بفضل شارون انقسم المحللون السياسيون في الشرق الاوسط تجاه رؤيتهم لمستقبل العملية السلمية في المنطقة الى مجموعتين لا ثالث لهما: متشائمون ومتشائمون جدا. فالتفاؤل الذي ساد لقرابة عقد من الزمان حول مستقبل التسوية السلمية في المنطقة قد تبدد. واضحى الرهان على السلام في ظل البطش الاسرائيلي في التعامل مع الانتفاضة الفلسطينية والعالم العربي ضرباً من ضروب السذاجة السياسية، وغدت مواصلة العرب تفاؤلهم بامكانية التوصل الى سلام في ظل اصرار تل ابيب على فرض مفهومها الخاص للسلام عليهم تفاؤلا كارثيا على الانظمة والشعوب العربية معا. عمق الاحساس بضخامة الكارثة التي يندفع اليها الشرق الأوسط برمته، لم يعد حصرا على بلدان المنطقة وانظمتها. فأوروبا المدركة أنها أول من سيطوله لهيب النار اذا اشتعلت المنطقة، اضحت اكثر قلقا من السياسات العدوانية لشارون. وعلى الرغم من انضباط ايقاع الوضع العام في الشرق الأوسط ـ حتى الآن ـ بشكل أو بآخر، وعدم خروجه عن حيز البطش الاسرائيلي بالفلسطينيين، وردود فعل محدودة من الفلسطينيين تجاه ما يتعرضون له من عنف! الا ان المراقبين الاوروبيين يخشون من ان تؤدي مواصلة تل ابيب لعدوانها على الشعب الفلسطيني وتهديدها بأن يطال العدوان سوريا ولبنان، وتدهور لغة الخطاب السياسي والاعلامي مع القاهرة وعمان، أن يؤدي ذلك الى انفجار شامل تصعب السيطرة عليه او التحكم في نتائجه، واذ يستبعد ان يكون الانفجار نتيجة عودة الوعي بشكل مفاجئ للحكومات العربية وتبنيها مواقف عملية اكثر تشددا في مواجهة اسرائيل، فان انفجار الوضع ربما يعود لأوهام شارون بامكانية اغتنام الفرصة، وتبلور قناعته بأن في الامكان تغير مجمل قواعد اللعبة السياسية في الشرق الاوسط بمغامرة عسكرية تكون مدخله الى بوابة المجد في التاريخ اليهودي، والعودة الى ادبيات الفكر الصهيوني بفرض «السلام» على العرب بالقوة وليس بالتفاوض معهم. خطوة خجولة الخوف على المصالح الغربية في المنطقة وما يمكن ان تتعرض له من أضرار ضخمة في حالة انفجار الموقف وخروجه عن السيطرة، كان العامل الأساسي الذي حرك مجموعة الدول الصناعية الثماني في قمتها الاخيرة في جنوة لتبني فكرة أو مبدأ نشر مراقبين دوليين. البيان حظي ايضا بموافقة واشنطن وهي خطوة دبلوماسية خجولة في ظل التردي المتواصل للاوضاع الميدانية في الضفة الغربية والقطاع، ولكنها خطوة لا يجب الاستخفاف بها، فأمريكا عارضت دوما فكرة ارسال مراقبين دوليين للمنطقة بدعوى ان الفكرة سابقة لأوانها، ومن ثم فان الخطوة التي اتخذتها الخارجية الامريكية بتأييد بيان جنوة رغم ادراكها لرفض تل ابيب لآلية المراقبة الدولية، يكشف عن استعداد واشنطن للاستماع للشريك الأوروبي بل والسماح له بلعب دور أكبر في الشرق الأوسط. واذ بدا بيان جنوة محكوما عليه بالموت منذ اللحظات الأولى باشتراطه موافقة الطرفين الاسرائيلي والفلسطيني على نشر مراقبين دوليين، فان هذا الشرط يبدو لا مفر منه في ظل الاقرار بسيادة الدول. ورغم ادراك مصدري البيان مقدما ان الرفض هو جواب تل ابيب، فان الجديد هو التوافق الدولي على الفكرة، وعدم ربطها باحراز اتفاق سياسي، كما تطلب اسرائيل وهو ما يعكس الادراك الملموس من المجتمع الدولي لخطورة استمرار تدهور الوضع. واذ اعتمد شارون في مبررات رفضه لآلية الرقابة الدولية على عدد من الحجج ابرزها حتى الآن ان قبول حكومته بنشر مراقبين دوليين على طول خطوط التماس مع الفلسطينيين يعني اقرارا طوعيا منه بالطابع الدولي للنزاع، فانه لا ينسى بالتأكيد ان النزاع العربي الاسرائيلي ذو طابع دولي منذ اللحظة الاولى لتفجره قبل خمسين عاما تقريبا. بل ان دولته نشأت بموجب قرار «دولي»، كما ان حزب «الليكود» الذي ينتمي اليه هو اول من اقر بالطابع الدولي للنزاع عندما وافق على المشاركة في مؤتمر مدريد عام واحد وتسعين، وبحضور الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي تم الاقرار اقليميا بالطابع الدولي للنزاع، وبأن تدخل الاطراف الدولية شرط اساسي لحل مشكلة الشرق الاوسط. ان دراسة مختلف النزاعات «الاقليمية» التي تشهدها الساحة الدولية تكاد تبرهن على عدم امكانية التوصل الى حل لأي منها بدون تدخل دولي واضح ومكثف، وربما كان النزاع الهندي الباكستاني حول كشمير نموذجا آخر على عدم امكانية توصل اطراف الصراع بمفردها الى حل دائم وشامل لنزاعاتهم الاقليمية. محاولات الالتفاف وفي اطار سعي حكومة شارون للالتفاف على فكرة المراقبين الدوليين، وابعاد اي دور اوروبي محتمل، وتخفيض حجم الضغوط الدولية التي تتعرض لها، طرح بعض اقطاب الحكومة الاسرائيلية فكرة زيادة عدد المراقبين التابعين لوكالة المخابرات المركزية الامريكية او تشكيل دوريات مشتركة بين الامريكيين والاسرائيليين لمراقبة الوضع، ولا شك ان شارون الذي يعلم افضل من غيره امكانية تأثير اللوبي الصهيوني في امريكا على تشكيل واداء فرق المراقبة الدولية اذا انحصرت في الامريكيين فقط، سيسعى جاهدا الى تمرير هذا الحل دوليا، باعتباره حلاً يرضي كافة الاطراف. الا ان الطرح الشاروني لا يحمل في محتواه أي جديد، فرجال المخابرات المركزية الامريكية لم يغادروا المنطقة، بل واصلوا ممارسة عملهم المعتاد في جمع المعلومات والاشراف على التنسيق الامني بين الفلسطينيين والاسرائيليين، وحتى بزيادة عددهم فهم لن يفعلوا أكثر مما قاموا به خلال الشهرين الماضيين منذ ان زار تينيت المنطقة. ان طرح فكرة المراقبين الدوليين تهدف الى الاستشهاد بطرف ثالث «محايد وأكثر مصداقية» على حقيقة ما يحدث على أرض الواقع، وتنوع جنسيات العاملين في فريق المراقبين الدوليين يضفي المزيد من المشروعية والمصداقية الدولية عليهم. وربما كان هذا تحديدا ما تسعى تل ابيب لتفاديه. لكن دعوة شارون لزيادة دور الاستخبارات الامريكية كبديل للمراقبين الدوليين، لم يكن الا جانباً واحداً من جهود اسرائيلية مخططة بدقة لعرقلة الجهود الدولية في تفعيل آلية الرقابة الدولية، فالاسابيع الاخيرة شهدت وبقوة جهودا اسرائيلية مكثفة ومنظمة لتلطيخ صورة المراقبين الدوليين. فالحملة التي شنتها وسائل الاعلام الاسرائيلية على الأمم المتحدة وقوتها في لبنان بدعوى احتفاظها بشريط فيديو يصور عملية حزب الله باختطاف الجنود الاسرائيليين، هدفت الى خلق ازمة ثقة بين تل ابيب والمنظمة الدولية تتيح الفرصة لشارون لرفض اي قرار دولي بارسال مراقبين دوليين للمنطقة. ولربما كان تحليل الكاتب الاسرائيلي ناحوم بارينج في صحيفة «يديعوت احرونوت» للسلوك الاسرائيلي في التعامل مع قضية شريط الفيديو، كاشفا عن كيفية تفكير قادة اسرائيل في التعامل مع مبدأ نشر المراقبين الدوليين على خطوط التماس مع الفلسطينيين، عندما قال: «ان الضجة المفتعلة التي اثارها وزراء في الحكومة حول مسألة الفيلم الهندي تثير الشكوك بأن ما يدور في ذهن السلطة ليس موضوع الاسرى الاسرائيليين في لبنان فحسب، بل توجد على الطاولة أمامهم قضية الانتفاضة بكل ثقلها (...) ومن المؤكد ان هناك سعيا الى وأد فكرة ارسال مراقبين دوليين الى المناطق الفلسطينية». الورقة الفلسطينية لكن الحديث عن نشر مراقبين دوليين على نقاط التماس بين الفلسطينيين والاسرائيليين لا يرتبط فقط بالضغوط الدولية على اسرائيل، فهذا احد جوانب اللعبة السياسية في الشرق الاوسط حاليا. وانما يرتبط في الجزء الأكبر منه بالتوازنات السياسية داخل اسرائيل ذاتها. فشارون وصل الى السلطة وهو لا يحمل في جعبته أي اجندة سياسية، وانما أوهام بقدرته على فرض حل عسكري على الفلسطينيين. ويعلم شارون جيدا ان الحديث عن السياسة يعني تراجعه عن الواجهة وفتح الطريق أمام بيريز وحزب العمل للتقدم للامام. فالمهمة الأساسية للمراقبين الدوليين هي الاشراف على وقف اطلاق النار، وتحديد المسئول عن انتهاكه، ومن ثم تمهيد الطريق لتنفيذ توصيات تقرير لجنة ميتشيل التي تتضمن وقف النشاط الاستيطاني وتهيئة الاجواء لتنفيذ المرحلة الثانية لاعادة انتشار الجيش الاسرائيلي في الضفة الغربية، والعودة الى مفاوضات السلام، وهي نقاط تعني عمليا ايقاف «العنف» الدائر بين الاسرائيليين والفلسطينيين للولوج الى بوابة العمل السياسي، وهو وضع يفتقد شارون اي تصور لكيفية التعامل معه خاصة اذا دعم الامريكيون المسار الأمني والسياسي بالتوازن. ان الوضع المتدهور في الشرق الاوسط اضحى خطيرا للغاية، ويتطلب بذل المزيد من الجهود الدولية لنزع الفتيل قبل انفجار الوضع برمته. واذا كانت آلية المراقبين الدوليين تعد وسيلة ناجعة لتهدئة الوضع، فان الفلسطينيين ـ وحتى ينجح المجتمع الدولي في فرض ارادته على حكومة شارون ـ يعون تماما انهم يقاتلون وظهورهم للحائط وليس لديهم ما يخسرونه اذا قرروا مواصلة مقاومتهم لشارون وسياسته. الورقة الأمنية هي الورقة الوحيدة التي يمتلكها الفلسطينيون، ويعتمد الامر برمته على حنكتهم السياسية في استخدامها، فالورقة الأمنية هي التي ستجبر اسرائيل على العودة لطاولة المفاوضات والقبول بالدولة الفلسطينية. ان نجاح الفلسطينيين في اسقاط المنطق العسكري لليمين الاسرائيلي في التعامل مع الانتفاضة، لن يعني فقط اخراج شارون من الحياة السياسية الاسرائيلية، بل يعني توجيه ضربة قاصمة لعقلية الغطرسة واساطير القوة الاسرائيلية. ومن المؤكد ان الاقرار بارسال مراقبين دوليين للمنطقة خطوة مهمة على هذا الطريق. بقلم: هشام بدوي ـ كاتب واعلامي مصري