تابعت خلال الأسابيع الماضية ـ باستمتاع بالغ ـ اللقاء الذي يقدمه تلفزيون الجزيرة مساء كل اثنين في برنامج «شاهد على العصر». واكتشفت ان برنامج «أبولمعة» الذي كانت تقدمه إذاعة القاهرة لا يقتصر تطبيقه على المجال الأدبي والفني لما يتميز به من خيال واسع وانما يمكن تطبيقه على المجال السياسي أيضاً. وقد أكد البرنامج من ناحية أخرى ان الشجاعة ليست شكلاً واحداً يقتصر على من يقدمون أموالهم وأنفسهم في سبيل الله وفي سبيل القضية التي يؤمنون بها. ولا هي مقصورة أيضاً على من يقولون كلمة الحق ولو على أنفسهم أو يقولونها أمام سلطان جائر وانما للشجاعة شكل مختلف وهو أن يقول الإنسان بكل شجاعة وراحة ضمير كلاماً غير صحيح وهو يعرف أنه غير صحيح، وأغلب المستمعين المعنيين يعلمون انه غير صحيح. أما الصحيح فهو أن الدكتور عبدالرحمن البيضاني كان شجاعاً في شهادته على العصر. والحق ان قصته مع الإمام أحمد «وشنطة حمزة» ومع البدو والأركان الخمسة كانت قصة مسلية جداً. أما شهادته عن دوره في حركة سبتمبر فقضية تخص المشاركين في الحدث.. لكن الذي لا شك فيه ان البيضاني قد لعب دوراً متميزاً في صناعة هذا الحدث رغم مشاركته المتأخرة جداً في حركة المعارضة ويعود الفضل في دوره الى العلاقة التي أقامها مع الأجهزة الأمنية وبعض القيادات السياسية في مصر. الأمر المهم فيما طرحه البيضاني في الماضي وما لم ينكره في شهادته هو تبنيه للدعوة العنصرية والدعوة الطائفية واستنفاره للعصبيات الممقوتة. اليوم والعالم يتطلع الى مؤتمر مناهضة العنصرية الذي يعقد في جنوب أفريقيا، ويتابع باهتمام المحاكمات الدولية لمن ارتكبوا جرائم عنصرية وطائفية يكون من المهم أن نتبين النزعة العنصرية والطائفية لدى من استخدموا هذه الهويات المتخلفة وأصدروا أحكاما شمولية على عنصر بعينه أو طائفة بعينها بحجة انهم يدافعون عن حقوق عنصر معين أو طائفة معينة. لا شك أن الدعوة الى المساواة في المواطنة وفي الحقوق والواجبات، وتحقيق العدل بين الناس دعوة لا غبار عليها وهي مرتكز الدعوات السماوية كلها. ولكنها تختلف عن الدعوات التحريضية التي تحض على الكراهية لعنصر بعينه أو لطائفة بعينها، أو لأبناء منطقة معينة لا لشيء إلا لأن حكاماً من هذا العنصر أو تلك المنطقة أو الطائفة قد مارسوا أو يمارسون الحكم خارج اطار العدل والمساواة. والذي قد لا ينجو منه أبناء نفس السلالة أو الطائفة أو المنطقة. الدكتور البيضاني منذ ظهوره على المسرح السياسي ارتكز ـ وكما يعترف هو ـ على الدعوة العنصرية كما سجلها في «صوت العرب» ومجلة «روز اليوسف»، وبعد اخراجه من صنعاء الجمهورية ارتكز على الدعوة الطائفية كما سجلها في مقالاته المنشورة في مجلة «الوحدة» وصحف أخرى والتي جمعها في كتيب تحت عنوان «شوافع اليمن شركاء أو توابع» ولم تنقص البيضاني الشجاعة في الاعتراف بذلك عند شهادته على العصر لكنه لم يتطرق الى ذكر تلك الدماء التي سفكت ظلما بسبب إثارته للهويات المتخلفة، وبسبب استخدامها في الصراع السياسي على السلطة. الشيء الذي قد يجهله المستمع غير المتابع لما يجري في الساحة اليمنية هو ان الصراعات التي شهدها اليمن في تاريخه الحديث والقديم لم تكن بأي حال من الأحوال صراعات عنصرية أو طائفية. فالساحة اليمنية من الناحية الإثنية ساحة مختلطة الأعراق كنتيجة لحركة القبائل العدنانية والقحطانية داخل الجزيرة وحركة الأفارقة الى الشواطيء اليمنية الى جانب أثر الحكم الحبشي والفارسي والأيوبي والتركي في اليمن. كما لم يكن الصراع مذهبياً أو تعصباً لاجتهاد معين فلقد عاشت المذاهب في اليمن ولفترات طويلة في وئام وتسامح ولا تثار الصراعات تحت شعارها إلا حين تبرز مطامح سياسية لأي طرف من الأطراف فيعمل على خلق عصبية مذهبية لكي تدعمه في صراعه السياسي. كان الأمر كذلك في الماضي عند الصراع بين الأئمة وجماعة المطرفية وهما من نفس المذهب وعند صراع الإمامة الزيدية مع المكارمة الاسماعيليين، والمذهبان ينتميان الى الجناح الشيعي.. ويصدق الأمر نفسه في الحالة العنصرية حين يكون التنافس على السلطة بين هاشمي وقحطاني.. أو بين حاكم زيدي ومعارضين من الشوافع.. ورحم الله الزعيم أحمد محمد نعمان فقد روي عنه أنه قال للرئيس السلال العنصرية والطائفية ليست إلا في رأسي ورأسك أما الشعب فهو بعيد عنها وقد قالها النعمان في معرض رده على السلال الذي كلفه النعمان بتشكيل الوزارة وقال له يا أستاذ شكلوا الوزارة لكن بعيداً عن الطائفية. استخدام الهويات المتخلفة لا يزال احدى السمات البارزة في اليمن المعاصر فالزيدية والشافعية وأضيف إليهما الوهابية شعار يبرز عند كل صراع سياسي بين القوى الحاكمة والقوى المتطلعة الى الحكم. ويبرز الصراع العنصري كلما تصورت فئة أو حتى أشخاص أن في إثارة الصراع العنصري حماية لمصالحها ومكاسبها التي تحققها باستبعاد هذا العنصر أو ذاك. وفي تصوري ان الأمر سيظل كذلك حتى تنشأ أحزاب وطنية غير محكومة في ثقافتها وتكوينها باجتهاد مذهبي، أو تميز سلالي، أو شوفينية مناطقية، أو عصبية حزبية ضيقة. أحزاب نموذجية العضو فيها رفيق فكر متسام، وشريك برنامج وطني يرى الوطن فوق الحزب ولا يهتم العضو فيها من أي سلالة جاء رفيقه، ولا إلى أي مذهب ديني ينتمي ولا في أي منطقة ولد. هذا الحزب النموذج ـ للأسف لم يوجد بعد ـ ولكن إرهاصات وجوده تلوح في الأفق بفضل وعي نخبة أدركت خطورة استخدام الهويات المتخلفة على وحدة الوطن، وأمن المواطن، وسيادة الدولة واستقرار المجتمع ونموه وتطوره.. نخبة لا تعمم الخطأ ولا تأخذ الا من وجدت متاعها عنده ملتزمة بقول الله تعالى «ولا تزروا وازرة وزر أخرى». وإلى أن يصبح الحزب النموذج واقعاً مؤثراً في مجتمعه سيظل هناك ظلم قائم، وعرض مستباح، وحق منتهك، وعدل ضائع. وسيظل دعاة العنصرية والطائفية والمناطقية والحزبية الضيقة شهداء على العصر. والله على ما يفعلون شهيد. بقلم :د. محمد عبدالملك المتوكل