سرت العادة ان يهتم الأدب والتحليل النفسي بأسرار حياة الأزواج والزوجات، اما بالنسبة لأسرة كلينتون فقد اصبحت هذه الاسرار محط اهتمام السياسة. ومنذ ان التقيا في جامعة «يال» قبل ثلاثين عاما لا تزال مسلسلات حياتهما الزوجية تثير اهتمام اصدقائهما وخصومهما معا، ومن حدث الى آخر، ومهما كان الجرح بليغا فإن الزوجين توصلا الى مصالحة ما. ان رابطتهما تقوم على مفاهيم جيلهما وعلى طبيعتهما العميقة، انهما يتشابهان كثيرا في هذه الطبيعة اذ ان الطموح يوحدهما الى جانب حب السياسة وعلاقتهما العاطفية. تقول «ليسا موسكاتيف» العاملة في المكتب الصحفي للسيدة الاولى في البيت الابيض: انهما قابعان الى درجة كبيرة، كل منهما حيال الآخر، قد يبدو في هذا شيء من العصاب لكن الأمور كذلك، وتضيف «ان الرئيس يناديها دون توقف كي تعطيه نصيحة او توحي له بفكرة او كي يشاركها بمسألة او بطرفة، انهما يعملان كذلك، احدهما يبدأ جملة والاخر يكملها، وعندما اجتمع ممثلو الحزب الديمقراطي في ألباني لترشيح هيلاري رسميا وصل دون ان يكون منتظرا مجيئه، وفي الكواليس ظل حتى اللحظة الاخيرة يعيد النظر في الخطاب الذي ستلقيه زوجته كما كانت هي تعيد النظر بخطاباته». اما «ديك موريس» مستشار الايام الجيدة والايام السيئة الذي طواه اليوم النسيان فيتذكر ايام اركنساس وفترة سنوات التعلم لخوض تجربة الحياة الزوجية والسياسية ويقول: ان علاقتهما تقوم على الانكار المتبادل اذ انهما لايصارحان بعضهما ابدا بكل الحقيقة ولا يبحث اي منهما عن معرفتها، وكانت هيلاري قد قررت مرة واحدة وللأبد بأن مغامرات بيل العاطفية لا تعنيها وبأنها تعبر عن مخزون المراهقة لديه وعن خلل أصيل في التوازن يعود الى الآلام التي عانى منها في طفولته بسبب غياب الاب والفقر والعنف والكحول. ويضيف ديك موريس: «ان بيل هو النموذج الاكثر ميلاً للهروب يمكن لانسان تصوره. انني اراقبه منذ خمسة وعشرين عاماً وكل مرة اجدني فيها غير مدرك لحقيقته. فعندما يكون موجوداً معك يعطيك الاحساس بأنه لا ينتبه الا لك. انه يمتلك موهبة استثنائية في معرفة الغير ـ الآخرين ـ انه مثل الهوائي ـ اللاقط ـ او الاسفنجة اذ يولد لديك الاحساس بأنه يعرف كل ما يجول في خاطرك. وفي الواقع هذا رجل لا يملك انفعالات. فعندما يكون غائباً فإنك تكون ممحياً من مساحته المغناطيسية. ـ هل خانت هيلاري زوجها ذات يوم؟ ـ كان لابد من وجود حملة انتخابية بضراوة تلك التي شهدتها نيويورك كي يتجرأ صحفي ويطرح في شهر يناير 2000 السؤال التالي على الهواء باذاعة محلية: ـ «السيدة كلينتون، لاشك بأنك سوف تغضبين مني. لقد تحدثت في التلفزيون عن علاقتك بزوجك. هل قمت انت بخيانته في يوم ما؟ وبتحديد اكثر ما هي القصة بينك وبين فاتس فوستر؟ هل كان ما قيل حقيقة؟ ـ «نعم انني غاضبة منك فمثل هذه الاسئلة تخرج عن الحدود كما اعتقد. وجميع الذين يعرفونني يعرفون الاجابة.. بالطبع كلا بالطبع. لقد انفعلت قليلاً لكن المعلقين منحوها نقطة ايجابية اذ انها لم تفقد حدودها. بل ونجحت في الضحك عندما سألها الصحفي عما اذا كانت قد تعاطت الكوكايين. لم يتم بث الموضوع سوى مرة واحدة ورفضت ادارة الاذاعة نقله للشبكات الوطنية. ويحدد ديك موريس كلامه: «عندما يقوم بيل بخيانة هيلاري، يكون بحاجة لها اكثر من اي وقت آخر. انه يركز انتباهه عليها، ويحبها اكثر. وهكذا تجد هي التعويض على المستوى العاطفي كما على المستوى السياسي حيث ان سلطتها عليه تكون باقوى حالاتها. انها البالغة التي تلجم ابنها الكبير من اجل مصلحته. انها تمثل القوة والعقل. وهنا تجد دورها المفضل». وهذا ما تم التعبير عنه بجملة لـ «جاييل شيلي» جاء فيها «إنها مدمنة، مدمنة على بيل» لكن جاء على قلم «جويس ميلثون» رأي آخر يقول: «انها تزوجت وعيناها مفتوحتان تماماً، وقد حدث على مر السنوات عدة أزمات لكنها قررت دائما بشكل ناضج الاستمرار بدلاً من تمزيق أواصر أسرتها وإضاعة كل ما كانت قد استثمرته في شراكتهما السياسية». كانت شراكة بيل وهيلاري قد بدأت بـ «ضربة صاعقة» كان عمرها حوالي عشرين عاماً. يقول «ديك موريس» بهذا الصدد: «ألم يكن الأمر رومانسيا جداً؟ نعم إلى حد كبير، هذا إذا قبلنا أن السياسة وطموح استخدام الآخرين وخدمتهم شكلان من أقوى أنواع الروابط.. انهما كائنان يكملان بعضهما البعض، ويحبان السياسة كثيراً، وهو يحب بالأحرى الاستراتيجيا، أما هي فتعشق الملفات. «إنه يملك الدماغ الذي يعمل بسرعة أكبر، أما هي فإنها تملك قدراً أكبر من النخاع الشوكي، وهو يبحث عن المصالحات، أما هي فتدفعه نحو الحزم، انه ينسى الجميع بما في ذلك خصومه، أما هي فلا تنسى شيئًا أو شخصاً، انه تؤمن بالحقائق المطلقة وهو لا يؤمن إلا بالنسبة، إنهما يحبان الكلام، كلاهما، أماهي فتعرف كيف تستمع». اعتمد بيل على هيلاري من أجل الوصول إلى السلطة والاحتفاظ بها واستخدامها، أما هيلاري فقد اعتمدت على بيل من أجل ان تمارس نفوذها وتجسد أفكارهما ومشاريعهما المشتركة. في أواسط عقد التسعينيات قرر «ديك موريس» بأنه ينبغي تغيير مظهر هيلاري كلينتون في الوقت الذي كانت فيه شعبيتها بأدنى مستوى، وطالبها بأن تلبس «قمصاناً عادية وليس بقبة عالية مع عدم استخدام الألوان الفاقعة التي لا تناسبها». لم يعجب الأمر هيلاري التي صرحت: «إذا كان زوجي لا يستطيع الحصول على إعادة انتخابه إلا إذا غيرت طريقة لباسي فإنه يستحق ذلك». لكنها مع ذلك بذلت بعض الجهود وبدت متألقة أثناء الاحتفال بفوز زوجها لفترة رئاسية ثانية عام 1996، وهكذا دخل رجل جديد في حياتها هو «أوسكار دولارينتا» مصمم الأزياء الشهير، وكانت قد طلبت منه ليلة ذلك الاحتفال بأنها تريد ان تكون أنيقة كي «يفرح بيل». لكن عملية «الانبعاث»الحقيقي بالنسبة لبيل وخاصة بالنسبة لهيلاري استجدت بعد قضية مونيكا لوينسكي، وفي هذه الفترة بالتحديد غيرت من تسريحة شعرها مرة أخرى «الشعر القصير» وأخذت ترتدي ألبسة ذات ألوان قاتمة وأصبحت صديقة لرئيس تحرير مجلة «فوج» للموضة واحتلت احدى صورها الجميلة غلاف هذه المجلة لشهر ديسمبر من عام 1998. وتشير إشاعة إلى انها رأت جراح تجميل في نيويورك، ان عمرها 51 سنة، وقد وجدت أخيراً «أسلوبها». لقد فهمت هيلاري بأن الفتنة سلاح اضافي وأنها أصبحت بحاجة له. وكانت امرأة أخرى من جيل آخر هي مارجريت تاتشر قد عرفت ذلك أيضاً، ولذلك عملت على تجميل لهجتها، وتصفيف شعرها ولبس ثياب سوداء منمقة مع بعض الجواهر مما أصبح يشكل نوعاً من الشخصية المتميزة. لها. من سوء حظ بيل كلينتون ان الدستور الأمريكي لا يسمح له بالترشيح للرئاسة مرة ثالثة على التوالي، هذا على الرغم من ان جميع استطلاعات الرأي تبين بأنه يستطيع الفوز أمام أي مرشح آخر. وقد فهم «آل جور» نائبه ومرشح الحزب الديمقراطي رسمياً للرئاسة بأن عليه ان يأخذ أكبر مسافة ممكنة عن بيل كلينتون وعن «لا اخلاقيته» وعن كل «الاخلاق المتساهلة» التي تحوم حول البيت الأبيض. هكذا اختار لمنصب نائب الرئيس السناتور الديمقراطي عن ولاية «كونيكتيكت» الذي كان أول من تجرأ على انتقاد بيل كلينتون بشدة أثناء انفجار قضية مونيكا لوينسكي، أي «جوزيف ليبرمان» اليهودي المتزمت ورفض فريق «آل جور» أي اتصال مع البيت الأبيض أو أية مشاركة للرئيس في الاجتماعات العامة للمرشح «جور». كان بيل كلينتون حتى نهاية ولايته الثانية هو باستمرار المرشح الذي ينبغي على هيلاري دعمه. أما اليوم فقد تبدلت الأدوار. يقول بيل: «ان الحجة التي تثير في اكثر من بين الحجج التي يستخدمها اعداؤها هي الزعم بأنها ما كان لها ان تكون مرشحة لو لم تكن السيدة الأولى للولايات المتحدة الأمريكية. دعوني اقول لكم شيئاً: لو انها لم تكن السيدة الأولى، فلربما انها كانت قد دخلت المنافسات الانتخابية منذ خمسة وعشرين سنة. عندما التقينا وربط الحب بيننا، احسست بالذنب لأنني سرقت منها المسار الذي كانت تستحقه. ولقد اعتقدت دائماً بأنها كانت أفضل تنظيماً مني، وأنها تفهم الرهانات المطروحة أحسن مما افهمها على صعيد العمل العام. ومن بين جميع الذين قابلتهم هي أفضل من يستطيع خدمة المصلحة العامة. هذا كله يمكن «ترجمته» بعبارة واحدة «انتخبوها» وبتاريخ 3 يناير 2001 وبحضور زملائها ادت هيلاري رودهام كلينتون القسم بأنها ستخدم دستور الولايات المتحدة ومجلس الشيوخ الذي ستمثل فيه ولست سنوات مقبلة ولاية نيويورك. وفي الشرفة المخصصة للجمهور، وفي وسط عائلات أعضاء المجلس كان رئيس الولايات المتحدة وسيلسيا رودهام والدة هيلاري، وابن اخ بيل. كان الأب يمسك بيد ابنته ويتحدث معها دون انقطاع. ماذا كانت احساساته في تلك اللحظة؟ «في غاية النشوة» قال فيما بعد للصحفيين. كان سيغادر البيت الأبيض بعد سبعة عشر يوماً. وكانت آخر محاولاته هي الوصول إلى السلام في الشرق الأوسط، لكنه لم ينجح في ذلك. ان هيلاري تعرف جيداً كيف تزكي النار. اذ ما ان تم انتخابها حتى كلفت محام «مختص من واشنطن بالاتصال بدور النشر بهدف نشر سيرتها الذاتية مع الوعد بأنها سوف تتحدث عن «القضية» وعن مجمل القضايا. اما الموعد المرتقب فهو عام 2003، أي قبل موعد الانتخابات الرئاسية المقبلة. ان المبلغ الذي اقترحته دار النشر هو 8 ملايين دولار أمريكي، أي أكبر مبلغ تم منحه في الولايات المتحدة الأمريكية لاي عمل وثائقي، أي غير ابداعي «روائي». تكاثرت اشكال النقد العنيف ضد المشروع. وجاء في احد التعليقات: «انها تطالب بمبلغ يمكن للبابا وحده ان يطلبه وأكثر بكثير مما يمكن ان يطلبه زوجها! وهذا كله من أجل ان تروي قصص حياتها الزوجية والالام التي سببتها لحياتنا العامة! مرة اخرى تعتقد هيلاري بأنها فوق التقاليد!. بنفس الوقت تابعت هيلاري كلينتون لاسابيع قليلة نشاطاتها كـ «سيدة أولى». وكانت آخر اسفارها الرسمية إلى إسرائيل للمشاركة بجنازة «ليا رابين»، زوجة اسحق رابين، ثم إلى ايرلندا وفيتنام برفقة الرئيس. وكانت زيارة فيتنام هذه غنية بالرموز بالنسبة للبلدين كما بالنسبة للطالبين السابقين في جامعة يال. وهناك سؤال أخير يطرحه الجميع: هل سترشح هيلاري نفسها للانتخابات الرئاسية المقبلة؟ انها وعلى عكس تمنيات امها وتوقعات أساتذتها لم تكن المرأة الأولى التي تم تعيينها في المحكمة العليا. وأيضاً لم تكن أول امرأة عضو في مجلس الشيوخ الأمريكي الذي يضم اليوم ثلاث عشرة امرأة «سيناتور». لكنها بالمقابل يمكن ان تكون المرأة الأولى التي يرشحها حزبها لخوض الانتخابات الرئاسية الأمريكية. متى؟ «في عام 2004؟ أم في عام 2008م هذان هما التساؤلان الوحيدان. اذ انها سوف ترشح نفسها بالتأكيد، هكذا تنبأ احد مخضرمي السياسة النيويوركية والذي تحتل اليوم هيلاري مقعده في مجلس الشيوخ أي دانييل باتريك موانيهات. هيلاري فازت بانتخابات مجلس الشيوخ عن ولاية نيويورك وعمرها 53 عاماً. وهي «لاتزال جميلة وتبعث الثقة، ومتمسكة بالاخلاق وعصرية.. وشابة دائماً». الحب والسلطة. انهما وراء اجمل القصص اتعاباً وجمالاً بنفس الوقت. وقصة هيلاري معهما لم تنته بعد