تميزت الثقافة السياسية للنخب السورية على مدى نصف قرن ونيّف على الأقل، بأنها ثقافة انقلابية، تشكل المنظمة الطلائعية السرية، أداتها الأساسية للوصول الى السلطة. ولقد كانت سائر تلك المنظمات على مختلف ألوانها الأيديولوجية منظمات شعبوية، معادية للنمو الرأسمالي الخاص ولاقتصاد السوق، وتحتقر المفهوم الليبرالي للديمقراطية باسم ديمقراطية شعبية تقودها الطليعة أو النخبة. وكانت بهذه الصفات منظمات ايديولوجية أو بكلمة أدق عقائدية، تختلف في الفروع وليس في الأصول، وتعتمد على قواعد اجتماعية واحدة، تشكل الفئات الوسطى عمادها. ولقد كانت هذه المنظمات مهيمنة في الستينيات وحتى أواخر السبعينيات بكل ما في الكلمة من معنى، مما عبر بشكل حاسم عن هشاشة الثقافة الليبرالية وقحطها المدقع في وعي النخب السورية التي بات الليبرالي فيها معزولاً في زوايا ميتة. إلا أنه بدأ في أواسط السبعينيات أول تحول من نوعه في هذا الوعي، من الثقافة الانقلابية الى الثقافة الديمقراطية، التي حاولت ان تستوعب البعد السياسي لليبرالية لكن من دون ان تكون ليبرالية ايديولوجياً. وقد تصدر هذا التحول منذ اواخر عام 1978 حزب راديكالي انشق عن الحزب الشيوعي السوري (خالد بكداش) خلال اعوام 1969 ـ 1973، وعرف لاحقاً باسم المكتب السياسي الذي لما يزل رياض الترك أميناً أولاً أو عاماً له حتى الآن. كان هذا الحزب الانتلجنسوي الراديكالي قد تشكل اساسا على قاعدة معارضة بكداش، إلا ان نواته الديناميكية القائدة التي كان رياض الترك والدكتور فايز الفواز من أبرز رموزها، مزجت معارضتها لبكداش بتحدي الايديولوجيا السوفييتية والاقتراب من اليسارية الجديدة ومن الماركسيات غير المستفيدة ومن أفكار الياس مرقص وياسين الحافظ، اللذين لم تكن تتورع الدعاية البكداشية عن اتهامهما بالعمالة للمخابرات الامريكية. وكان على الحزب الفتي الذي اصبح منذ اوائل عام 1976 في موقع المعارضة الراديكالية، ان يصوغ برنامجا سياسيا جديدا اقره في المؤتمر الخامس (أواخر عام 1978). وما يهمنا في هذا البرنامج انه قدم نفسه كبرنامج ديمقراطي يقطع من المنظورات الشعبوية والسوفييتية للديمقراطية، ويستوعب الى حد كبير المستوى السياسي الديمقراطي لليبرالية في اطار ماركسيته النقدية الجديدة. كان هذا التحول كما وصفه لي فايز الفواز الذي تولى بلورته نظرياً، تحولاً صادقاً وكاذباً في آن واحد. ويتجلى الجانب الصادق في انه كان بلورة برنامجية للحراك النظري النقدي والحيوي في الحزب المتمرد على المدرسة البكداشية التقليدية وعلى السوفييت والسلطة في آن واحد، في حين يتجلى جانبه الكاذب على حد تعبير الفواز في الفجوات ما بين البنية البرنامجية الديمقراطية الجديدة وبين البنية التنظيمية والبنية السياسية الموروثتين عن الحزب القديم. لقد اطلق رياض الترك وفايز الفواز «العفريت» من قمقمه، والذي اثار جدلاً حاداً في الحزب وخارجه، فلابد من التأكيد ان هذا البرنامج كان صاعقاً في الوعي السياسي السوري الذي كان محكوماً حتى ذلك الوقت بالمنظورات الطبقوية والشعبوية للديمقراطية. وإبان ازمة الثمانينيات ما بين الاخوان والسلطة كان الجدل محتدماً داخل الحزب حول استيعاب هذه الجرعة، والتي ترجمها الحزب من خلال فعاليته وعبر التجمع الوطني الديمقراطي في مارس 1980 في شكل برنامج ديمقراطي. إلا ان هذا الجدل انقطع على خلفية الحملة الشاملة التي تعرض لها الحزب بسبب اتهام السلطة له بـ «التحالف» مع الاخوان المسلمين. وخلال المحنة اضطر من تبقى من الحزب الى النزول تحت الأرض، والعمل مثل سائر اطراف «التجمع» المعارضة بشكل سري عبر اسلوب الركائز التي تمكنت من تشكيل قيادة حزبية بديلة أمنت استمرار الحزب، وقد أدى ذلك لدى مجمل الكوادر الى عبادة السرية والخوف من العلنية باعتبار كلفتها الباهظة. والجديد اليوم ان اللجنة المركزية قد اخذت تتأهب لعقد المؤتمر السادس للحزب بعد انقضاء اكثر من اثنين وعشرين عاما في انعقاد مؤتمره الخامس في اواخر عام 1978، ويفترض بهذا المؤتمر ان ينعقد خلال عام في مدة اقصاها مارس أو مايو المقبلين، وأن يقر برنامجا سياسيا جديدا للحزب، استنادا الى مناقشات المؤتمر التداولي الذي انعقد على اساس انتخابي في أوائل مارس الماضي، والذي اعتبر بمثابة «اعادة نفض البيت» وما يهمنا هنا من هذه الورقة ونقاشاتها التي سنقدم لها عرضاً تحليلياً قادماً مفصلاً، انها ستسمح مبدئياً بوضع برنامج حد أدنى للحزب الى حين انعقاد مؤتمره العام، يأخذ بعين الاعتبار الآراء المتواترة داخل المؤتمر على ضرورة التحول الى العلنية، انطلاقاً من أن الصلة متناقضة «ما بين حزب سري وبرنامج علني» حسب احدى المداخلات. لقد جرّب الحزب خلال العام الماضي اسلوب العمل نصف السري ـ نصف العلني، ولمس في تقديرنا مزاياه في إعادة إبراز الحزب، إلا أن الطريق الى العلنية قد يكون في ضوء الآراء التي تعارض ذلك بشدة لأسباب أمنية بطيئاً وربما طويلاً إذا كان الحزب سينتظر الإطار الذي يسمح بذلك، في حين أن مناخ الانفراج الحقيقي في سوريا، كمناخ وليس كمؤسسات، يساعد اليوم على الخروج من العزلة والتوجه نحو العلنية، وإذا تأخر الحزب أكثر من اللزوم في ذلك فإن هذا يعني انه يحكم على نفسه بالبقاء في حدود منظمة الكادر السرية والمغلقة، التي تناقض طبيعتها حكماً مع طرح برنامج العلنية والتغيير الديمقراطي التدرجي. بقلم: محمد جمال باروت