائما 50 عاما وحتى مئة عام فهو ضروري لحماية جمهوريتنا من اللصوص». د.ب.ا