توقع رئيس الوزراء الأردني الأسبق طاهر المصري أن المنطقة ستشهد تحولات جذرية على الصعيد السياسي والميداني خصوصا بعد انتهاء الانتفاضة سواء بتحقيق أهدافها أو بنجاح الجهود الدولية لوقفها. وأوضح المصري في حوار مع «البيان» أن القناعة لدى العديد من السياسيين أن شارون يعمل الآن على تكسير امواج الانتفاضة في مقابل محاولة الفلسطينيين اسقاط شارون، وان كلاً منهما يعرف جيدا أنه إذا نجح الآخر في مسعاه فان تطورات خطيرة سوف تحدث على الأرض. وقال: من حيث نجاح الفلسطينيين فان التطور الخطير الذي سوف يحدث يتعلق بالحركة الصهوينية برمتها التي قد تأخذ منحى آخر، أما إذا نجح الإسرائيليون وقائدهم شارون في كسر الانتفاضة فان ما سوف يترجم على الأرض هو فكرة التهجير التي كانت تلوح في الأفق ولكنها الآن اكثر وضوحا. وتاليا نص الحوار: ـ أجمع المسئولون العرب على أن الانتفاضة استطاعت أن تدخل مفاهيم جديدة في السياسة العربية، إلا أن الفلسطينيين يرون في المقابل أن جميع القرارات العربية التي اتخذت حول الانتفاضة كانت للاستهلاك الجماهيري اكثر من كونها قرارات للتنفيذ. فكيف تنظر إلى هذا القول؟ ـ انتفاضة الأقصى قامت لتحرير الأرض الفلسطينية من الاحتلال، وكان هذا هدفها عندما اندلعت بعد أن عانى الفلسطينيون طويلا وعلى مدى عقود، واقد ادرك الفلسطينيون أن عليهم الاهتمام بشئونهم لعدة أسباب ولكن أحدها كان عدم وضوح الدعم والتأييد العربي الحقيقي للقضية الفلسطينية، بعد ملاحظة التشرذم والتعنت العربي الواضح فيما يتعلق بهذا الدعم، خصوصا خلال سنوات ما بعد حرب الخليج الثانية، ولاسباب إضافية مما أدى إلى أن قام الفلسطينيون بالاتفاق مع الإسرائيليين في أوسلو ودون مشاورة العرب. وبدأ منذ ذلك الوقت التعامل مع اسائيل مباشرة وبشكل ثنائي دون وساطات أحد، وفي الحقيقة لم يمانع العرب في ضميرهم المستتر هذا التوجه لأنهم كانوا يريدون رفع عبء المسئولية الكبيرة للقضية الفلسطينية الصعبة والمعقدة عن كاهلهم، وبالتالي وضعها في ذمة منظمة التحرير الفلسطينية، ومن اجل كل ذلك أعلن العرب مرارا وتكرارا أن ما يقبل به الفلسطينيون فسنقبل به. وكان غياب انعقاد القمم العربية لفترة طويلة هو الحيز الزمني الذي تحركت السلطة منفردة فيه ودون العودة إلى العرب، وهذا الوضع العربي ورفع المسئولية عن كاهلهم ظهر واضحا عندما قامت الانتفاضة الأقصى، ولولا ضغط الشارع العربي الهائل في كافة أرجاء الوطن العربي على الزعماء العرب لما انعقدت قمة القاهرة التي استطاعت أن تلبي بعض احتياجات ومتطلبات الانتفاضة المعنوية والسياسية، حيث أن مفهوم البيان الختامي لقمة القاهرة كان إنهاء لمحاولات الاندماج والتعاون الإقليمي الذي كانت تنادي به بعض الأطراف العربية مثل الأردن مصر وقطر والمغرب وغيرها، على أن المفصل الآخر في الموقف العربي كان قمة عمان التي أعلن عن البدء باعمالها بعد أن كانت الانتفاضة قد دخلت في تطور ميداني مختلف، بحيث أصبحت ثورة حقيقية ضد الاحتلال، لتحرير الأرض. وقد تزامن ذلك تقريبا مع انتخاب شارون رئيسا للوزراء الإسرائيلي والجميع يعلم ماذا يعني انتخاب شارون والخطر الذي يأتي معه للفلسطينيين بل وعلى جميع الدول العربية ومنها الأردن ومصر وسوريا ولبنان. وكما قمة القاهرة جاءت قمة عمان لتضيف دعما سياسيا متكررا للانتفاضة دون أن يكون هناك أي تلبية للدعم الحقيقي الذي يريده الشعب الفلسطيني، فقد كان الفلسطينيون في هذا الوقت ليسوا بحاجة إلى الدعم السياسي بقدر حاجتهم إلى الدعم المالي وبالسرعة الممكنة، إلا أن شيئا من هذا لم يحدث وبقيت قرارات القمة العربية المنعقدة في عمان كما هي في قمة القاهرة حبرا على ورق. ـ كيف تنظر إلى النشاط الدبلوماسي العربي المتعلق بانتفاضة الأقصى؟ ـ حتى الآن يقاتل الفلسطينيون بارواحهم واسنانهم وحجارتهم هذه الآلة العسكرية المتطورة والرهيبة التي عجزت على مقارعتها الجيوش العربية، وللأسف لم تتبرع أي من الدول العربية بإرسال رسالة واحدة سواء للولايات المتحدة الأمريكية أو للدول الغربية تكون واضحة وصريحة وتتعلق بضرورة كف واشنطن عن الانحياز بصور كاملة لإسرائيل. كان واضحا خلال الأشهر القليلة الماضية أن عواصم الدول الغربية لم تتسلم أي رسالة تفهم منها أن الكيل طفح جراء القتل والدمار الذي الحقته إسرائيل بالفلسطينيين، وان على هذه الدول أن تتحرك بصورة حقيقية من اجل كف يد إسرائيل عن الفلسطينيين وضرورة إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لاراضي الـ 67 حتى يسود الأمن والاستقرار في المنطقة. ودليلي على أن ايا من واشنطن أو عواصم الدول الغربية لم تتسلم مثل هذا التحذير من قادة الدول العربية هو أن الإدارة الأمريكية ما زالت مستمرة وبصورة فاضحة في مساعيها الضاغطة في مجلس الأمن، بل ومع الدول العربية لاستمرار وتقوية الحصار على الشعب العراقي الشقيق، وهي لا تزال بالاغراء تارة والضغط تارة أخرى تعمل على إقناع الدول العربية بهذا الحصار الجائر، ولم تأبه لقرارات القمة العربية أو لمشاعر الشعوب العربية المتعلقة برفع الحصار. ولو أن واشنطن تعلم أن هذا التحرك ضد العراق يزعج العرب أو الحكومات العربية لما استمرت فيه. ـ انتهى مؤخرا في عمان اجتماع لجنة المتابعة، فما هو الدور الذي تعتقد أن اللجنة تضطلع به؟ ـ الاجتماع الذي عقد في عمان مؤخرا ليس هو الاجتماع الأول للجنة المتابعة ولن يكون الأخير، واحب أن أشير في هذا الإطار إلى أنه إذا لم تستطع القمم العربية أن تنتج نوعا من التحرك العربي الفاعل والمؤثر في بالإمكان أن تفرز هذه الاجتماعات للجنة المتابعة ذلك. أنا لم اشهد أي تحرك دبلوماسي فاعل في هذا الإطار، فاللجنة لم يفرز عنها نتائج ملموسة وكنا نتمنى لو أنها على سبيل المثال استطاعت أن تخرج بلجنة مصغرة تتحرك دبلوماسيا باسم العرب جميعا في دول العالم المؤثرة شارحة وجهة النظر العربية في القضية الفلسطينية وحق الفلسطينيين في الدفاع عن حقوقهم وطرد المحتل الإسرائيلي وان الذي يحدث في الأراضي المحتلة ناتج عن الاحتلال نفسه وليس عن أي شيء آخر. كنا نتمنى أن تنبثق عن القمة مثل هذه اللجنة التي يتم اختيار دبلوماسييها بصورة دقيقة ومناسبة. وللأسف نلاحظ انه كلما اشتد الخطر الإسرائيلي على الأراضي العربية المحتلة كان الأوروبيون اكثر نشاطا وتحركا في محاولة لاحتواء الموقف وانقاذ الفلسطينيين . وهذا ما لم يكن تفعله لا لجنة المتابعة أو حتى الحكومات العربية. بل أن الأوروبيين كانوا اكثر وضوحا من العرب أنفسهم في الدعوة إلى ضرورة وقف آلة العنف الدائرة وانه لا يمكن أن تستمر الأوضاع على ما هي عليه الآن، دون تدخل أطراف دولية من اجل العمل على إنهاء الحالة المزرية التي وصلت إليها الأوضاع في فلسطين. أن المطلوب من الدول العربية أن تكون اكثر تحركا وديناميكية واقل خوفا من الحساسية الأمريكية واقل رغبة في مراعاة السياسة التي تديرها واشنطن. التقاعس العربي ـ برأيك، ما هي الأسباب التي تدفع الدول العربية إلى التقاعس عن لعب دورها المطلوب؟ ـ كما قلت قبل قليل الحساسية تجاه الولايات المتحدة الأمريكية والرغبة في مراعاة تلك الحساسية. ـ ما هو المطلوب عمله الآن اكثر من أي شيء آخر؟ ـ لا بد من اتخاذ موقف سياسي صريح وواضح في دعم النضال الفلسطيني، فالانتفاضة تهدف إلى تغيير ميزان القوة الذي يميل لصالح إسرائيل بشكل كبير، تمهيدا للجلوس إلى طاولة المفاوضات بين طرفين متكافئين أو متوازنين حتى يمكن القول بأن للمفاوضات هدفا عمليا وقابلا للتنفيذ وهو عودة الأرض والشعب حسب قرارات الشرعية الدولية وإنشاء الدولة المستقلة ذات السيادة المحددة والواضحة. في الوقت الحاضر، إن امكانيات ذلك الاختراق السياسي الذي اتحدث عنه غير موجودة بسبب وجود شارون على رأس الهرم السياسي الإسرائيلي. خصوصا وان خططه ومنطقه وخلفيته تؤكد لنا انه لا إمكانية في الوصول إلى حل سياسي مقبول مع هذا الشخص، وانه إذا أردنا التغيير فلا بد في البداية من تغيير الوضع السياسي في إسرائيل أولا حتى يمكن التعامل معها وإيجاد لغة مفهومة ومقبولة، ولو بالحدود الدنيا، أما الآن فهذا الأمر غير متوفر، ونحن نعلم في المقابل أن شارون نجح في ادارة حكومته بحيث انه اصبح مدعوما بصورة كبيرة من القوى السياسية هناك حتى ابتعدت حكومته عن كل ما يهدد سقوطها. وتأسيسا على ذلك فان المرشح أن يستمر نضال الفلسطينيين إلى فترة أخرى لا أحد حتى الآن يعرف مداها إلى أن تنجح الانتفاضة في تعديل المزاج العام في إسرائيل الذي لن ينجح أحد في تعديله إلا عبر النضال الفلسطيني، ومن هنا نقول فإن المطلوب عربيا الآن دعمهم السياسي والمالي الواضح والحاسم حتى يتم تحقيق ذلك، بالإضافة إلى الضغط على المجتمع الدولي للقيام بدور متوازن لصالح إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وعندها لن تستطيع الولايات المتحدة اتخاذ مواقف منفردة ومتعنتة ضد الحقوق الفلسطينية وفي نهاية المطاف سيحصل الشعب الفلسطيني على وضع بملامح مختلفة عنه الآن تحددها الشروط التي حددناها اعلاه. ـ اعتدنا تركيز بعض السياسيين العرب على ضرورة دفع الرسمي للتوجه نحو إقناع واشنطن والعواصم الأوروبية بعدالة المطالب الفلسطينية، كما دعوت أنت ايضا، رغم علم الجميع حجم التأثير الإسرائيلي على تلك العواصم؟ ـ من قال أننا عندما نطالب بذلك لا نعلم استحالة تخلي الولايات المتحدة عن إسرائيل، أن من يقول ذلك لا يعي في هذا العالم، إنما كل مطالبنا تتمحور في إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وهو أمر مقدور عليه من الناحية الواقعية والمنطقية خاصة بعد أن اعترفت المنظمة بإسرائيل بالإضافة إلى اعتراف إسرائيل بالمنظمة. لا بد أن يعي العرب قبل غيرهم أن إمكانية خلق كيان فلسطيني في أراضي الـ67 أمر في غاية الامكانية وهو ليس مستحيلا. على أننا نعترف في المقابل أن مثل هذه التطلعات العربية أمر غير قابل للتنفيذ ضمن سياسة شارون واهدافه التي تتخطى فلسطين نفسها، أما لدى شرائح إسرائيلية أخرى فانه أمر مقبول والخلاف بيننا وبينهم حول طبيعة هذا الكيان وحجم سيادته. وهذا الشريحة من الإسرائيليين تعمل على أن يكون لهم حصة من 22% مما تبقى من فلسطين الانتداب اعتمادا على المشروع الصهيوني في المنطقة، والفلسطينيون يرفضون ذلك ويصرون على انهم عندما قبلوا بإسرائيل قبلوها على أساس أن إسرائيل لإسرائيل وان الضفة والقطاع للفلسطينيين وهذا في الحقيقة ما نصت عليه قرارات الأمم المتحدة منذ زمن طويل. واكرر أن من يطالب أمريكيا بالتخلي عن إسرائيل لا يعيش في هذا العالم، وان أقصى ما نطالب به الإدارة الأمريكية هو الحقوق الفلسطينية التي نصت عليها قرارات الشرعية الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة. وقف النار ـ كيف تنظر إلى موافقة الفلسطينيين على وقف إطلاق النار؟ ـ كلا الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي يعمل الآن على كسب الرأي العام العالمي إلى صفه وكسب مواقف الدول المؤثرة مثل الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية وما يدور الآن من خلال التعامل مع المقترحات من المبادرة الأردنية المصرية إلى تقرير ميتشيل إلى ورقة تينت ما هي إلا مناورات سياسية من قبل كلا الطرفين في محاولة منهما إلى كسب الرأي العام العالمي إلى جانبه. في تقديري لا توجد ارضيات خصبة بل انه يمكن أن ينمو من خلالها شيء مثمر، بل انه لا توجد أرضية مناسبة للتفاوض الحقيقي من اجل الوصول إلى نتيجة مرضية خصوصا مع وجود شارون لذلك لا اظن أن هناك املاً بنجاح تلك الأفكار على ارض الواقع، وسيبقى كل طرف يلقي اللوم على الطرف الآخر. واكرر ما قلته في إجابة سابقة أنه ما لم تتغير موازين القوة بين الطرفين المتصارعين إسرائيل والفلسطينيين لتصبح على الأقل شبه متعادلة فلن يتم افراز أي حل كان. وان القناعة لدى العديد من السياسيين أن شارون يعمل الآن على تكسير امواج الانتفاضة وان الفلسطينيين في المقابل يعملون على اسقاط شارون وكل منهما يعرف جيدا أنه إذا نجح الآخر في مسعاه فان تطورات خطيرة سوف تحدث على الارض، فمن حيث نجاح الفلسطينيين فان التطور الخطير الذي سوف يحدث يتعلق بالحركة الصهيونية برمتها التي قد تأخذ منحى آخر، أما إذا نجح الإسرائيليون وقائدهم شارون في كسر الانتفاضة فان ما سوف يترجم على الأرض هو فكرة التهجير التي كانت تلوح في الأفق ولكنها الآن اكثر وضوحا. عمان ـ لقمان إسكندر: