بدعوة من الاتحاد العام التونسي للشغل «مجمع النقابات المهنية» يتواجد هذه الفترة بتونس والد الشهيد محمد الدرة، وابو «علي مقبل» احد قادة الانتفاضة، وكاتب شعاراتها واهازيجها. جاء جمال الدرة وابو علي مقبل الى تونس، بدعوة من المركزية النقابية للعلاج ومواصلة فترة النقاهة والمراقبة الطبية لكن ما ان حضر الاثنان اول تظاهرة شعبية لمساندة فلسطين، حتى تكاثرت الدعوات من تونس العاصمة الى ولايات «محافظات» الوسط والجنوب والشمال والساحل. ابو علي مقبل، الذي اصيب عندما كان يقود مظاهرة «يوم الارض» في رام الله، يوم 30 مارس 2001 نجا بعون الله وحده من موت محقق حيث قال: اصبت برصاص قناص يعرف ماذا يفعل فقد كان مكلفا بأوامر سمعها بعض الصحفيين الذين كانوا يؤدون عملهم من وراء حاجز الجيش الاسرائيلي المقام بناقلات الجنود المجهزة بوسائل الاتصال، لقد سمع احد الصحفيين الضابط الصهيوني وهو يعطي القناص الاوامر فقال له اقتله، ذاك الذي يقترب من جذع النخلة، انه يلبس قميصا ازرق بنصف كم، وفعلا فقد كانت اصابة «ابو علي» خطيرة، حيث مست عظمة الحوض، في حين اخطأت رصاصة الوريد القاتلة لكنها اردت احد رفاق ابو علي شهيدا. اما جمال الدرة فكما يعرف الجميع، فإنه لايزال يعاني من اضرار بدنية جسيمة بفعل وابل الرصاص الذي انزله النازيون الجدد عليه وعلى ابنه الشهيد. ترددت في الاقتراب من عذابات هذا الرجل وجراحه التي لا يمكن ان تندمل، تلك الصور التي شهد عليها العالم بأسره، حين حاول ان يحمي ابنه الصغير لكن رصاص الاحتلال والهمجية كانت اقرب. لاحظ ترددي في السؤال عن الحادثة: حادثة اغتيال محمد الدرة الذي اصبح رمز الانتفاضة والشهداء في كل فلسطين كنت اخشى ان تفتح جراحه من جديد ولكن من قال انها جراح اندملت؟ لاحظ جمال الدرة الذي كان مرفقا بشقيقه «عم محمد» وكذلك «ابو علي مقبل» فكان ان بادر «ابو علي» وفي روح لا تخلو من مرح ومحاولة لتجاوز هذا الصمت الرهيب الذي رافق بداية الحديث، بأن بدأ الحديث عن اصابته، يقول «ابو علي مقبل» عن الشعارات وكيفية صياغتها انها تخرج بتلقائية وعلى الميدان في الغالب، لا افتعلها لكنها دائما تنم عن ارادة جماعية ومطلب جماعي، ابو علي يسند اهمية قصوى الى معاني ومرامي الشعارات والاهازيج فهي التي توحد بين كل افراد الشعب الفلسطيني وهي الابقى لانها بعيدة عن كل التكتيكات السياسية. بل ان قائد عديد المظاهرات في الانتفاضة ذاك الذين يطالعنا في التلفزيون وهو يمسك بمكبر الصوت يقول الشعارات ويرددها المنتفضون شدد بالقول على ان «سقفنا ـ على الميدان ـ اعلى من سقف السلطة. سقفنا هو الانتفاضة». وهنا ردد ابو علي ان المفاوضات ووقف اطلاق النار لا تقي سوى السياسيين. ابو علي مقبل الذي عايشناه في تونس يعمل بالدائرة السياسية لمنظمة التحرير قبل الدخول الى فلسطين لم يتغير لكن كل ما في الامر انه جسد احلامه وطموحاته في النضال على ميدان فلسطين على الارض المغتصبة، فكان يخرج مع الالاف يتحدون القنابل والرصاص وحتى طائرات الـ «اف 16» . ابو علي يرفض الحديث عن انتمائه الحزبي او السياسي مؤكدا ان فلسطين الحرة المستقلة وعاصمتها القدس هي حزبه الاوفى. بعيدا عن النظرة الاقصائية لاي طرف يحاول ابو علي ان يتحدث بايجابية عن جميع التيارات الوطنية الفلسطينية المساهمة في الانتفاضة ثم لا ينسى ابو علي التشديد على ان المرجعية هي الشعب والمرجعية هم الشهداء، والمرجعية هي ارض فلسطين السليبة، وان كل شيء دون هذا الثلاثي لا يعنيه كثيرا يقول ابو علي: ان ساحة فلسطين تتسع لكل المناضلين الفلسطينيين خاصة خلال هذا الظرف الذي تمر به فلسطين وهو الانتفاضة الثانية، واي انتفاضة انتفاضة التحرير، التي يقول عنها في احد الشعارات التي رفعت في المسيرات: هذه المرة اخر مرة يا محتل اطلع برة يا مستوطن اطلع برة هذه المرة اخر مرة تعود به الذاكرة الى بغداد في الخامس والعشرين من مارس الماضي كان ضمن الوفد الفلسطيني الى مؤتمر الشعب العربي، القى كلمة الانتفاضة وكرمته بغداد والمؤتمرون العرب، بتكليفه بالقاء البيان الختامي للمؤتمر، ونقل على الهواء مباشرة، غادرت بغداد بعد ذلك كما يقول ابو علي وعدت لاستئناف مسيرتي في الانتفاضة بعد خمسة ايام، فقط اي يوم 30 مارس واحياء الذكرى بيوم الارض، كنت على رأس احدى المسيرات و كانت اصابتي وهي محاولة اغتيال مقصودة، يؤكد ابو علي مضيفا ان رفاقه قالوا له «انت مشروع شهيد منذ عودتك من بغداد يا ابو علي» وفعلا العملية كانت مقصودة فقد سجل الصحافيون الذين كانوا يغطون المسيرة وراء خط العدو مكالمة بالعبرية بين القناص الصهيوني وقائده، حيث وجه له الامر التالي: «ذلك القصير ابو النظارات، لابس القميص الازرق،، انه باتجاه النخلة.. اقتلوه!». وكان احد الصحفيين الفلسطينيين قد قال له قبل انطلاق المسيرة: انتبه لنفسك يا ابو علي، فالقنص اليوم بالرصاص الحي، فيجيبه ابو علي «ربنا هو الحامي»، سرحت به الذاكرة قليلا ذلك اليوم لكنه يعود فيتحدث الينا قائلا يبدو انني لما تثبت من منظار القناص كهدف وجه ضربته لي، كان يعتقد اني استشهدت ولكني نهضت، فأعاد ضربي وهذه المرة استقرت الرصاصة في احد الرفاق وقد حاول حملي واسعافي.. القناص اعاد الضرب مرة اخرى، فكان ان استشهد احد رفاقنا وكان يحاول هو ايضا اسعافنا وقد انفجر رأسه بين ايدي الشبان الذين التفوا حولنا للاسعاف كما يحدث دائما في المسيرات. ابو علي اصيب اصابة بالغة في الحوض وما ان تماثل للشفاء نسبيا حتى عاد لاستئناف دوره، اسأله، وهو سؤال عادة ما يخطر ببالي، كلما رأيت الاشقاء يواجهون العدو بكل تحد، وهم يدركون جيدا انهم مشاريع شهداء وان رصاصة العدو تترصدهم في كل مكان فما بالك في مسيرة مكشوفة يواجهون فيها العدو بسلاح التحدي والعزم فقط، كيف استطعتم ان تقطعوا مع حاجز الخوف؟ فيجبيني قائلا: نحن اصحاب حق ونحن نواجه احتلالا، لقد جربنا معه كل السبل والمشاريع السياسية والدبلوماسية ولكنه لم يلتزم بأي قرار او تعهد او مشروع، لقد وقعنا عبر اتفاقات اوسلو، قرارات ليست في مصلحتنا وذلك حتى نثبت لهذا العدو رغبتنا في التوصل الى حل ولكنه ومنذ اوسلو ابرمت سبعة اتفاقات ولم يلتزم الاسرائيليون بأي منها، انهم لايريدون حلا، انهم يريدون ان نظل حراسا للمعبد الصهيوني! لقد رفضوا كل محاولات السلام، بل هم مستعدون للتفاوض مئة سنة اخرى قابلة للتجديد! لقد سقط حاجز الخوف فهذا الجندي الذي تواجهه ليس ابن تلك الارض لا علاقة له بها ولذلك تشعر بنفسك اقوى منه ومن كل الاسلحة التي يدججون بها، نحن ندافع عن ارضنا عن مقدساتنا عن تاريخنا ومستقبلنا وعن هويتنا الوطنية، فيما هم شذاذ آفاق لاعلاقة لهم بفلسطين، شارون مثلا بولوني الاصل! باختصار شديد يلخص ابو علي الامر كان يفترض ان استشهد منذ زمن بعيد جدا، ولذلك كل الوقت الذي اعيشه الان هو وقت اضافي وهدية من عند الله، ولذلك لا اخشاهم ابدا. يعيش في الوقت الاضافي، تلك هي ايضا حياة جمال الدرة والد الشهيد الرمز محمد الدرة والزمن توقف عنده في ذلك اليوم المشهود يوم 30 سبتمبر الماضي، اي يومين فقط بعد تدنيس السفاح شارون لباحة المسجد الاقصى، وانطلاقة الانتفاضة حيث اطلق عليه وابل من الرصاص خرج منه بإعاقة بدنية دائمة وبجرح نفسي يصعب شفاؤه وانتقل فيه محمد شهيدا يلاقي ربه، ورمزا قرب ساعة التحرير ووخزة في ضمير العالم. يبدأ ابو محمد الحديث عن ابنه «محمد لم يتجاوز الحادية عشرة من عمره، لقد كان محبوبا جدا من قبل الجميع، كان شغوفا بدراسته، وكان اقرب اخوته السبعة الى قلبي، لذلك اخذته معي الى سوق السيارات المستعملة في غزة، يصمت قليلا، مسترجعا شريط الذكريات: «معلمه قال لي يوم الجمعة، اي قبل استشهاده بيوم واحد هناك مواجهات في مفترق الشهداء فانتبه لمحمد!» وفعلا غادرنا المخيم في اليوم التالي زرنا بعض الاقارب في المخيم ثم توجهنا الى السوق، لم نجد غايتنا، فعدنا في سيارة اجرة، كانت المواجهات على اشدها في مفترق الشهداء، وسمي كذلك لكثرة سقوط الشهداء فيه، فهو مفترق الطرق الذي يؤدي الى مستوطنة نتساريم الصهيونية وبه ثكنة عسكرية اسرائيلية، سلكنا طريقا بعيداعن المواجهات وفوجئنا باطلاق كثيف للنار، لم نصب في البداية، فاختبأنا خلف حاجز اسمنتي، بعد ربع ساعة اصيب محمد في ساقه اليمنى فصرخ: بابا ليش بيطخوا علينا الكلاب.. لقد اصابوني» فقلت له لا تخف، فرد علي «انا لست خائفا».. يسترسل ابو محمد وكأنما يحدث نفسه نعم ابني لم يكن يعرف الخوف، لقد كان رجلا وهو في الثانية عشرة كل اصدقائه كانوا اكبر منه سنا، يعود الى تلك الحادثة، وهو لايزال يطرق برأسه، يتحدث الينا بمرارة تلك اللحظات، وبكل الغبن والقهر الذي شعر به في تلك اللحظة رفعت يدي اليمنى استنجد بالنازية الجدد ولكنهم لم يوقفوا اطلاق النار بل اطلقوا علي اول رصاصة اقتلعت عضلة يدي، ظللت استغيث وأنادي بالعربية وبالعبرية ان اوقفوا النار فاطلقوا عليّ رصاصة ثانية فجرت يدي، التي سقطت على يميني واذا بمحمد يقول: بابا لا تخف لا تخف بابا لا تخف، وسكت ابني بعدها ولم يتحدث ابدا حاولت حمايته بجسدي، فأصابوني في جنبي وحصل عندي تفتت في الحوض، استمر اطلاق النار لمدة 45 دقيقة من عدة رشاشات، محمد استشهد ادركت ذلك لما تمدد وبطل اي حراك، كان معي هاتفا جوالا، فاتصلت بالصحفي سامي زيارة وكان يعمل ضمن فريق التلفزيون الامريكي «سي ان ان» حتى يرسل لنا الاسعاف، المصور الذي التقط المشهد كان يصيح في ذلك الوقت «الولد مات» استمعت ايضا الى افراد من الامن الوطني الفلسطيني كانوا يصرخون الاسعاف لم يصل على الرغم من انهم ليسوا بعيدين، اعدت الاتصال بسامي، فإذا به يقول لي انهم قتلوا سائق سيارة الاسعاف التي كانت ستقله، انه الشهيد بسّام البلبيسي.. رجل من الامن الفلسطيني استشهد ايضاً وهو يحاول انقاذنا.. وامعاناً في التنكيل بنا اطلق الجنود الصهاينة قذيفة علينا ولكنها فجّرت البرميل والجدار الذي كنّا نحتمي به ولم نعبأ.. لم اكن اشعر بذلك لقد كنت اقرأ القرآن لابني وارثيه «حميتك يا بوي بعيوني وما حميتك..» لم يكن اي من الحاضرين اثناء اللقاء قادراً على حبس دموعه «الشهيد نائل الدرة، وكان يصطحب شقيقه جمال، انسحب من القاعة، ولم يتمكن من مقاومة تأثره.. «كنت اتمنى لو متّ انا بدلاً عنه». يتحدث ابو محمد هامساً، وكأنما كان بحاجة الى ان يذكر نفسه او يقنعنا مجدداً: «ابني محمد استشهد.. محمد استشهد.. قتلته النازية الجديدة». نصمت جميعاً احتراماً لهذه الذكرى المؤلمة، واحتراماً لحزن والده.. «ثوان تمر، ولكن ينبغي ان نتغلب على حزننا، وينبغي ان نفضح هذه النازية الجديدة، فأسأله كيف تشعر اليوم، بعد 9 اشهر من استشهاد محمد، هل ترى المشهد في التلفزيون؟ هل استطعت ان تتغلب على تلك الذكرى؟ كيف تقاوم ام محمد هذه الذكرى؟ كيف تغلبت على فقدان فلذة كبدها؟ كيف يعيش اخوته بدونه، اسئلة عديدة وكأنما كنت بها أحاول ان اغوص في السر الذي يستمد منه الفلسطينيون القوة للاستمرار في العطاء دون توقف، فيجيبني جمال الدرة قائلاً: «لست انا والد الشهيد الوحيد، لقد تعودنا على الشهادة، الشهيد حبيب الله، وهو يلاقي ربناً بفرحة لا تعادلها اي فرحة، عزائي الوحيد في فقدان ابني انه استشهد. اطفالنا يستشهدون يومياً، الم تقتل ايمان حجّو في حضن والدتها؟ اطفالنا يقتلون في المدارس مؤخراً قصفوا مدرسة للمكفوفين في رام الله، اين ضمير العالم؟ اين ضمير العالم؟اين ضمير العالم؟ اما ام الشهيد واشقاؤه، فيبكون كلما شاهدوا استشهاده في التلفزيون، اما ابني الصغير ولم يتجاوز عمره سنة ونصف، فإنه كلما رأى ذلك المشهد الا واخذ يتلعثم قائلاً «رصاصة.. رصاصة.. محمد». اعود لاقول لابد من ان نتعايش مع هذه التجربة المريرة، واذا لم نضح نحن فلن يدافع عنا احد. تونس ـ فاطمة عبدالله: