لم تعط الرئيسة الاندونيسية الجديدة، ميجاواتي سوكارنو، إلا انطباعا سلبيا أوليا. كان أكثر المراقبين ينتظرون منها اشارة حسم صلبة في البداية، فذلك أكثر ما تحتاجه بلادها الآن، ولكنها غضت النظر عن كل ذلك، وانصرفت عن مسرح الأحداث المتأججة، لتزور قبر أبيها في جاوة الشرقية!! البعد عن المعترك قبر أبيها لم يكن في حاجة إلى زيارة، حيث لم تكن تشتعل من حوله أزمات، ولا كان بامكان القبر أن يقدم إليها أي الهام هام، فعصر أبيها، خصوصا في أخرياته، لم يكن أهدأ ولا أصفى من حاضر اندونيسيا الآن، ففي نهايات عهده قتل ملايين الاندونيسيين، بسبب تدابير أحمد سوكارنو وتمسكه بتحالفاته مع النقائض والأضداد، وذلك حتى انبثق جنرالات الجيش برئاسة سوهارتو لايقاف الفوضى وتشييد ديكتاتورية سياسية مرعبة، جعلت همها الأكبر اخماد جميع أنواع الايديولوجيا، وتسريع خطى النهضة الاقتصادية في ولاء كامل للغرب ومؤسساته المالية، وهي نفس المؤسسات التي أدت في النهاية إلى ما تعاني منه اندونيسيا حاليا من انهيار اقتصادي وسياسي. سفر ميجاواتي بعيدا عن العاصمة، في وقت كانت الأوساط المالية ترنو فيه إلى اشارة منها تتيح ولو لمحة نظر واحدة إلى حزمة حلولها للمعضل الاقتصادي، أصاب تلك الأوساط بكثير من الاحباط. أما الأوساط السياسية فقد كانت تنتظر منها أن تنخرط فورا في اتصالات ومشاورات سياسية كثيفة، بغية تشكيل تحالفها الحاكم، وتكوين مجلس الوزراء الجديد، وهذه الأوساط خاب أملها أيضا عندما أجلت ميجاواتي هذا الموضوع الهام، وغابت لأكثر من خمسة أيام عن العاصمة. تأكد جليا لهؤلاء ان ميجاواتي برغم تسلمها السلطة في مشهد اجماعي داعم «571 نائبا مقابل صفر»، فإنها لا تزال تحرص على طبيعتها الحذرة القديمة، حيال المسائل الخلافية الصعبة، وهي طبيعة وان أفادتها شخصيا، فإنها لا تفيد الأمة، التي تنتظر من يقدم على التصدي لعلاج القضايا الحرجة. لا أحد يطلب من ميجاواتي أن تتعجل، ولكن ليس مقبولا منها أن تتباطأ بهذا الشكل، فهذا التباطؤ والحذر والحياء ربما كان مقبولا منها في ظل تسلط عبدالرحمن واحد، بل ربما كان ذلك محبذا حينها، إذ كان يوازن رعونة الرئيس السابق، ويخفف من وقع تصريحاته اللاذعة المتضاربة التي اشتهر بالادلاء بها في قصره الرئاسي، وفي ساحات المساجد، وفي زياراته واستقبالاته للزعماء والناقدين، ولكن ان تواصل ميجاواتي سياسة الحذر والصمت حتى بعد ان انجاب ظل عبدالرحمن واحد، فذلك ما لا يمكن أن يفسر في صالحها ولا صالح اندونيسيا على الاطلاق. توسيع المشاركة على مستوى تشكيل السلطة فان عدة معادلات تنتظر الحل. فالأحزاب الاسلامية، وهي أحزاب ذات ثقل متنام في السياسة الاندونيسية، ساندت ميجاواتي. هذه الأحزاب لم تتغافل عن مواقفها السابقة في معارضة ميجاواتي، ولا عن رأيها المبدئي في عدم صلاحية المرأة لرئاسة الدولة، ولكنها أفلحت في الوصول إلى فقه واقعي من فقه الضرورة، سبق أن اهتدى إليه الإمام أبو الأعلى المودودي، عندما قام بدعم ترشيح فاطمة جناح ضد الجنرال يحيى خان، في انتخابات الرئاسة الباكستانية، معتبرا ان فوز الأولى أقل ضررا من فوز الثاني. وهذا الفقه هو فيما يبدو ما توصل إليه قادة الأحزاب الإسلامية الاندونيسية، أمثال أمين رياس، حيث اعتبروا تسلم ميجاواتي رئاسة الدولة، خيرا من حالة اللا استقرار في البلاد. ومهما يكن فهذه اشارة طيبة تبشر بنوع من الوئام السياسي في التشكيلة القادمة. لكن الأحزاب الإسلامية مهما كان تناميها فهي أحزاب أقليات والاستعانة بها مع تخطي الحزب الثاني من حيث الثقل السياسي، وهو حزب جولكار، يعطي دلالتين سلبيتين، احداهما: وجود معارضة قوية للحكومة التي هي أصلا في وضع هشاشة واهتزاز، والثاني حرمان التشكيلة الوزارية القادمة من خبرات سياسيي حزب جولكار، الذي ظل يحكم البلاد لنحو ثلاثين عاما. ويمكن لميجاواتي أن تدقق في الاختيار هنا فتستبعد كل من حامت حوله شبهات الفساد من كوادر جولكار. ولحسن الحظ فإن جولكار لا يبدو معارضا للانخراط في الحكومة حيث صرح سيمسيول معروف رئيس البرلمان الأدنى، وهو من قادة حزب جولكار، ان حزبه مستعد للمشاركة في الحكومة، بغض النظر عن عدد المقاعد الوزارية التي ستمنح له، وهذا تنازل كبير يقدمه حزب يملك ثاني أكبر كتلة برلمانية بعد حزب ميجاواتي. ويبدو ان قادة جولكار يفضلون كثيرا وضعية المشاركة على وضعية المعارضة، وانهم لا ينتظرون إلا دعوة ميجاواتي لهم للاشتراك في السلطة، فهم بعد ان خسروا السباق الانتخابي لمنصب نائب الرئيس لصالح حمزة هاس، أصبحوا يفضلون التعامل الهادئ مع الكتل السياسية الأخرى، ولكنهم بالطبع يحاولون الحفاظ على كرامة وهيبة الحزب، بعدم الظهور بمظهر المتهافت على السلطة، فهذه فرصة ميجاواتي لتتصرف بحكمة وبعد نظر فتدعوهم للمشاركة في الحكومة، فتكسب لحاضرها ومستقبلها كثيرا، اما ان فكرت في الانتقام لماضيها، باعتبار ان قادة جولكار الأوائل، هم خصوم أبيها، الذين اقتلعوه من السلطة ومن قصرها الى الاقامة الجبرية، فإنها تكون تصرفت بطفولية وسذاجة عامية لا تليق بمن يلي أمور الناس ويرعى مصالح البلاد. الاتفاق مع الجيش ويكون الأمر أشد سوءا لو تعاملت ميجاواتي مع الجيش من خلال عقدة أبيها ايضا، بدعوى ان الجيش هو الذي خلع اباها وأسس جنرالاته فيما بعد حزب جولكار. ان ذلك الارتباط قد انتهى بين الجيش وجولكار، وقد استسلم جولكار لقدره الانتخابي ولم يستعن الجنرالات لابقائه في السلطة. ولكن لا يعني هذا ان النفوذ السياسي للجيش قد تضاءل.. ان الجيش لا يقبض على مفاصل السلطة، ولا يريد ذلك، وقد اتضح ذلك من تصرفاته الاخيرة في حماية الديمقراطية برفضه لاعلان واحد لحالة الطوارئ، ورفضه لتنفيذ أوامره الخرقاء واضطراره للامتثال لقرار العزل، ولكن الجيش مع ذلك ليس نائيا عن السياسة ولا متهاونا مع اي اتجاهات للتساهل والتفريط في وحدة البلاد. من حسن حظ ميجاواتي انها تتفق مع الجيش بقوة في النقطة الاخيرة، وهنا ينتظر منها ان تتخذ من تلك النقطة مدخلا للتفاهم الوثيق مع الجيش. فتلك هي النقطة الأهم، ومن خلال تلاقيها هناك مع الجيش تستطيع ان تكتسب ثقة الجيش، وتقوي وضعيتها الحاكمة، ولا بأس بأن تهدر لقاء ذلك كل مناحي الخلاف والتنافر مع الجيش، وتكفكف من عواطفها السلبية القديمة تجاهه. استثمار الوفاق ستبرهن ميجاواتي على ذكائها، لو نقضت خطوتها، غير الموفقة، التي بدأت فيها بزيارة قبر ابيها. وكفت عن اعطاء التصريحات غير المسئولة، مثل قولها وهي تضحك: ان أبي وسيم جدا، واني قد غرقت في حبه وكأنه ليس أبي!! فليست وسامة أبيها، ولا حبها العشقي له، مما يهم أحدا غيرها، وليست المشاكل التي تعانيها اندونيسيا الآن هي من نوع المشاكل التي كانت طاغية في عصر ابيها، وبالتالي لا يمكن استمداد حلولها من حكمته أو الهامه. على ميجاواتي ان تطرح العاطفية الزائدة جانبا، وتقلل من خجلها الغامر، فالخجل ليس من ايجابيات من يعمل في السياسة.. ان الخجل الشديد قد يضر بمكانتها، وقد يجرئ عليها الكثيرين، بدعوى انها محدودة الذكاء، قليلة المبادرة، وليس عندها ما تقوله أو تفعله للناس. على ميجاواتي ان تنتهز هذه اللحظة السانحة التي ساد فيها الوفاق السياسي القومي، المتولد عن مقاومة الجميع لديكتاتورية واحد، وتستثمر هذا الوفاق الاجماعي، وهذه الارادة المتضافرة، لمواجهة سلاسل المشاكل و المعاضل، والرزايا، والخطوب، المتوارثة من أيام سوهارتو. صحيح ان الشعب الاندونيسي صوت لميجاواتي اعزازا لأبيها، تماما كما صوتت خمس أمم آسيوية اخرى في السنوات الأخيرة، لنساء أصبحن يقدن تلك الأمم الضخمة مثلها، ولكن اعزاز الراحلين، لا يكون باجترار الاحزان عليهم، ولا بتعطيل حركة التاريخ عند خطاهم، وانما بالتحرك الخلاق الفعال الناجز لتحقيق أهداف الاستقرار والوحدة القومية، والتنمية الاقتصادية، وديمقراطية الحكم، فهذه هي التحديات الصعاب التي تواجه ميجاواتي. د. محمد وقيع الله