اعد الباحث نبال الخماش رئيس قسم المطبوعات والنشر في دائرة المطبوعات الاردنية مؤخرا دراسة بعنوان «المشروع الصهيوني» بدأت بملاحظة وجود جيل جديد من المفكرين والاكاديميين اليهود والاسرائيليين، اخذوا على عاتقهم مؤخرا عملية البحث من جديد عن ماضي دولة اسرائيل والدعاية الفكرية التي رافقت نشأتها منذ بدايات تشكيلها الى الآن، وتعبيرا عن استخلاصات هذه العملية بدأت اصوات نخبوية فكرية من داخل اسرائيل تعلو مطالبة اجراء مراجعات نقدية تاريخية للفكرة الصهيونية وتجاوزاتها التاريخية، وما تعكسه تطبيقات هذه الفكرة على ذات الدولة من تعقيدات واضطرابات من جهة، وعلى صراعها التاريخي مع العرب وتعثر التسوية السلمية الحالية والتي من ضمن ملفاتها العالقة مشكلة اللاجئين الفلسطينيين من جهة اخرى. ويسجل الباحث في دراسته أن عددا كبيرا من المفكرين اليهود والاسرائيليين أكدوا لأنفسهم بأن الحديث عن مجريات السياسة داخل دولتهم والمواقف التي تتبناها حكوماتهم المتعاقبة في مختلف المراحل والظروف، يظهر بشكل واضح ان السياسة الاسرائيلية بعمومياتها تسير إلى خطوط ثابتة ومحددة، وهي سياسة لا تتأثر كثيرا بتغير الحكومات وتبدلاتها، وان الخلافات بين رؤساء الحكومات وقادة الاحزاب هي خلافات مقنعة ومؤطرة بأطر تاريخية وفكرية واضحة، بحيث تحتكم في نهاية المطاف الى مرجعية تاريخية واضحة وثابتة بأدبيات فكر المشروع الصهيوني، لتصبح هذه المادة التاريخية مع توالي الايام والتجارب اشبه بدليل عملي تلجأ اليه الحكومات المتعاقبة لغايات استنطاقه ومحاولة البحث بين سطوره عن اجابات وحلول لمستجدات الاحداث وتطوراتها داخلية كانت ام خارجية. من الناحية النظرية ما فتئت اسرائيل منذ اعلانها كدولة تردد مقولة انها راغبة بالسلام، وان رغبتها في تحقيق السلام رغبة حقيقية وصادقة، وان صانعي السياسة ومتخذي القرار فيها على اختلاف تياراتهم واتجاهاتهم السياسية متفقون على بلوغ هذه المرحلة وتطبيقها على ارض الواقع. صيغة استهلاكية وفي هذا الصدد تؤكد الدراسة أن النتائج المترتبة على مفهوم السلام لدى ساسة اسرائيل، صيغة استهلاكية تختلف عن المنظور الاسرائيلي للسلام: مفهومه، غاياته، وسائله. والسلام في وجهة نظر الصهيوني لا يلبث ان يتم تشكيله وتأطيره ضمن منظور خاص به دون غيره، هذا المنظور الذي هو في الواقع السبب الحقيقي وراء التباطؤ الذي تشهده العملية السلمية وتعثرها، فالقضايا المطروحة على طاولة البحث والنقاش، على اهميتها ليست هي التي تمثل في العقلية التي تدير من خلالها الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة هذه المفاوضات، هذه العقلية تحتكم في نهاية المطاف الى مجموعة من الاطر الفكرية والسياسية. وفي تفصيله في تقسيمات هذه الاطر الفكرية يشير الخماش إلى أن من أبرزها: فرضية القوة والتفوق التي تعد الركيزة الاساسية للمنظومة الفكرية الاسرائيلية ـ الصهيونية. وتشرح الدراسة هذه القاعدة الصهيونية بالقول أنها تستند لمفهوم «ارادة القوة»، فمنذ تأسيس الحركة الصهيونية في اواخر القرن التاسع عشر، وظف المنظرون الصهاينة اطروحات مفكرين وفلاسفة من امثال: نيتشه وترتشك وغيرهما لمصلحة حركتهم، فكان الناتج نمطا من التفكير يعلي فقط من شأن القوة على أي اعتبار آخر، وهذا هو المدلول المحوري في كل المنظومة الصهيونية، والان فقد توسعت دائرة هذا الفهم لدى الساسة الاسرائيليين لتأخذ شكلا جديدا من اشكال الصراع، ففي الامس كانت هذه الركيزة يعبر عنها من خلال الحروب والممارسات العسكرية، اما الان فيتم توظيفها واستغلالها من خلال فرض سلام يقوم على افناء الاخر او اخضاعه وفرض الهيمنة عليه. ويمضي الباحث في قوله انه ومنذ بدايات عملية السلام ولغاية الان هناك محاولات اسرائيلية تهدف الى استبدال المرجعية القانونية للصراع العربي ـ الاسرائيلي ممثلة بقرارات الشرعية الدولية وبمرجعية مغايرة تماما للسند القانوني والاخلاقي، مرجعية تستند للقوة والتفوق، لذا فالجانب الاسرائيلي يسعى الى الحصول على صفقات سلمية يفرضها فرضا على الطرف المقابل، ويتصرف من منطلقات ان تظل دولته منتصرة ومتفوقة في زمان السلام كما كانت متفوقة ومنتصرة في زمان المواجهة، ومن ثم تكريس هذه الفكرة في اتفاقات السلام، وهذا ملخص الشعار الذي طرحه بنيامين نتنياهو في كتابه «مكان تحت الشمس» فقد اعتبر انه لا بد من وضع اسس جديدة للمفاوضات تستند الى مبدأ «السلام مقابل السلام» بدلا من مبدأ «الارض مقابل السلام» ودعا ان يتولى الجيش الاسرائيلي مباشرة حماية الاسرائيليين في أي مكان دون قيود، وطالب السلطة الفلسطينية بتوفير امن اسرائيل، اما الجولان فهي غير قابلة للتفاوض في هذه المرحلة لأنها تشكل العمق الاستراتيجي لاسرائيل، والسلام الذي يمكن تحقيقه في الشرق الاوسط عموما هو السلام المبني على الامن، فكلما بدت اسرائيل قوية ابدى العرب موافقتهم على ابرام سلام معها. وقد علق جاك اتالي احد المفكرين اليهود الفرنسيين على هذه السياسة بشكل ناقد من خلال مقال نشره في جريدة الاكسبرس بتاريخ 12/10/2000، تحت عنوان لخص فيه المأزق الاسرائيلي الحالي والذي جاء كما يلي: «سواء في الحرب او السلم اضحى الحلم الصهيوني محكوما بالزوال» ومما جاء في مقاله مخاطبا قادة وشعب اسرائيل: «إن الرضى الكامل امر مستحيل ومعناه أكل الكعكة كلها، وهنا يتعثر هضمها والامن الكامل او المطلق معناه عدم أمن الآخرين والعرب قد قبلوا بوجودكم كأحد اعضاء الاقليم وليس ككبيرهم... اصبحت الخريطة الجديدة امامكم وعليكم اعادة قراءتها جيدا ولا تجعلوا غرور القوة يعمي بصائركم ويضع الغمامة على عيونكم وتذكروا دائما ان كررتم المحاولات للعدوان شرقا، شمالا او جنوبا، فإن اقدامكم ستغوض في بحر الكراهية وتذكروا ايضا ان وقعة واحدة يمكن ان تلقيكم في البحر فأنتم تحاربون وظهوركم لا تستند الى حائط». المنطق الأمني وتصل دراسة الباحث إلى أن المنطق الامني الذي يستند عليه مفكرو اسرائيل وساستها الاصليون أقرب ما يكون الى العنصرية والتمييز منه الى أي شيء، وذلك لمحاولتهم فرض المفهوم الامني الخاص بهم على المنطقة بأسرها، مفهوم امني يقوم على تدمير أمن الدول الاخرى ليصبح المطلوب بالتالي نوعا من الاستسلام الاقليمي لشروط امن اسرائيل. ويرجح الخماش أن صانعي السياسة في اسرائيل وهم يحاولون تثبيت هذا المفهوم على الارض، غفلوا عن ان سياسة القوة وفرضية التفوق عجزت ان تحقق الامن والطمأنينة لدولة اسرائيل وشعبها، فلغاية الان لم يكتمل ترسيم حدود اسرائيل او تحديد علاقاتها مع جيرانها، اذ مازال هناك اعتقاد في مقولة «كل الشعب جيشي» كما يقول ايلي زعيرا في كتابه «حرب يوم الغفران». ولكن ماذا يعني الصهاينة بمقولة «استراتيجية الاستنزاف» تفصلها الدراسة بالقول أنها من العبارات المتواترة في الخطاب الصهيوني التي يجري اعتمادها وتقنين العمل بها يوما بعد يوم وتعرف باسمها أي «استراتيجية الاستنزاف» وهي استراتيجية من نوع خاص شاركت في وضعها جهات وهيئات مسئولة ومتنفذة، ظاهرة وخفية داخل دولة اسرائيل وخارجها، وهي استراتيجية معدة للتعامل مع مستجدات الاحداث: عسكرية كانت ام سياسية ام اقتصادية. المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية السابقة كانت غارقة حتى العمق في هذه الاستراتيجية.. وما تجارب السلطة الفلسطينية في مفاوضاتها المريرة مع اسرائيل وكذلك المفاوضات السورية ومن قبل المفاوضات الاردنية الا دليل عملي وتطبيق ملموس على هذه الاستراتيجية المطبقة من قبل الجانب الاسرائيلي الذي يعمد الى استثمار الغموض في الاتفاقات والنصوص ومحاولة تأويلها وإيجاد تفسيرات غير متوقعة لها وعزل الظواهر والدلائل الماثلة عن اصولها التاريخية بحيث يبدو الواقع كما لو كان مجرد عمليات ليس لها سياق تاريخي محدد، وتعطيل المفاوضات وعرقلتها للبدء مجددا والعودة الى نقطة الصفر. وتشير الدراسة إلى عشرات الوثائق الاسرائيلية التي سمح بنشرها واطلاع الباحثين عليها، والتي أكدت تبني بناة دولة اسرائيل لهذه الاستراتيجية، ومن ضمن هذه الوثائق بعض الحوارات التي دارت في وكالة الطاقة النووية الاسرائيلية بين رئيس الوزراء الاسرائيلي الاول والاكبر «دافيد بن جوريون» والعالم الألماني اليهودي «دافيد بيرجمان» ومما جاء في هذا الحوار قول بن جوريون للعالم اليهودي: «نحتاج مع العرب الى مفهوم في «الحرب» جديد، ورأيي انه يجب ان يكون حرب استنزاف متواصلة ونشيطة في كافة المجالات وهذه الحرب يجب ان تكون: سياسية نفسية، اقتصادية، عسكرية اذا اقتضى الامر .. والعرب بالطبيعة نفسهم قصير، وهم يستطيعون تعبئة جهودهم لفترة زمنية محددة، لكنهم اذا طال الوقت تراخت تعبئتهم وترتيبا عليه، فإن الافضل لنا ان نصل بهم الى حيث يسقطون من الاعياء». اما عن تطبيقات هذه النصائح التي ادلى بها اول رئيس وزراء اسرائيلي لأحد علماء دولته، فإننا نشاهدها بشكل واضح يوميا وعند كل مرحلة من مراحل مسيرة السلام مع أي طرف عربي مفاوض. وطبقا لرواية الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران، فإنه عندما طلب من شيمون بيريز بعد توقيع اتفاقية اوسلو شرحا عن التنازلات التي ستقدمها اسرائيل للسلطة الفلسطينية اجاب بيريز بـ: «انهم لم يفكروا بعد، وانهم يحتاجون وقتا طويلا يأخذون فيه الفلسطينيين الى مائدة المفاوضات ثم يعودون بهم من قرب المائدة ويطرحون عليهم صيغا واسعة مفتوحة لكل الاجتهادات ثم يأخذونهم معهم الى تمارين في الصياغة قد تكون مفيدة في تعليمهم دون ان تكون بالضرورة مؤدية الى اتفاق معهم، ثم انهم سوف يعرضون عليهم وساطات ووسطاء، يذهبون بأفكار ومقترحات ويجيئون بأفكار ومقترحات، ويتركونهم يذهبون الى واشنطن ونيويورك ويعودون من واشنطن ونيويورك، ثم يكون من هذا الجهد كله ان يؤقلم الطرف الفلسطيني نفسه تدريجيا على كيفية تخفيض سقف توقعاته». هذا كلام سياسي اسرائيلي يعتبر من دعاة السلام وأنصاره، وهو الذي هدد بتقديم استقالته لشارون إذا لم يتركه الأخير وسياسته الخارجية مع العرب، حسب المنطق الذي كشفه فإنه سيتعامل معنا نحن العرب بهذه الصورة، وفي الحقيقة بيريز مهما تعملق لم ولن يكون في النهاية سوى صدى لصوت معلمه بن جوريون. أما سياسيا فإن استراتيجية الاستنزاف تنسحب كذلك على الخطاب السياسي غير المعلن لدولة اسرائيل وهو الذي يراعي «خلق حقائق جديدة»، وقد لا نغالي اذا قلنا ان هذه العبارة تمثل في طرحها بالاضافة الى مفهوم القوة والتفوق الصيغة الصهيونية الاساسية الشاملة. خلق حقائق جديدة ومن ابرز دلالات عبارة خلق حقائق جديدة وتطبيقاتها على موضوع السكان والناس، ان الدولة الاسرائيلية في الاساس هي دولة احلالية، اغتصبت ارضا وحاصرت سكانها ثم قامت بتدمير القرى وطرد السكان الاصليين ضمن اكبر عملية من عمليات التطهير العرقي التي شهدها القرن الماضي لغايات اقامة دولة يهودية خالصة، دولة قائمة على استيراد الناس وتجميع اليهود فيها من مختلف اصقاع العالم، في اطار الحجة الدينية «أرض الميعاد» والتي وظفها الفكر الصهيوني الى درجة كبيرة ولقد علق حاييم وايزمان على هذه العملية بقوله: «ان خروج العرب بشكل جماعي كان تبسيطا لمهمة اسرائيل ونجاحا مزدوجا: انتصار اقليمي وحل ديموغرافي نهائي، ان الارض بعد تفريغها من سكانها اصبحت بلا شعب، حتى يأتي الشعب الذي لاارض له». وفي هذا السياق يرجح المحللون السياسيون ومنهم رئيس قسم الدراسات في المطبوعات والنشر أن الانتفاضة الفلسطينية: الاولى والحالية، شكلتا في الحقيقة نقطة تحول مهمة في بداية تراجع المشروع الصهيوني والحلم الاستيطاني الممتد، وانه لم يعد من السهل استخدام القوة شرقا، شمالا او جنوبا كما ذكر المفكر اليهودي جاك أتالي، بل ولا حتى في الاراضي العربية المحتلة حاليا، حيث قبلت اسرائيل الاقتراح الامريكي الخاص بالتخلي عن 90 ـ 95% من مساحة الارض الفلسطينية المحتلة، وقد ادرك المستوطنون الاسرائيليون ان الارض التي يسيرون عليها ويدعون ملكيتها منذ آلاف السنين هي في الواقع ليست ارضهم وليست ارضا بلا شعب كما كان الزعم، وان اهلها لم يستسلموا كما كان متوقعا منهم، ولم يكفوا عن المطالبة بشكل صريح وواضح في الضفة وقطاع غزة، وبحق العودة الى منازلهم واراضيهم في فلسطين الـ 1948. ونتيجة لهذا التحول المهم في بداية تراجع المشروع الصهيوني بدأ المفاوضون الاسرائيليون بالدعوة الى البعد عن عقد التاريخ، وان يبدأ الجميع بداية جديدة على ان يكون الواقع الحالي هو نقطة الانطلاق، وهو الامر الذي يرفضه الجانب العربي عموما، لان الامر الواقع حاليا هو واقع مؤسس على الظلم والعنف، وكيما يتم الخروج بحل سلمي وعادل فلا بد من بحث بنى الصراع وخلفياته التاريخية فهناك حقوق يجب على الجانب الاسرائيلي تأديتها للطرف المتضرر، وعلى رأسها حق العودة للشعب الفلسطيني، هذا الحق يعتبر جزءا اساسيا لاتمام عملية السلام بشكل عادل وشامل من ناحية، وهو كذلك جزء اساسي لمصلحة دولة اسرائيل لنزع الصيغة الصهيونية الاستيطانية العنصرية عنها. وفي مرحلة ما قبل 1948 تضافرت جهود جميع الاطياف الفكرية والسياسية للمنطقة الصهيونية العالمية على انجاز اهم عنصر من عناصر الايديولوجية الصهيونية المتمثل في التخلص من السكان الاصليين لفلسطين، وباستخدام القوة أيضا، حتى يتسنى اقامة دولة يهودية خالصة لا تشوبها اية شوائب عرقية او حضارية اخرى. وثمة ادبيات ثرية في هذا الموضوع توثق النية الصهيونية المبيتة لطرد العرب، وتبين الطرق المختلفة التي لجأت اليها قوات المستوطنين لطرد الفلسطينيين وتفريغ فلسطين من سكانها. واستندت هذه الادبيات في غالبيتها الى ما يطلق عليه د. عبد الوهاب المسيري صاحب موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية بـ«الغيبيات العلمانية» فهي بمجملها ادعاءات اطلقتها الحركة الصهيونية بررت من خلالها الحقوق المزعومة بأسلوب ديني توراتي عنصري، تعلى من خلالها الشعب اليهودي وحقه في الحياة والوجود وتنكر هذا الحق على الاغيار او «الغوييم» كما في المصطلح الصهيوني، وهو ما عبرت عنه رئيسة الوزراء الاسرائيلية جولدا مائير حين قالت بأنه: «ليس هناك شعب فلسطيني فالمسألة ليست اننا جئنا والقينا بهم خارج البلاد بعدما انتزعنا منهم اراضيهم، انهم لا يوجدون اصلا». وطالما ان هناك نفيا وانكارا لوجود الشعب الفلسطيني اصلا في الادبيات الصهيونية فان مثل هذا الانكار يتمخض عنه انكار الاعمال الوحشية التي مارستها عصابات الصهاينة بحق هذا الشعب من جهة ومن ثم رفض عودته الى وطنه من جهة اخرى، وقد تجسد هذا الرفض في توجيهات اسحق شامير لأعضاء وفده الى مؤتمر مدريد عام 1991 حيث قال: «ان تعبير حق العودة فارغ المضمون ولا معنى له ولن يحدث ابدا بأي طريقة او شكل، فهناك فقط حق يهودي في العودة الى ارض اسرائيل فأرض اسرائيل هي وطننا الاصلي وان أي بلد آخر مهما كان مضيافا يبقى مكان شتات ومكانا مؤقتا على الطريق نحو الوطن». وبناء على ما سبق ذكره، يمكننا القول ان الخطاب الصهيوني في طرحه لمشكلة العنصر البشري من الصراع العربي الاسرائيلي يستند الى مبدأين: ـ العمل على طرد واجلاء الفلسطينيين عن اراضيهم استنادا الى زعم انهم ليسوا شعبا وانهم في افضل حالاتهم مجموعة من القبائل ليس لها امتدادات تاريخية عميقة في فلسطين، ومن ثم المطالبة بإعادة توطينهم في أي مكان في العالم. ـ اليهود «شعب» يتم اعادة تشكيله وتجميعه من جديد والعودة به مجددا الى ارض اسرائيل بعد آلاف السنين من الغياب المؤقت. وقد اكد هذا التوجه جملة من الوثائق الاسرائيلية المنشورة التي سمح بنشرها مؤخرا ومن ضمنها يوميات مدير دائرة الاراضي التابعة للصندوق القومي الاسرائيلي، وأحد زعماء الاستيطان النشطين يوسف فايتس، حيث ذكر في يومياته بتاريخ 20/12/1940: «يجب ان يكون واضحا لنا تماما بأنه لا يوجد هنا حلول وسط، ولا توجد طريقة اخرى سوى ترحيل العرب من هنا الى البلدان المجاورة، يجب ترحيلهم جميعا، يجب الا نبقي على اية قرية او قبيلة، يجب ان يكون الترحيل الى العراق وسوريا وشرق الاردن، وستكون البلاد قادرة على استيعاب الملايين من اخواننا وتحل بذلك المسألة اليهودية». وبالفعل فقد وضعت هذه الاسس النظرية موضع التنفيذ منذ اللحظة التي اعلن فيها عن قيام دولة اسرائيل، فبدأت الدولة الناشئة بتشجيع كل اشكال الهجرة اليهودية اليها وتحفيز الجاليات اليهودية المقيمة في مختلف انحاء الارض ومن بينها الجاليات المقيمة في الدول العربية على الهجرة الى فلسطين، ولتحقيق هذه الغاية تم اتباع مختلف الاساليب والطرق لدفع هذه العملية الى الامام وانجاحها بشكل كبير، ومن بين هذه الاساليب قيام العصابات الصهيونية بتنفيذ عمليات ارهابية ضد الجماعات اليهودية في العديد من الدول العربية لحملهم على ترك اوطانهم التي عاشوا فيها منذ مئات السنين، وتصوير هذه الاوطان انها مناطق لم تعد آمنة للسكن والاقامة للجماعات اليهودية المهددة من قبل السكان العرب، ومن اهم العمليات الارهابية التي قام بها الصهاينة ضد الجماعات اليهودية لارغام اهلها على الهجرة «الترانسفير»، تلك التي دبرت ضد يهود العراق، حيث تركزت الانشطة الصهيونية هناك بشكل واضح وكان الصهيوني هارون ساسون انشأ جمعية في بغداد تدعى بـ «اللجنة الصهيونية» وما لبثت هذه اللجنة ان امتد نشاطها لتشمل العديد من المدن العراقية ليبلغ عددها 16 فرعا، وشهدت هذه المدن، وبالأخص مدينة بغداد في الفترة من 1950 ـ 1951 سلسلة من التفجيرات والعمليات الارهابية ضد المراكز اليهودية. ان مثل هذه الاحداث دفعت قسما كبيرا من يهود العراق الى الهجرة لاسرائيل، الا ان القسم الاكبر لم يكن راغبا في المغادرة الامر الذي صعدت معه الحركة الصهيونية من نشاطها، وقامت بمزيد من عمليات التفجير. وقد نشرت مجلة «هعولام هزيه» الاسرائيلية في عددها الصادر بتاريخ 29/5/1966 حقائق واعترافات مذهلة عن الاساليب التي اتبعتها العصابات الصهيونية ضد اليهود لاجبارهم على الهجرة الى فلسطين، وكما شهدت الجماعات اليهودية عمليات ارهاب مشابهة في كل من: مصر، وليبيا في نفس الفترة. وفي عام 1950 صدر ما يعرف بـ «قانون العودة» عن الكنيست الاسرائيلي، وهذا القانون اتسم بالعنصرية منذ لحظة صدوره، فهو ينطلق من الافتراض الصهيوني القائل بأن اليهود «شعب بلا ارض» ونص هذا القانون صراحة على حق كل يهودي في الهجرة او العودة الى اسرائيل بعد آلاف السنين من الغياب المؤقت، وأنكر هذا القانون بشكل ضمني هذا الحق على الفلسطينيين الذين هاجروا من اراضيهم عام 1947. وقد قارن العديد من الكتاب اليهود بين قانون العودة الصادر عن الحكومة الاسرائيلية، وبين القوانين النازية، وخلصوا الى نتيجة غاية في الاهمية وهي ان القانونين يستخدمان نفس الاطروحات البيولوجية والعنصرية التي روج لها الفكر النازي. استفسارات ولكن كيف ينظر العسكريون العرب لاعتماد إسرائيل على قوتها، وهل هذه القوة مفيدة لإسرائيل دوما وابدا وهل تعتقد أن الجيوش العربية قادرة الآن على خوض حرب رابحة ضد إسرائيل؟ يجيب عن هذه الاستفسارات قائد معركة الكرامة الجنرال مشهور حديثة الجازي في مقابلة له بالقول: إن الوقت الحاضر وحسب الإمكانات العسكرية للدول العربية من جهة وإسرائيل من جهة أخرى يصعب استشراف حرب عربية رابحة ضد إسرائيل. أما لماذا فلغياب عوامل عدة، أهمها الإرادة السياسية الموحدة، والاستعداد لفتح جبهات ضد العدو، أو تطوير أسلحتها التقليدية وغير التقليدية، بما يتناسب مع قوة العدو سواء النووية أو الكيماوية وغيرها. ولكن كل ذلك لا يثني الجنرال العربي عن التأكيد أن الجندي العربي لديه الجاهزية القتالية المطلوبة، رغم انه يحتاج لمزيد من التدريب، والمزيد من المعدات المتطورة. «هزيمة إسرائيل ليست أمرا مستحيلا» هذا ما يقرره الجازي إلا انه يضع شرطا لازما لهذه الهزيمة وهي توفر الإرادة السياسية. وفي رده في المقابلة ذاتها على سؤال حول احتمال استخدام إسرائيل لسلاحها النووي أم أن الجغرافيا ستعمل على إعاقة هذا التفكير، يقول من الواضح ان السلاح النووي الإسرائيلي يشكل ورقة ضغط لا يستهان بها على الجانب العربي، وكانت هذه الورقة ومازالت واضحة المفعول، خلال ما يسمى مفاوضات السلام بين الجانب العربي والجانب الصهيوني. أما بالنسبة لاستخدامه فإنني لا أعتقد أن الجغرافيا تسمح باستخدامه ضد الدول العربية المحيطة بفلسطين المحتلة. ومن المأمول أن يعمل الجانب العربي على النهوض عسكرياً بقواته، تطويراً وتحديثاً، ليشمل جميع أنواع الأسلحة التقليدية وغير التقليدية، بما فيها الأسلحة النووية، بالتعاون مع الدول القادرة على إنتاجها، بما فيها باكستان والصين وروسيا، ليشكل رادعاً للعدو، في حال تفكيره في الهجوم على وطننا الغالي. نجاح حزب الله وفي تلخيصه حول نجاح حزب الله على إجبار إسرائيل الانسحاب من الجنوب اللبناني يقول أن حزب الله قاوم ولايزال تحت مظلة المقاومة الوطنية اللبنانية، مدعومةً بالدرجة الأولى من لبنان وسوريا، وبإرادة صلبة وإيمان حقيقي بنبل الهدف الذي يحارب من أجله. في حين رؤيته للجاهزية القتالية لدى مقاتلي الحزب قال إن كفاح مجاهدي الحزب، وحرب الفدائيين قد أرهقا الجيش الصهيوني، وذلك لأن مجاهدي الحزب، كانوا يلقون كل الدعم من أبناء وطنهم، مادياً وعسكرياً، وعندما وجدت قوات العدو خسائرها البشرية في ازدياد تحت وطأة نيران المقاومة الوطنية اللبنانية وعلى رأسها حزب الله، وجدت أن ما يسمى الحزام الأمني، ما هو إلاّ مقبرة لقواتها، فآثرت الانسحاب من الأرض اللبنانية رغم أنفها. وحول الخطة التي يحتاجها العرب من اجل الفوز بحرب ناجحة في مواجهة إسرائيل قال يصعب الآن التفكير بإعداد خطة حرب ناجحة في مواجهة العدو الإسرائيلي، دون سابق إعداد وتنسيق عربي معمق، وعلى مراحل مدروسة. الإعداد لمواجهة عسكرية مع العدو يجب أن يسبقها بناء وإعداد على جميع الأصعدة، سواء في المجال الزراعي أو الصناعي أو الاقتصادي العربي، فمن دون ذلك يصعب التفكير في مواجهة عسكرية فعلية ومباشرة مع العدو الصهيوني. ولا بد من إيجاد مناخ مناسب لحوار ديمقراطي داخل البيت العربي، ما يساعد على تفعيل المشاركة الشعبية العربية، التي غيبت طوال العقود الأربعة الماضية عن إبداء رأيها في كل مجالات الحياة العامة، وعلى رأسها الصراع العربي الإسرائيلي. في ظل مثل هذه الظروف، قد تتشكل ملامح جديدة، ومناخات ملائمة لإعداد خطة مناسبة، وفي نهاية مقابلته يصرخ الجنرال العربي «أتمنى لو كنت قادراً على نصرة أطفال الانتفاضة بجيش جرار». ويكشف مضمون ما قاله الجنرال العربي أن القوة الإسرائيلية ما هي في حقيقة الأمر إلا صورة طبق الأصل عن الضعف العربي، وتأسيسا على ذلك لا يمكن الانتظار حتى اضمحلال هذه القوة بل العمل على رفع سوية قوتنا ... نحن العرب وفي كل المجالات السياسية والعسكرية والديمقراطية والاجتماعية والاقتصادية ولا ينسى الجنرال العربي حتى الناحية الزراعية في دعوته لعمل صناع القرار العربي لرفع درجة قوة عسكرهم. عمان ـ لقمان إسكندر: