هذا الكتاب هو توثيق لمضمون برنامج «نيران متقاطعة» أي (الاتجاه المعاكس) الذي قدمه د. حاييم مسكاف مع أورن شاحور على مدى ساعات وأثار جدالات عاصفة في إسرائيل. لقد تم اختيار وترجمة ما هو مهم في هذا الكتاب، الوثيقة، إذ قدم الجنرال شاحور معلومات مهمة، وهو الجنرال الذي كان منسقاً لشئون المناطق المحتلة لمدة ثلاث سنوات ثم شارك في كل محادثات السلام مع الفلسطينيين من أوسلو مروراً بطابا والقاهرة وحتى اتفاق الخليل، ويعرف بدقة كل تفاصيل المفاوضات التي تحدث عنها شاحور، يقدم تقييمه لكل مفاوض من المفاوضين الفلسطينيين الذين تعامل معهم بشكل مباشر، ويكشف حقائق غير معروفة وهو يجيب عن أسئلة واستفزازات د. حاييم مسكاف التي تمثل رأي اليمين في إسرائيل. الأحاديث تشكل توثيقاً لأفكار وآراء الجناحين الرئيسين في الساحة السياسية الإسرائيلية: اليمين واليسار حسب التقييمات الإسرائيلية. الحلقات تتضمن قراءة مفصلة لقرار الانسحاب من جنوب لبنان،إمكانات الحرب والسلام، حق العودة، السيناريوهات المتوقعة لمستقبل الشرق الأوسط، التحسب والاحتياط من القوة المصرية العسكرية المتعاظمة، انقسامات المجتمع الإسرائيلي وتقسيماته الأثنية. ـ قاتلت طيلة أيام حياتك ضد الفلسطينيين فكيف شعرت وأنت في ساحة عرفات للمرة الأولى؟ ـ إنه لأمر غريب حقاً، لقد التقيت عدداً من الأشخاص الملطخة أياديهم بالدماء اليهودية، مثل حاكم نابلس محمود العالول وحاكم رام الله أبو فراس- والأخير مسئول عن كثير من العمليات عندما كنت أنا مسئولاً عن شعبة العمليات في جهاز الاستخبارات العسكرية، وتعرفت على الاثنين كمنسق لأعمال الحكومة في المناطق وكنت اجري المفاوضات مع العالول في الوقت الذي كان فيه الفلسطينيون يهاجمون قبر يوسف في نابلس، في الحقيقة كان الاثنان مسئولين عن عدة أعمال (فدائية) ضدنا مثل سفينة «ايفتروس» التي انطلقت من ليبيا نحو سواحل تل أبيب للاستيلاء على مباني وزارة الدفاع وسلاح البحرية الإسرائيلية أفشل العملية والعالول كان المسئول الأول عنها وأنا كنت طبعاً في الجانب الآخر وقد جرى الحديث بيننا في تفاصيل هذه العملية . وإنه أشبه بسيناريو لفيلم سينمائي. ـ ولكّن الواقع يفرض الإعتراف بأن ضباط جيش الدفاع أيديهم ملطخة بالدماء وأجروا مفاوضات؟ ـ من المستحيل إجراء مقارنة من هذا النوع بين ضباط جيش الدفاع الذين يعترفون بالقوانين وبين الذين يقومون باعتداءات كأن يضعوا عبوات في محطات نقل الناس أو الحافلات. إذ يجب التمييز بين من يخطف طائرة أو يفجرها وبين من يخدم في جيش نظامي لدولة ذات سيادة. فالأمر هنا لا يتعلق بدلالات الألفاظ أو علم الكلام إنما هو متعلق بالحقائق كي لا تزداد الادعاءات الغوغائية والكاذبة على غرار ما يفعله أولئك المؤرخون الجدد الذين يسعون إلى تشويه الأحداث التي أدت إلى قيام الدولة اليهودية (بحكم الإعلان عن استقلالها بوجود جميع ممثلي الاستيطان في مبنى المتحف القديم في ضاحية روتشيلد بتل أبيب) وتاريخ حرب الاستقلال. على كل حال فانه من خلال اتصالاتي مع الفلسطينيين المحيطين بياسر عرفات لم تكن هناك صعوبات خاصة (لا أعني موضوع القتل فهذا له تفسيراته) إنما من حيث انهم خاضوا نضالاً ضدنا (لسنين طويلة في ظروف غير متكافئة إطلاقاً. وتذكرون ربما وضع عرفات أبان حصار بيروت عام 1982 عندما غادر المدينة بحماية فرنسية) لقد حقق هذا الرجل أكبر الإنجازات في التاريخ على صعيد النضال الوطني التحرري، فقد تحول من شخصية مرفوضة. «إرهابي مطارد » إلى زعيم يغازله جميع رؤساء الدول ويستدعيه رئيس الولايات المتحدة بين الحين والآخر في مكتبه، بل أن كلينتون كلف نفسه مشقة زيارة غزة للمشاركة في اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني، الأمر الذي اعتبره الكثيرون اعترافاً بالدولة الفلسطينية. ـ هل أسمعْ نبرة من التقدير لعدو الأمس، وربما عدو الغد أيضاً؟ ـ اريد العودة بهذا الصدد إلى أقوال وردت قبل سنين طويلة: أنا مستعد لتفهم مشاعر الفلسطينيين وإلى حد ما أسامحهم أيضاً. مع أن مشاعري على المستوى الشخصي مختلطة بهذا الشأن. وقد قال باراك مرة لو أنه ولد فلسطينياً لانضم بطبيعة الحال لإحدى التنظيمات الفلسطينية المسلحة وقد أثار هذا ضجة كبرى، لا ادري لماذا، وعندما أقول بأنني قادر على فهمهم اصل بحد معين إلى ما وصل إليه باراك. والآن إلى جوهر السؤال جلست أمامنا مجموعة من الأشخاص الذين قطعوا شوطاً مثيراً، إنهم مثقفون بشكل جيد ولا يقلون عن الطاقم الأمريكي في شيء، أبو علاء (أحمد قريع) مثلاً من مواليد أبو ديس، ويرأس البرلمان الفلسطيني، إنه ذكي جداً ويتمتع ببعد نظر، مقبول ومخادع وقادر على إضفاء جو لطيف كما يمكنه كسر الجمود عند الحاجة، كان من أوائل طاقم أوسلو وقد أجرى مع حسن عصفور وماهر الكرد الاتصالات السرية في أوسلو مع أوري سافير ويوئيل زينغر استعداداً لإعلان المبادئ التي أدت إلى الاتفاق المرحلي (أوسلو ب) وكنت حينها عضواً في الوفد الإسرائيلي. وأذكر أن أبا العلاء أضفى على الرحلة السرية التي قمنا بها لأوروبا جواً إنسانياً مريحاً (كان ذلك أثناء مفاوضات التسوية المرحلية) ولم نتنازل عن شيء في أعقاب ذلك ولكن الأمر كان يعني إسقاط الحواجز فيما بيننا، وقد ضمن أوري سافير كتابه (العملية) الكثير من هذه التفاصيل. وأريد أن أضيف هنا بأن القوة لا توفر الإجابات لكل شيء. فالشيء ربما يكون جميلاً في حينه ولكنه غير كاف للمستقبل، كاللافتة الكبيرة التي كانت على باب مدرسة القيادة والأركان والتي كتب عليها «بالخديعة تخوض حربك » واليوم أقول ان تلك الخدع يجب تفعيلها أثناء المفاوضات من أجل السلام، ولا أعني بذلك التفنن في أساليب الخداع وإنما إدارة الأمور بنزاهة وبطريقة حضارية، والأهم في نظري هو الحفاظ على النزاهة التي بدونها يشعر الطرف الآخر بأنه مظلوم فيسعى للانقلاب على الالتزامات التي أخذها على عاتقه. وهذه القواعد جيدة أيضاً للجانب الفلسطيني إذا كان حقاً يرغب في السلام أما إذا كان المسعى لمجرد الحصول على أراض من أجل الشروع في حرب لاحقاً من نقاط أكثر راحة فان ذلك مضيعة للوقت. ـ ما الذي نستخلصه من هذا كله؟ فهل الذين يمثلون إسرائيل في المفاوضات مشغولين ببناء شبكة علاقات شخصية بدلاً من الاهتمام بالجوهر، أي أننا لا ندري إلى أين يقودنا الفلسطينيون؟ ـ أريد القول هنا انه يتوجب علينا طوال الوقت تذكر أن الأشخاص الذين يجلسون أمامنا يمثلون شعباً مثقفاً واعياً جداً وقد وصلوا إلى طاولة المفاوضات باستقامتهم وهم يعلمون إلى أين يتجهون بالضبط بينما نحن الذين لا ندري ما هي وجهتنا، فالدكتور نبيل شعث كان بروفيسوراً في جامعة فيلادلفيا وهناك من يصفه بـ (أباايبان) الفلسطيني وقد تفاوضت معه حول عدد من القضايا (الميناء البحري والجسر المعلق والمطار) ليس فيه أي عيب أمام الإسرائيليين كما أنني لست متأكداً أبداً فيما إذا كان هناك شخص بمستواه ضمن الطاقم الذي كان قد شكله باراك. وقدرته على الصياغة والتحدث بالإنجليزية عظيمة جداً. ـ هل شارك في المفاوضات فلسطينيون عاشوا تجربة الاعتقال في السجون الإسرائيلية؟ ـ نعم وهم الأشد خطراً بالنسبة لنا ليس فقط لأنهم يتحدثون لغتنا - مع أن هذا بحد ذاته يعتبر تفوقاً ليس موجوداً لدى جميع الطاقم الإسرائيلي أمام الفلسطينيين، ولكن لأنهم يعرفوننا جيداً ويعرفون الجانب المظلم لدينا، فمحمد دحلان مثلاً أحد قادة الانتفاضة وهو -اليوم مسئول (الشاباك الفلسطيني) - رجل واقعي ولغته العبرية فصيحة جداً، أنه يعرفنا ليس بأقل مما نعرف أنفسنا، وبشكل عام أريد أن أقول إن الفلسطينيين يتفوقون علينا في جوانب كثيرة ولا يستهان بها. وأنا اعتبر أن أهم نقطة تفوق لهم علينا تكمن في حماسة واندفاع « القادة الذين لا يملكون دولة بعد وجبريل الرجوب أيضاً من الذين أمضوا فترة طويلة في سجوننا وخرجوا منها وفي جعبتهم الكثير من المعلومات التطبيقية. قضى الرجوب سبعة عشر عاماً في السجن وهو يتكلم العبرية بطلاقة كما أن الفلسطينيين في المناطق اليوم لا يستطيعون العمل أو التحرك في الضفة أو القدس الشرقية بدون مصادقته وله مندوبون في كل قرية ومدينة فهو مسئول الشاباك الفلسطيني في مناطق السلطة الفلسطينية. ولست واثقاً فيما إذا كان عرفات يرتاح دائماً من حجم القوة التي تركزت لدى الرجوب. من جانبنا التعاون مع الرجوب وان كان يبدو ساذجاً إلا أنه ضروري لقدراتنا الأمنية وقد أدى ذلك إلى منع وقوع الكثير من الاعتداءات ومن المستحيل وقف هذا التعاون وهذا ما يجب مراعاته أثناء المفاوضات فإحدى نتائج الانسحاب من المناطق هي توقف مصادر المعلومات. ـ وماذا بشأن مروان كنفاني ونبيل شعث ومحمد دحلان وصائب عريقات وجميل الطريفي وأبو مازن هل يرغبون بالسلام حقاً؟ أم أنهم ينتظرون استشراء الضعف في الدولة اليهودية كي ينقضوا عليها لحظة سقوطها على الأرض كأفعى جريحة؟ ـ كما هي الحال لدينا تماماً، فليس كل من حول عرفات يرغب بالتوصل إلى تسوية سياسية معنا، وليس من صعوبة في الاعتراف بذلك، ولكن يجب إجراء المفاوضات مع الفلسطينيين من منطلق العلم بأن هناك أشخاصاً يعتبرون المفاوضات طريقاً لتحقيق ما لم يستطيعوا تحقيقه بالقوة. مروان كنفاني مثلاً متطرف جداً في آرائه ومتصلب تجاه الإسرائيليين وتعامله معنا فظّ ،كما أنه يعتقد أن الإسرائيليين لا يرغبون في السلام. وهناك آخرون توجهاتهم أكثر واقعية مثل حسن عصفور، كان مقبولاً جداً من الطرف الإسرائيلي. أما فيما يتعلق بسذاجة الفلسطينيين في المفاوضات ـ ومنهم كما قلت سابقاً لم يأتوا وأيديهم نظيفة فلا يزال بعضهم يعتقد بوجوب طرد اليهود من المنطقة. إنه من المستحيل شطب أعوام من العداء والغضب. وهم بهذا لا يختلفون عن جماعات في حزب الله وتنظيمات إسلامية أخرى، وللأسف الشديد تسلل جزء من هذا العداء مؤخراً إلى الشارع العربي في إسرائيل. ـ هل هم غاضبون منا؟ ـ بالطبع فقد هزمناهم في حرب 1948 واضطر مئات الآلاف منهم إلى ترك قراهم وبيوتهم وأملاكهم في المدن، ولا فائدة الآن من الدخول في جدل حول من يتحمل المسئولية ويمكن إسناد ذلك إلى الباحثين التاريخيين، المهم الآن هو دراسة نظرتهم إلينا. والحقيقة هي أننا استطعنا وعرفنا كيف نقيم دولة في أعقاب قرار الجمعية العامة في التاسع والعشرين من تشرين الثاني 1947 بينما لم يستطيعوا هم الوصول إلى ذلك ، ونحن نملك اليوم دولة مزدهرة وفق المعايير الغربية وهم لا يملكون هذا ومخيمات اللاجئين التي تقطنها أحفاد الذين خرجوا من منازلهم قسراً أثناء حربنا (التحريرية) بقيت في أماكنها طوال هذه السنين كما بقيت على حالها.. بينما جلبنا نحن - بموجب قانون العودة - ملايين اليهود من جميع أنحاء العالم، هذه حقائق - وليس مهماً من هو المسئول عن ذلك إذ يتوجب الآن إيجاد طريقة لحل قضية اللاجئين دون أن تعترف إسرائيل بأية مسئولية إزاء محنتهم، حتى الأخلاقية منها. ـ وماذا تقترح إذن؟ أن نعود إلى الشتات ونطلب من العرب التكرم بالعودة إلى قراهم ومنازلهم، ونطلب من اليهود الذين أقاموا قراهم على أراض عربية أن يخلوها؟ ـ يجب إيجاد طريقة لوضع حد لمأساة الفلسطينيين. إذ لا نستطيع الاستمرار في إقامة دولتنا وسط بحر من الكراهية: أقول وأكرر للمرة الثانية: هناك شعبان في هذه المنطقة كما أن هذا الوضع الذي نجد فيه دولة لشعب واحد لا يمكنه الاستمرار، أين ستمر حدود الدولة الفلسطينية هذا هو السؤال المركزي فإذا أصر الفلسطينيون على ما هو لهم ـ كما يبدو لنا الآن ـ دون تقديم تنازلات ضرورية على ضوء الظروف الناشئة منذ عشرات السنين فإننا سنواجه خطر حرب أخرى كما حدث عام 1948 وينبغي أن يكون هناك أمل بأن يكونوا قد تعلموا الدرس المطلوب من إخفاقهم قبل أكثر من خمسين عاماً وإلا ينبغي الأسف لذلك. ـ ليس قضية اللاجئين فقط فهناك بعض القضايا الصغيرة مثل ماذا سيفعل العرب مواطنو دولة إسرائيل بعد قيام الدولة الفلسطينية بالقرب من منازلهم الحالية، هل سيطالبون بالاتحاد معها أم إقامة حكم ذاتي خاص بهم داخل حدود إسرائيل كما يلزم ذلك المنطق، ولقد قرأت في إحدى الصحف بأن سكاناً في أم الفحم يفكرون في جدوى الانتقال إلى دولة برئاسة عرفات؟ ـ يوجد بلا شك الكثير من الأسئلة المقلقة، أنا لا استطيع القول بأننا فكرنا في كل شيء أثناء المفاوضات لكنني أعتقد بأن كل واحد فكر بنفسه خلال الليالي الطويلة التي قضيناها معاً وفكرنا في نتائج هذه العملية. أنا اعلم بأن هناك تطرفاً في الوسط العربي تنامى منذ أعوام وان كثيراً من اليهود يخشون (قنبلة موقوتة) لكنني واثق بأن تحسين الظروف فقط قادر على إبطال الأخطار الكامنة في تعاظم التعصب الإسلامي المتطرف. من جانب آخر لا يمكن تسوية جميع الأمور عن طريق شق طريق حديث أو إنشاء نظام صرف صحي متطور، كما أننا منذ الآن نشهد تعاوناً مشتركاً بين جهات إسلامية متطرفة من المواطنين العرب في إسرائيل وبين السلطة الفلسطينية، ويتمثل في قضية الحرم القدسي ولكن لا يمكن أن نسقط من الحساب إمكانية التعاون على صعيد آخر فإحدى المجموعات (الفدائية) القادمة من أراضي السلطة الفلسطينية تلقت المساعدة من سكان مدينة الطيبة. وحدث في الماضي أن قّدم المواطنون العرب في إسرائيل المساعدة في نقل سكان من غزة إلى داخل إسرائيل كما أن الذين قاموا بالعملية بالقرب من ديزنغوف سنتر في تشرين أول 1994 وصلوا من غزة بشاحنة عربي من إسرائيل. ـ يمكن القول بأنكم إجمالاً لعبتم بمصير الشعب اليهودي وتأملون بترتيب الأمور ذات يوم، وهو الشيء نفسه الذي فعله باراك في جنوب لبنان، فكل شيء لا يزال سائلاً هناك ولا أحد يعلم بما تخبئه الأيام، كما اعتقد بأن رئيس الأركان وهيئة الأركان العامة ليسوا راضين عن هذا الوضع الجديد؟ ـ لا توجد مقارنة بين الأمرين، فجنوب لبنان قصة أخرى. في الاتفاق المرحلي مع الفلسطينيين (أوسلو ب) عملنا جميعاً مع رابين وبيريس من منطلق أنها رسالة من هم مؤمنون بالطريق الذي نرغب في شقّه، وقد شارك في المفاوضات إسرائيليون ماهرون من ذوي الكفاءات، أحدهم أوري سافير الذي كان قد شارك في جميع الاتصالات التي سبقت ما يسمى (أوسلو أ)، إنه ليس بحاجة إلى تزكيات مني ولكن يجب أن يعلم الجميع بأنه حظي بتقدير كبير لدى الجانب الفلسطيني كما أن رابين هو الآخر اعتبره ثروة هامة على الرغم من كونه محسوباً على تيار بيريس. ـ خسارة أنك لا تجيب على السؤال المركزي: ما هو تفكيركم إزاء المفاوضات وإلى أين ستؤدي باعتقادكم، لكن السؤال الملح بالنسبة لي الآن هو هل كانت هناك تيارات في صفوف الوفد الإسرائيلي أثناء المفاوضات مع الفلسطينيين وما هو مدى تأثيرها؟ ـ أعتقد بأنه خلال (اتفاقية أوسلو) نشأ انسجام رائع بين رابين وبيريس. هذان الزعيمان الكبيران توصلا إلى قرار بأنهما وبالتعاون معاً قادران على إنجاز المهمة. وكنا نلتقي تقريباً كل ليلة أحد في منزل رابين برامات أفيف بمشاركة كل من بيريس وسافير ويوئيل زينجر وأمنون شاحاك وداني ياتوم. وكانت اللقاءات مثيرة ومتعددة الموضوعات ولم نقم بتسجيل هذه المحادثات ولذلك لا أستطيع الآن أن أتذكرها بالكامل، كان الجو عملياً وليس مسألة تناطح بين رأسين كما نشرت الصحف في حينه - لا سيما بعد مقتل رابين، فهذان الزعيمان اللذان وصفناهما بالشيخين أو ( الختيارين ) قررا تحمل عبء القرار الخاص بالشروع في مفاوضات سياسية مع الفلسطينيين وعملا على دفعها نحو الهدف الذي اعتقدا أنه قابل للتحقيق على ضوء الشكوك الكثيرة التي تراود الجمهور لم يكن أمامهما أي خيار آخر، وزادت المظاهرات والاحتجاجات التي واكبت الاتصالات مع الفلسطينيين في عزمهما على التمسك بالقرار، وكان كل من رابين وبيريس يدرك بلا شك الخلافات الكبيرة التي فرقت الناس بسبب الهجمات الكثيرة التي أودت بحياة عدد كبير من اليهود وفي ظل وجود قطاعات مختلفة ومتعددة من الناس لا تقبل بالانفصال عن أجزاء من أرض إسرائيل التاريخية. لكن هذا الإدراك عزز الشعور بأنهما من خلال العمل معاً يمكنهما الصمود أمام موجات الاعتراض الجماهيرية وهذا الشعور بالتعاون والود فيما بعد تولد بين الشخصين بعد أعوام من التوتر وكان ذلك مؤثراً، كما نظرا إلى ضباط الجيش مثل أولاد من الخارج. لم نكن جزءاً من الجهاز السياسي. ـ كنت دائماً قادراً على إنشاء علاقات جيدة داخل الجيش وخارجه مما ساعد كثيراً في ترقيتك، وعلى ضوء كل ما ذكرته آنفاً كيف يمكنك الادعاء بأن الجيش بعيد عن السياسة، فاللقاءات في منزل رابين بوجود بيريس وسافير كانت سياسية بكل وضوح، أليس كذلك؟ ـ شهدت اللقاءات التي جرت في منزل رابين طرح موضوعات سياسية ولكن ليس بحضور ضباط الجيش، فقد تحدث رابين وبيريس في مسائل سياسية على انفراد، وبحضوري كان يجري الحديث عن مشروعات العمل القادمة كما نوقشت قضايا أمنية، فعندما يعمل ضابط كبير بوظائف معينة فإنه لا يوجد ما يحول بينه وبين الاحتكاك بالمستوى السياسي، لقد قمت بوظائف وأدوار متعددة وكنت التقي سياسيين كباراً وخلال فترة عملي ضابطاً للإدارة الرئيسية كنت التقي رابين حتى حينما كان خارج الحكومة، فبعد حل حكومة الوحدة الوطنية عام 1990 بدا مستقبله السياسي في تلك اللحظة غامضاً جداً، وكنت التقيه في مكتبه في «وزارة الدفاع» والوضع يشبه إلى حد كبير لقائي ببيريس بعد ذلك بأعوام - وكنت التقي رابين رسمياً مرة كل أسبوع، في جلسات الحكومة عندما كنت منسقاً لنشاطات الحكومة في المناطق ويعقبها لقاءات ثنائية في مكتبه في وزارة الدفاع، ورابين فضولي جداً ويسعى إلى معرفة كل التفاصيل كما كان يصرح بآرائه ولا أتعالى وأقول بأنه تشاور معي في كل الأمور ولكنه كان يتحدث معي بحرية ليطرح عدداً من الآراء والأفكار كي يختبر إمكانية تقبلها وبالتأكيد كان يفعل ذلك مع أشخاص آخرين. لم اكن في يوم من الأيام رجل أسراره الوحيد. ولكن بتقديري حظيت بثقته وهذا أمر كان بمثابة (سلعة نادرة) لدى إنسان شكاك مثل رابين. وجملة القول بأن الأمور كانت تنطوي على تقارب كبير شخصياً ومهنياً، وفي حينه تم طرح موضوع الانسحابات من المناطق وحقيقة أنهم نجحوا في جّره للموافقة على الأمر مما جعل الدم يغلي في عروقه واعتقدت بأن العملية كانت سريعة جداً وعبارة عن عقبة كبيرة وضعت على طريق المفاوضات. وأحياناً أتصور أننا لو لم نوافق على قضية الانسحابات المرحلية لسارع عرفات للتوصل إلى اتفاق دائم معنا. وكان رأيي آنذاك والآن هو أن عملية تسليم المناطق يتسبب في دوران رأس كل إنسان نشأ على ركبتي النزاع الطويل هذا. على كل حال أزعجتني الموافقة على الانسحاب على مراحل، وقبل ذلك استخدمت تعبير (الحمية) في وضعها ولكنها عندما تسارعت في مراحل تالية من المفاوضات بدت لي مثل (قطع الساق) ولا أدري حتى الآن لماذا وافقنا على ذلك، إذ تحول هذا الأمر مع الوقت إلى لب الخلاف الأساسي مع الفلسطينيين. أي أننا انشغلنا طوال الوقت في هذه الانسحابات وحجمها ومكانها. ولكن الأساس في تقديري هو أن تسليم المناطق أفقدنا ورقة مساومة في التوصل إلى تسوية دائمة إذ كان يمكن الوصول إلى ذلك بشكل أسرع لو بقيت الأراضي الأساسية في أيدينا. ـ هل كانت الانسحابات موضوع خلاف لدى أعضاء الوفد الإسرائيلي أيضاً؟ ـ عندما كان بيريس رئيساً للحكومة كان كل من عوزي دايان وأوري سافير معه تماماً، أما شاحاك فكان الأقرب إلى رابين، وقد ظهر هذا التقسيم جلياً في موضوع الانسحابات وعندما حل ايلان بيران مكان عوزي دايان تشوش هذا التقسيم إلى حد كبير. لكننا مع الزمن اكتسبنا روحية الفريق الواحد مما أدى إلى نشوء علاقة وثيقة بيني وبين أوري سافير، أما العلاقة بينه وبين شاحاك فقد توثقت قبل اتفاق غزة أريحا بأيام، ولذلك عجبت من ارتباط الأثنين بحزب الوسط. ـ دعنا نعد إلى روابطك أنت ؟ ـ طرح السؤال على هذا النحو يشكل إجحافاً لكل من يعرف موضوع الصداقة، ففي الجيش مثلاً كنت محسوباً على تيار دان شومرون، لكن هذا لم ينفعني بشيء عندما كان رئيس أركان فقد كان لديه مفهوم ساذج هو أنه ليس من الصواب مساعدة الأصدقاء فقط لأنهم أصدقاء، من هنا فإنه كرئيس أركان ظل محاطاً بأشخاص عينهم سلفه موشي ليفي، وكان لهذه المسألة أثرها على حسن الحوار لديه مع ضباط كبار في أركانه. ـبالرغم من وجود نائب حركي له؟ ـ كان باراك نائبه طيلة السنوات الأربع، لم يسمح بتعيين نائب آخر له وهذا يذكرنا بعض الشيء بمعارضته في البداية لاقتراح شاؤول موفاز بتعيين نائب له بدلاً من عوزي دايان لكي يتنافس عند نهاية الولاية مع دان شومرون على رئاسة هيئة الأركان. وباراك كان في حينه مقرباً من شومرون ولكن التنافس على الوظائف يعقد العلاقات بين الأشخاص. وهذا ما حدث في تلك الحالة. في انتخابات 1996 أيد دان شومرون القادم من كيبوتس أشدود يعقوف أحد معاقل اليسار، أيد نتانياهو الذي عينه منسقاً للمحادثات مع الفلسطينيين استعداداً لاتفاق الخليل مع أن نتانياهو كان يبحث عن الضباط الذين ليست لهم صلة بالعملية السياسية أيام رابين وبيريس. وربما كان شومرون قد غضب كثيراً عندما أقالوه بالفاكس من منصبه رئيساً للصناعات العسكرية «فأثر» ذلك على قراره وتجاوز الخطوط الحمراء ودعم نتانياهو. هل هم كما يصفهم شاحور حقا؟!