تشكل عقوبة الإعدام محوراً مهماً في المعالجات التي يوليها وزير العدل اللبناني سمير الجسر اهتمامه، وان هذه القضية بدأت تتفاعل منذ امتناع رئيس الحكومة السابق سليم الحص التوقيع في عهده على مرسومين يتعلقان بالاعدام، التزاماً منه بموقفه الرافض لهذه العقوبة «لأنه ليس من حق أي انسان ان يسلب حياة انسان آخر» كما يقول وهذا ما حصل برأيه عندما وقع رئيس الحكومة رفيق الحريري مع الرئيس الأسبق للجمهورية الياس الهراوي عشرة مراسيم، أفضت الى اعدام 14 شخصاً بين عامي 1994 ـ 1998 لارتكابهم جرائم اغتصاب وقتل والقيام بأعمال ارهابية وما الى ذلك. وحده المحكوم جعفر يوسف الملاح (48 عاماً) استطاع ان ينجو من حبل المشنقة لأنه توفي داخل زنزانته «سجن رومية المركزي». أما الذين ينتظرون تنفيذ الحكم المبرم بإعدامهم فهم: ريمي انطوان زعتر (37 عاماً)، المجند السابق فادي احمد مرعش (22 عاماً)، أحمد رضا ياسين (70 عاماً)، ماهر عبدالحي الحسامي (35 عاماً)، يحيى رياض الريس (28 عاماً)، محمد محمود الحسين (سوري)، محمود الحسين، علي محمود القدور (23 عاماً)، وسام محمد بشير علي (22 عاماً)، وحسام سليمان العقاد (سوري الجنسية). الجدير ذكره ان آخر حكمين بالإعدام نفذا شنقاً في عهد الرئيس الهراوي في 19 مايو 1998 بحق بسام عيسى وحسن أبوجبل في جرم قتل شربل سقيم وشقيقته ماري بقصد السلب. لمن الإعدام ببلد العفو يبدو ان المطالبة بإلغاء عقوبة الاعدام قد دخلت مرحلة جدية، مع تبلور المرافعة القانونية، والتفاف عدد من الهيئات والأحزاب (58) حول ورقة عمل واحدة والمباشرة بتحرك في اتجاهات عدة، نحو السلطتين التشريعية والتنفيذية، ونحو المجتمع المدني.. وفي اتجاه غير منظمة انسانية عالمية وعربية. وعلى الرغم من ارتفاع اصوات المطالبين بإلغاء عقوبة الاعدام منذ سنوات حكم الرئيس السابق الياس الهراوي وتحديداً منذ أواخر العام 1997 الا ان رفض رئيس الحكومة السابق سليم الحص التوقيع على مراسيم تنفيذ الاعدام في مارس العام 2000، منح «المناضلين» من أجل إلغاء عقوبة الاعدام دفعاً وجرعات من الحماسة، بحسب الناشطين ضد عقوبة الاعدام، المحاميان ندى الأدهمي ونعمة جمعة، خصوصاً أنه أرفق رفضه التوقيع بمطالعة انسانية تشكك بجدوى عقوبة الاعدام ومنافعها وبشريعة الحاكم في التوقيع على تنفيذ العقوبة: «ليس من حق الانسان أن ينتزع حياة انسان. فالله وحده يهدم حياة والله يستردها، انني لا استبيح ذبح حيوان فكيف بقتل انسان؟ وأنا بالتوقيع على مرسوم بالإعدام اشعر وكأني في مقام الجلاد، أو ذبح الخراف، وأرى أن أحكام الإعدام في لبنان تطلق انتقائياً وتنفذ انتقائياً: ومن يقول ان عقوبة الاعدام رادعة للجريمة نرد عليه بالملاحظتين: اولا ان احكام الاعدام نفذت في لبنان في السنوات الماضية ولم يردع تنفيذها أولئك الذين صدرت في حقهم احكام اعدام فيما بعد. وهم اليوم ينتظرون تنفيذها. وثانياً ان احكام السجن المؤبد يجب ان تكون رادعة ايضا. ثم عن تجارب المجتمعات التي ألغت عقوبة الاعدام لا تدل على ان هذه العقوبة ضرورة لردع الجريمة. ولابد من الاشارة الى ان اكثر من مئة دولة في العالم تحرم اليوم حكم الاعدام. والرأي في بقية الدول يتجه نحو إلغاء حكم الاعدام في قوانينينها». وكما الهيئات المدنية اللبنانية ارتاحت من موقف رئيس الحكومة آنذاك كذلك منظمة العفو الدولية التي نوهت في بيان أصدرته بـ «الموقف الصريح.. وأيدته». فاستأنفت الهيئات التي كانت قد بدأت تحركها قبل أعوام، اجتماعاتها وواصلت عقد لقاءاتها الدورية لمتابعة الوضع معلنة «حالة طوارى»، والهيئات هي: الجمعية اللبنانية لحقوق الانسان، جمعية حقوق الناس وجمعية الدفاع عن الحقوق والحريات. مأزق وجداني .. ومخالفة «لا يكتفي التحرك بالدعوة الى انتصار الضمير الانساني، او الانتصار له وحسب» تقول المحامية ندى الأدهمي (لجنة الحريات في نقابة المحامين)، وتضيف: الاعدام ليس هدفا في ذاته، ولا هو تكريس للثأر وتنظيمه ومنح الدولة الحق الحصري في تنفيذه، فالهدف (يجب أن يكون) تحقيق العدالة في المجتمع. وهذا الهدف هو ما يدفع ببعض المحامين الى تأييد عقوبة الاعدام، ويدفع البعض الآخر الى المطالبة بإلغائها. فلا إجماع داخل نقابة المحامين على خيار من هذين، ما يترجم هدنة تجاه القانون الحالي. الى هذا يضيف المحامي نعمة جمعة (الجمعية اللبنانية لحقوق الانسان): علينا ألا نؤخذ بالكلام العام. وإذا كان لطلب إلغاء عقوبة الاعدام اسباب موجبة انسانياً وحقوقياً واجتماعياً، فإن ذلك لا يحجب عن التدرج في سعينا وطلبنا. من هنا حددنا أولوياتنا الراهنة: إلغاء القانون رقم 302/94 الذي يجرد القاضي من صلاحياته بمنح الأسباب التخفيفية وإعادة النظر في احكام الاعدام الصادرة في ظله.. ويبقى طلب إلغاء عقوبة الاعدام هدفاً استراتيجياً. وأعود أكرر ما جاء في بيان صادر عن هيئات المجتمع المدني (18/12/2000): لا يعقل ان يقترف المجتمع جريمة القتل بواسطة الاعدام بينما يحرمها على مواطنيه انطلاقاً من كون الحق بالحياة قاعدة لايجوز المساس بها.. ولبنان الملتزم في دستوره تطبيق الشرعية الدولية لحقوق الانسان، لا يمكنه التنكر لما التزم به، وهو أحد واضعي الشرعة، ولايمكنه الا ان يلتزم ما أوصت به لجنة حقوق الانسان في الأمم المتحدة التي دعته في 3/4/1997 الى ما يأتي: تعرب اللجنة عن قلقها في شأن زيادة الحكومة اللبنانية عدد الجرائم التي يعاقب مرتكبوها بالإعدام، وحثت الحكومة اللبنانية على مراجعة سياستها ازاء عقوبة الاعدام، بهدف الحد منها أولاً ثم إلغائها في نهاية المطاف». اذن يسعى الناشطون لإلغاء عقوبة الاعدام، في الوقت الحالي، الى «اخراج القضاء من المأزق الوجداني العميق الذي تسبب به القانون 302، والذي يخالف تطبيقه قناعات غالبية القضاة ويحد من ممارستهم الدور في تحقيق العدالة وإرساء مفاهيم سيادة القانون» بحسب غير ناشط في التحرك. فالقانون اياه لا يزيد من عدد الجرائم التي يعاقب مرتكبوها بالإعدام وحسب، بل يحرم القضاة من بعض الصلاحيات القانونية، ويجعل اصدار عقوبة الاعدام نتيجة إلزامية، في أحيان كثيرة لمقدمات ربما لا تنتج عقوبة الاعدام، فيكون القانون، بحسب المحامي جمعة «قد عطل وظيفة القضاء وشكل تدخلاً فادحاً بالسلطة القضائية قضى معه على مبدأ الوقائع يصبح القاضي ملزما اصدار حكم الاعدام بغض النظر عن اسباب الجريمة فيتحول القاضي الى مجرد آلة تلفظ الاحكام متى ما قامت المفارز القضائية والادارية بمهمتها. فيكون، تالياً، القانون المذكور غير دستوري. كما هي، وفقاً للمحامية في الخنساء، حال المحكوم فادي مرعش المتهم بجريمة قتل عائشة (عيشة) اذ اكدت الدلائل تخلفه العقلي، بحسب تقارير ضمت الى ملف قضيته واطلع عليها القضاة المعنيون، غير ان حكما بالاعدام قد صدر بحقه ووقع على مرسومه رئيس الجمهورية ونائب رئيس الحكومة السابق ميشال المر بعدما رفض الرئيس الحص التوقيع. فما كان من موكلة مرعش المحامية في الخنساء الا ان اعتبرت ذلك مخالفة دستورية انطلقت منها في مراجعة ابطال المرسوم الجمهوري القاضي بتنفيذ عقوبة الاعدام ووقف تنفيذ المرسوم التي تقدمت بها الى مجلس شورى الدولة. جهود وللخروج من «الأزمة» اذا ما جاز القول، واستجابة مع تحرك الهيئات المدنية جمدت لجنة الادارة والعدل النيابية احكام الاعدام في انتظار تعديل القانون، وأعلن ذلك رئيس اللجنة النائب مخايل الضاهر، الذي قال: «كان القانون رقم 302 قد جمد المواد 198 و547 و548 حتى أن القاتل قصداً يحاكم بالإعدام. وكان يمنع الاسباب المخففة، وهذا القانون يواجه صعوبات لتطبيقه، والذين يعملون في هذا المضمار يعرفون ان هذا القانون لا يحقق الغرض من العلم الجنائي وهو ضد العلم الجنائى. اذ لا يجوز ان يعاقب شخص ارتكب جريمته ابن ساعته مثل شخص ارتكب جريمة بعد ان يكون خطط لها. في اي حال، هناك رأي عام وقبول لإلغاء القانون الصادر في العام 1994. وقال وزير العدل انها ايضا في صدد التحضير لمشروع قانون في التوجه نفسه، وبحثنا في بعض البنود التفصيلية. إذ كان بالإمكان التدخل بالنسبة الى الذين صدرت في حقهم احكام بالإعدام استناداً الى القانون رقم 302 ولا يبقى الا تنفيذها. وقال وزير العدل انه يفضل ارجاء البحث في هذه المواضيع حتى يأتي المشروع من الحكومة. إلا أن الرأي الأساسي الآن هو إلغاء القانون رقم 302 الذي صدر بموجبه بعض احكام الاعدام وهو يسبب ارباكاً في المحاكم الجنائية».أ ما في خصوص مصير الأحكام الصادرة بالإعدام والتي تنتظر التنفيذ فأكد الضاهر انها ستجمد و«نحن في صدد تعديل هذا القانون. واعتقد ان لجنة العفو ووزير العدل ورئيس الجمهورية سيأخذون في الاعتبار ان القانون الجديد سيكون ارحم. لذا، هناك إمكان لإعادة النظر وسيتوقفون كثيراً عند موضوع تنفيذ الاحكام التي صدرت بموجب القانون». يغض الناشطون من أجل إلغاء عقوبة الإعدام الطرف عن الاجراء «اللادستوري» الذي بادرت إليه لجنة الادارة والعدل بتجميدها احكام الإعدام في انتظار تعديل القانون. وما يعني ان ثمة ضرورة للإسراع في عملية التعديل وحل قضية المحكومين بالاعدام من دون الطعن باستقلالية القضاء واحترامه.