منذ القمة العربية التي عقدت في القاهرة بسبب تداعيات الانتفاضة الفلسطينية وقضية المراقبين الدوليين مطروحة لنقاش لم ينقطع بين الأطراف المعنية وجدل في أجهزة الإعلام حول الإمكانية وحدود الدور. وجاءت قمة «جنوة» لتعزز احتمال نشر هؤلاء المراقبين رغم الرفض الصهيوني الرسمي المتكرر . ويشكل هذا المطلب نقلة في الموقف العربي من مشروع التسوية ، إذ يعني للمرة الأولى اللجوء إلى المجتمع الدولي بدلا من انفراد الولايات المتحدة بعملية التسوية بما يعنيه من انحياز للكيان الصهيوني على حساب الحقوق العربية، لكنه يعني في الوقت نفسه تراجع آمال أنصار التسوية من الفوز بتسوية عادلة شاملة إلى السعي ـ فقط ـ للإبقاء على الشعب الفلسطيني حيا بغض النظر عن أن يحصل على حقوق كاملة أو منقوصة، وهم بذلك يقرون بأن المشكلة مع المشروع الصهيوني ليست حدود ما يعطيه لأصحاب الأرض الحقيقيين، بل أن يتوقف عن مخططات التخلص النهائي منهم إبادة أو طردا. أي أن الكل يهرول لإقناع الكيان الصهيوني بأن صراعه مع العرب «صراع حدود لا وجود» بعد أن اقتنع الكثير من العرب بذلك ، وما زال يرفض ذلك بالقول والفعل معا. وقد ألحقت انتفاضة الأقصى خسائر فادحة بـ «صورة الكيان الصهيوني» وألجأته إلى قدر من العنف ضد المدنيين لم تشهده الأرض المحتلة منذ تأسيس الكيان الصهيوني، ولأول مرة في تاريخ هذا الصراع يشعر الكيان الصهيوني بمنافسة إعلامية قادرة على تحقيق انتصارات ـ ولو جزئية ـ عليه في ساحة الإعلام، ولعل هذا يفسر الاعتداءات المتكررة التي ارتكبها الصهاينة بحق صحافيين، ومساعيهم لإطلاق قناة فضائية عربية توجه للعرب لشرح وجهة النظر الصهيونية في الصراع. فصورة الكيان الصهيوني وهو يهدم المنازل ويغتال المواطنين، بل صورة معاناة المواطنين الفلسطينيين في حياتهم اليومية يمكن أن تكون له آثار سلبية وخيمة في الخارج. ومن هنا يصر الطرفان على خوض معركة المراقبين حتى النهاية. وقد يكون إرسال المراقبين في حد ذاته عاجزا عن إحداث تغيير نوعي على الأرض لأن الكيان الصهيوني في القانون الدولي دولة ذات سيادة، وبالتالي فليس بالإمكان أن يفرض عليها أحد أن تستقبل مراقبين على أرضها، دون رضاء تام منها. وفي تصريحات أدلى بها إرييل شارون مؤخرا ويكررها باستمرار رفض نشر مراقبين وأضاف: «لن أقدم أي تنازلات من أي نوع لا في الوقت الراهن ولا في المستقبل في مسألة أمن دولة إسرائيل وأمن مواطنيها». وتلخص هذه التصريحات التصور الصهيوني لما يجب أن يكون عليه الوضع في الأرض المحتلة: أمن الكيان الصهيوني ومواطنيه قبل أي اعتبار حتى لو كان اعتبارا إنسانيا أو أخلاقيا، وسيادة الصهاينة على الأرض والناس مطلقة لا تقبل التنازل، وفي مقابل القداسة التي يتمتع بها أمن الكيان الصهيوني ومواطنيه لا حرمة لأي شيء يهدد هذا الأمن حتى لو كان حياة الفلسطينيين نفسها. وهو تصور يبلغ الغاية في العنصرية إذ يفترض أن لجماعة معينة حقوقا مطلقة تجب حقوق الآخرين بل تبيح انتهاك حقوقهم كافة، وضمنها حق الحياة. وما يتجاهله هذا الخطاب أن الأمن حق مشترك لكل من يعيشون على هذه الأرض وأن أمن الفلسطينيين ينبغي أن يتمتع بالأهمية نفسها، لأن إنكار إنسانيتهم وما يترتب عليها من حقوق أساسية يعني تحول العنصرية من سمة بنيوية يحتاج إدراكها إلى قدر من التحليل لتصبح عنوان النظام السياسي الصهيوني. وما يجب أن يسعى الخطاب الإعلامي العربي لترسيخه في هذه المعركة أنه حتى بالنسبة لمن يقرون بمشروعية وجود الكيان الصهيوني وما يترتب عليها من حقوق، في مقدمتها حق هذا الكيان في الحفاظ على أمنه ، فإنهم في الوقت نفسه يطالبون هذا الكيان بأن يلتزم بالأعراف الدولية في كل إجراء يتخذه لحفظ هذا الأمن. وفشل قادته في تحقيق هذا الأمن إلا من خلال هذه السياسات الدموية يعني في المقام الأول فشلهم. كما أنه قد يكون مؤشرا على أن هذا الكيان تأسس بشكل يجعل افتقاره للأمن مرضا مزمنا لا سبيل إلى التخلص منه ، وسياسة اغتيال نشطاء الانتفاضة بالشكل الدموي الذي تكرر في الآونة الأخيرة لن يؤدي إلى تحقيق الأمن ، وهذا ما ينبغي أن يدركه الصهاينة أنفسهم . وقد ورد في تصريحات شارون المشار إليها عبارة لها دلالات عميقة هي قوله «لن تقوم أي حرب في الشرق الأوسط»، فلدى قيادة الكيان الصهيوني قناعة راسخة بأن المنطقة لن تشهد حربا نظامية ، وهو مرتكز من أهم مرتكزات التصور الصهيوني للأمن في هذه المرحلة. وهذه القناعة توفر للصهاينة فرصة تصعيد عدوانهم على الشعب الفلسطيني إلى أقصى درجة تحتملها الأوضاع الدولية أولا ، والظروف على أرض الواقع في الداخل ثانيا . وكما هو ـ في النهاية ـ رمزي كل موقف عربي داعم للحق الفلسطيني، سيكون وجود المراقبين، إن تحقق، دعما رمزيا. فهو يعني أن شيئا ما ذا بال يحدث في هذه البقعة يتجاوز سعي دولة ما للحفاظ على أمنها وأمن مواطنيها، وأن ثمة مسئولية هي على أقل تقدير مسئولية أخلاقية إزاء الفلسطينيين ينبغي أن يضطلع بها المجتمع الدولي. وفي كل الأحوال تضررت صورة الكيان الصهيوني دوليا وأصبح في حاجة إلى من «يراقب» سلوكه تجاه الفلسطينيين، بعد أن عجز المشروع عن استيعابهم. كمواطنين ذوي حقوق متساوية ، بعد أكثر من خمسين عاما من نشأته. ومما يعكسه السجال الراهن بشأن المراقبين أن مساعي الكيان الصهيوني لأن «يطبع» علاقاته في المحيط الجغرافي الذي زرع فيها لم تفشل بسبب حالة عداء مبدئي تجتاح هذا المحيط ، وإذا وجدت فهي مبررة. فبعد خمسين عاما من الصراع والتفاوض والأكاذيب الصهيونية الرخيصة وسياسات تحطيم المجتمع الفلسطيني: ثقافيا واقتصاديا واجتماعيا بإجراءات لم تخل من قسوة شديدة. بعد كل هذا مازال الفلسطينيون حقيقة ماثلة تستعصي على التجاهل وترفض كل محاولات التذويب. ورغم هذا الفشل في «تطبيع» الأوضاع في الداخل ما زال يتحدث عن تطبيع العلاقات مع الخارج، وهو أحد تناقضات المشروع الصهيوني الحادة. قد يستطيع الكيان الصهيوني حصر المسألة في نطاق مراقبين أمريكيين لا يشكل وجودهم أي ضمان لأمن الفلسطينيين ، لكنه بالضرورة لن يستطيع إعادة صورة الكيان الصهيوني في الغرب إلى ما كانت عليه قبل انتفاضة الأقصى، ومساعي محاكمة شارون في بلجيكا كمجرم حرب، وما تزمع «منظمة العفو الدولية» تطبيقه بحق السفير الصهيوني المقترح تعيينه في كوبنهاجن كارمي جليون من استراتيجية للملاحقة مؤشر قوي سبقته مؤشرات، كان أهمها انضمام «هيومان رايتس ووتش الدولية» للمطالبين بمحاكمة شارون كمجرم حرب. وهي مؤشرات تؤكد أن الانتفاضة نجحت في تعرية الكيان الصهيوني إلى حد ملموس وأن لعبة احتكار دور الضحية المهدد ببحر من الأعداء نجحت في احتكار المحرقة النازية لكنها لن تنجح في إقناع العالم بأن الجاني في المحرقة التي تجري على أرض فلسطين المحتلة هو الضحية. بقلم: ممدوح الشيخ ـ كاتب مصري