أكد التقرير الاستراتيجي العربي أن عام 2000 شهد إرتفاع معدل الاهتمام والأنشطة السياسية للجماهير العربية فيما يخص القضايا العربية العامة الى مستوى لم تصله منذ عدة عقود حتى أصبحت عاملا رئيسيا في السياسات الاقليمية. واعتبر التقرير الصادر من مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام أن تحول الجماهير العربية الى طرف رئيسي فاعل في تفاعلات النظام الاقليمي العربي يعتبر من أهم التطورات في النظام العربي خلال العام الماضي مشيرا في نفس الوقت الى استمرار سمات هذا النظام المتمثلة في انخفاض مستوى فاعلية مؤسساته وضعف قدرتها على التكيف الفعال مع المتغيرات الدولية والاقليمية. وأرجع التقرير الارتفاع التدريجي في درجة تعبئة الجماهير العربية الى الأحداث التي تشهدها المنطقة خاصة في فلسطين والعراق وجنوب لبنان والتي وصلت ذروتها في الانتفاضة الفلسطينية الثانية. وأكد التقرير أن ارتفاع مستوى النشاط السياسي بين الجماهير العربية وضع النظم السياسية العربية والنظام الاقليمي العربي في مأزق كبير مشيرا الى أن هذه التطورات وصفت سياسة الحكومات العربية المعتدلة القائمة على التعاون مع الولايات المتحدة والعمل من أجل السلام مع اسرائيل والاندماج في الاقتصاد العالمي والأخذ باقتصاد السوق في مأزق حرج، حيث تبين وجود معارضة شعبية لا يستهان بها لهذه السياسات، كما أدت أجواء التوتر العربي الاسرائيلي الى زيادة نفوذ المعارضة الاسلامية المناوئة لهذه الحكومات. القمة العربية وأوضح التقرير أن انعقاد القمة العربية الطارئة بالقاهرة في أكتوبر 2000 جاء بعد أن وصلت ضغوط الجماهير العربية الى مستوى بات يهدد شرعية النظم الحاكمة واستقرارها مشيرا الى أن مسلسل الفاعلية المحدودة للنظام العربي تواصل بعد انتهاء القمة، حيث عجزت أغلب الدول العربية عن الوفاء بتعهداتها بتقديم المساعدات المالية للفلسطينيين حتى أنه بانتهاء العام لم يكن قد وصل الأرض المحتلة من الأموال المرصودة أكثر من حوالي 200 مليون دولار. العراق انتقد التقرير استمرار عجز النظام العربي على اتخاذ مبادرة فعالة للتعامل مع الأزمة العراقية مشيرا الى أن العالم العربي هو أكثر المعنيين بهذه الأزمة التي يمكن لاستمرارها أن يخلف آثارا سلبية حقيقية على استقرار المنطقة وأمنها. وأشار التقرير الى أنه رغم ما شهدته السنوات الأخيرة من بعض التحركات الايجابية في اتجاه تطوير التعاون في مجالات الأمن بين الدول العربية ومن ذلك اتجاه بعض الدول العربية للمشاركة في تدريبات عسكرية مشتركة لأغراض متنوعة إلا أن هناك بعض العقبات أمام تطوير هذا التعاون الأمني ليشمل كل الدول العربية ومن ذلك وجود عدائيات محددة مباشرة وساخنة ويفسر التقرير ذلك برغبة الدول العربية في تجنب تصعيد النزاعات القائمة أو رغبتها في تجنب ارسال رسالة خاطئة للطرف المعادي قد يفهم منها تكوين عسكري معاد بما قد يؤدي الى توريط دول عربية في صراعات مسلحة لم تخترها. وأضاف التقرير عاملا آخر هو مدى التفاهم السياسي بين النخب الحاكمة والذي يمثل شرطا أساسيا للتقدم في سبيل الأنشطة الأمنية المتطورة المشتركة مشيرا الى أن الواضح أن مجموعة دول الخليج ومعها مصر تمثل الدول العربية الأكثر تفاهما من الناحيتين الاستراتيجية والسياسية. تفاعلات إقليمية وحول موقف الدول العربية من التفاعلات الاقليمية خلال عام 2000 أشار التقرير بداية الى أن البيئة الاستراتيجية في الشرق الأوسط تتسم بخصائص فريدة وأن التفاعلات الصراعية تفوق كثيرا التفاعلات التعاونية في المنطقة وأن قضايا الأمن والسياسة ما زالت تلعب الدور الأكبر في تحديد اتجاهات حركة التفاعلات الاستراتيجية في المنطقة في حين أن الاقتصاد هو الذي يلعب هذا الدور في معظم أقاليم العالم الأخرى. وأضاف أن أهم التفاعلات الاقليمية خلال العام الماضي تمثلت في الانتخابات البرلمانية الايرانية ومشكلات الاندماج التركي في أوروبا الى جانب ما مرت به المشكلة الاريترية الاثيوبية بين التصعيد العسكري ومحاولات التسوية السياسية. وفيما يتعلق بالصراع العربي الاسرائيلي وصف التقرير عام 2000 بأنه كان عام الاقتراب غير المسبوق من امكانية تحقيق تسوية سياسية لأكثر مشكلاته تعقيدا خلال محادثات كامب ديفيد بين اسرائيل والفلسطينيين وفي نفس الوقت الاقتراب غير المسبوق من احتمالات انفجار حرب ـ أيا كان مفهومها ـ بين اسرائيل والأطراف العربية عقب انهيار محادثات كامب ديفيد بوقت قصير، حيث أدت عوامل متشابكة الى انفجار انتفاضة الأقصى في الأراضي المحتلة وواجهتها حكومة حزب العمل بأساليب شديدة العنف وترددت أصداؤها في المنطقة لتخلق «حالة حرب» برز تصور حول امكانية تحولها ـ في ظل سيناريوهات معينة ـ الى حرب فعلية، إلا أن كافة الأطراف تمكنت من السيطرة على تفاعلاتها والابقاء عليها ضمن حدود معينة ولم تنفجر الحرب. ورأى التقرير ـ فيما يتعلق بوضع مدينة القدس ـ ضرورة اعتصام الجانب الفلسطيني أولا والعربي والاسلامي ثانيا بالأبعاد القانونية الحقوقية في تحديد مستقبل المدينة المقدسة مشيرا الى أن استثارة الأبعاد التاريخية الدينية وحدها قد تفضي الى تشابك واسع النطاق بخصوص المدينة، ليس من المناسب حدوثه في هذه المرحلة التاريخية بالنسبة لهذه المنظومة. قضايا مصرية وأفرد التقرير قسما خاصا للنظام السياسي المصري أشار فيه بداية الى أن الأحزاب السياسية المصرية عانت من أزمات هيكلية منذ نهاية عقد الثمانينيات تفاقمت في العقد الماضي حتى اكتملت معالمها مع الانتخابات التشريعية الأخيرة في خريف عام 2000. وأضاف التقرير أن غياب الأحزاب السياسية عن ساحة الفعل السياسي طوال العام الماضي أدى الى غيابها أيضا عن التأثير في مسار الانتخابات التشريعية الأخيرة وساهم غياب دور الأحزاب السياسية من مجمل العملية الانتخابية في بروز ظواهر جديدة تميزت بها انتخابات عام 2000 كان من أهمها العودة النشطة لجماعة الاخوان المسلمين كتنظيم سياسي ـ لا يتمتع بغطاء شرعي أو قانوني ـ وطغيان ظاهرة المستقلين وتقدمهم لأول مرة على الحزب الحاكم وأخيرا الاعلان العملي عن الضعف المؤسسي للأحزاب. واستطرد التقرير أن غياب أي فعالية للأحزاب في الانتخابات الأخيرة لم يعن أنها غابت عنها أيضا المشكلات أو أنها جميعا كانت بلا حراك، حيث شهد بعضها تحولات قدرية مثل حزب الوفد الذي توفي زعيمه التاريخي فؤاد سراج الدين وشهد أول انتقال لزعامة حزب. وهناك أحزاب أخرى مثل حزب العمل عرفت تحولات «غير قدرية» حيث انتهت بعض الأحداث بتجميد نشاط الحزب واغلاق جريدته. وفيما يتعلق بحزب الوفد اعتبر التقرير أنه رغم النوايا الطيبة التي أبداها رئيسه الجديد الدكتور نعمان جمعة فيما يتعلق بالديمقراطية واحترام التنوع الداخلي وتوسيع دائرة المشاركة إلا أن طريقته في ادارة بعض المشكلات التي واجهت الحزب أثارت جدلا. حزب العمل وحمل التقرير بشدة على حزب العمل معتبرا أن التداعيات التي أصابت الحزب خلال العام الماضي وأدت الى تجميده ومصادرة صحيفته قد مثلت نهاية فصل في ممارسات اعتاد عليها الحزب منذ زمن. وأشار الى أن الحزب اعتاد في الفترة الأخيرة على شن مجموعة من الحملات ضد رموز في الحكم أحيانا وفي المعارضة أحيانا أخرى، أدانه في جميعها القضاء. ورأى التقرير أن الطريقة التي أدارت بها صحيفة الحزب معركة رواية «وليمة لأعشاب البحر» ـ وانتهت باغلاق الصحيفة ـ فيها كثير من المبالغة واللعب على مشاعر الناس البسيطة أكثر من موقف سياسي يعارض سلبيات كثيرة موجودة في المجتمع. صحيفة الشعب كما رأى التقرير أن حملات الاحباط واليأس التي اعتادت صحيفة «الشعب» ـ حسب التقرير ـ على شنها قد دلت على الأزمة الهيكلية التي تعاني منها الأحزاب السياسية حيث أصبح العمل السياسي محصورا داخل مقار الأحزاب الرسمية التي تتراجع عضويتها باطراد. التجمع والناصري كما حمل التقرير على الحزبين الناصري والتجمع واتهمهما بالعجز عن أن يجددا خطابهما السياسي لينسجم مع متطلبات العصر والتحولات الاقليمية والدولية التي شهدها العالم في العقدين الأخيرين. وأشار الى أن استمرار صيغة حزب التجمع على أرضية جبهوية شكلية بين شيوعيين ويساريين وما تبقى من ناصريين قد أنهى أي فرصة حقيقية أمام قيام مشاريع لتجديد الحزب، حيث ظلت صيغة التجمع الى حد كبير أقرب الى ساتر يخفي حالة الجمود النظري والسياسي والتنظيمي التي يعيشها الحزب منذ أكثر من عقد، رغم كل الأحداث الاقليمية والعالمية التي عصفت بالفكر الاشتراكي بشكل عام والماركسي بشكل خاص. وأضاف التقرير أن الصيغة التجمعية حالت دون تطور الشيوعيين، التيار المهيمن داخل حزب التجمع وتجاوزهم النهائي للماركسية بمعناها التقليدي، كما حرمت هذه الصحيفة التيار اليساري غير الماركسي داخل التجمع من أن يتحول الى حزب اشتراكي ديمقراطي بالمعنى الذي تشهده كثير من بلدان العالم الديمقراطي. القاهرة ـ محيي الدين سعيد: